قال: والإشهاد على طلب الشفعة يحتاج إليه لئلا يقع التجاحد وقت الطلب أو الإلتباس فأما للبوت والإستحقاق فيكفي الطلب نص في الفنون على أن الكرى لا شفعة فيه ونص فيه على أن طلب الشفيع الشفعة من المشتري لا ترخص له في منع البائع من الثمن ونص في الأحكام في غير موضع على أن الشفيع يلزمه دفع ما أخرجه المشتري ونص على أن من اشترى أرضاً فقام الشفيع فيها أو فيهما لزمه قيمة التي هي عوض لما طلبها فدلت هذه الجملة على أن الثمن إن كان مما له مثل من الدراهم أو النانير أو ما يكال، أو يوزن فعلى الشفيع مثل ذلك الثمن، وإن كان الثمن مما يجب تقويمه لزمه قيمة ذلك أرضاً كانت أو عبداً أو ثوباً، أو غير ذلك مما أشبهه، وهذه الجملة ممالا أعرف فيه خلافاً ونص في المنتخب على أنه إن كان اشترى بما يكال أو يوزن كالحنطة والشعير ونحوهما فللمشتري على الشفيع مثله.(80/27)
كتاب الإجارة
باب القول فيما يصح من الإيجارة أو يفسد
الإجارة الصحيحة: أن يستأجر الرجل شيئاً معلوماً له نفع معلوم بأجرة معلومة إلى مدة معلومة أو لها كذا وآخرها كذا، أو أن يتقبل عملاً معلوماً بأجره معلومة فإن دخلت الجهالة في شيء من ذلك فسدت الإجارة.
قولنا: له نفع معلوم ليس المراد أن يكون النفع معلوم القدر على التحقيق بل يقول ذلك في المدة والأجرة، بل يكفي أن يكون النفع معلوماً على الجملة كأن يعلم أن الأرض تكترى للزرع أو للبنا، أو الدار للسكنى أو الرحا للطحن، ولا يجب أن يكون مقدار الزرع معلوماً، ولا من سكن في الدار مع المستأجر من الأهل والولد وغيرهم معلوم العدد ولا الطحن معلوم القدر لأن ذلك لا يمكن ويتعذر فيه الحصر فاما أول المدة فإن ذكره كان أوكد وإن سكت عنه كان من حين يقع عقد الإجارة وأما ذكر آخر المدة فلا بد من ذكره وإلا فسدت الإجارة.
فإن قيل: إلى شهر أو إلى سنة كان آخر المدة مذكوراً لأن انقضاء الشهر أو السنة يكون آخر المدة وأما استئجار الدواب فذكر المسافة فيه يقوم مقام ذكر المدة والأصل في تثبيت الإجارة قول الله تعاالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}، وقال موسى لصاحبه: {لَوْ شِئْتَ لأتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}، وقال شعيب لموسى عليهم السلام على ما ورد في التفسير: (إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تاجرني ثماني حجج)، وقال صاحب يوسف: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيْرٍ}، وهذا يكون على سبيل الأجرة فدل جميع ذلك على أن الإستئجار كان في شريعتهم صلوات الله عليهم.
وروي أن النبيس صلى الله عليه وآهل وسلم لما أراد الهجرة استأجر رجلاً خريتاً فاخذ به صلى الله عليه وآله وسلم وبأبي بكر على طريق الساحل وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اشترى بمنى سراويل وثم وازن يزن بالأحرة فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الثمن ثم قال ارجح.(81/1)
وفي حديث ابن أبي وقاص أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص أن تكرى الأرضون بالذهب والفضة على أنه إجماع الفقهاء وعمل توارثه الخلف عن السلف من الصدر الأول إلى يومنا هذا وأما وجه ما ذهبنا إليه من أن المدة والفع والأجرة والعمل والمستأجر يجب أن تكون معلومة فهو ما أجمعوا عليه من أن الإجارة بيع المنافع، وأنها جارية مجرى البيوع في أن دخول الجهالة يفسدهاا وقد علمنا أن دخول الجهالة في بعض ما ذكرنا ليس باولى بالإفساد من بعض فقلنا أن الجهالة يجب أن تنتفي عن جميع ما ذكرناه وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من استأجر أجيراً فليعلمه أجره)، فأوجب أن تكون الأجرة معلومة، وإذا وجب كونها معلومة وجب كون ما يقابلها من العوض معلوماً كالبيع والسلم لم وجب كون المسلم فيه معلوماً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (فليسلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم)، وجب أن يكون ما يقابله من العوض وهو الثمن الذي يعجله المسلم معلوماً.
مسألة:
والإجارة الصحيحة تنتقض لغير عذر وانتقاضها لغير عذر يحكى عن بعض القدماء يقال إنه قول شريح وليس بذلك الظاهر والأجماع قد قطع ذلك فأسقط ويجح قائله، قول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (المؤمنون عند شروطهم)، وعن الشاافعي إنها لا تنتقض للعذر، وما ذهبنا إليه به قال أبو حنيفة وأصحاابه، ووجهه ما لا إشكال فيه أن من كان عنده مسبوت فظنه ميتاً واستأجر الحفار ليحفر قبره ويدفنه ثم علم أنه حي أنه لا يجب أن تمكن الأجير من دفنه فيستحق الأجرة وكذى من استأجر أن يقلع ضرسه لوجع به أو يكون له عضوا أليماً ثم زال العارض من الوجع والعلة أنه لا يجب تمكين الأجير مماا استأجر عليه فيستوفي االأجرة فوضح بما بيناه من أن الإجارة تنتقض، ثم وجوه المعاذير كثيرة.
مسألة:(81/2)
وإذا أجر الرجل داره من رجل ثم باعها من رجل آخر قبل انقضاء مدة الإجارة فإن كان باعها من ضرورة انفسخت الإجارة وسلمها البائع إلى المشتري وإن كان باعها لا من ضرورة لم بنفسخ الإجاارة، وكان المستأجر أولى به إلى انقضاء المدة، ووجه ذلك ما بيناه من أنها تنتقض لعذر ولا تنتقض لغير عذر والضرورة التي أرأيناها، ووجههه أنه باع لسد رمق جوعه أو جوع أهله فوجب أن يصير عذراً فيه كان ولا مال له سواه ويحبسه الحالكم ويعجز عن مؤنة أهله وعياله وغير ذلك فإن كان باعه غير عذر فالأقرب ما روي عن أبي يوسف أن ذلك يكون كالعيب في الدار فإن شاء المشتري صبر إلى حين انقضاء الإجارة وإن شاء فسخ البيع لتعذر التسليم إن لم يكن عرف ذلك قبل البيع ولو أن رجلاً استأجر داراً ليسكنها شهراً معلومااً لم يكن له تسليمها قبل إنقضاء المدة ولا لمن أجرها عنها قبل ذلك سواء تقابضا الأجرة أم لا وهذا على ما بيناه من كونهما معذورين أو غير معذورين.
مسألة:(81/3)
قال: فإن انهدمت الدار وجب على صاحبها إعادة بنائها إن كان مسراً لِيَتِمَّ سكنى المستأجر وكذا قال الشافعي وعند أبي حنيفة تسقط أجرة ما قي من المدة ويحكى عن أبي ثور أن الأجرة كلها لازمة، ووجه ما ذهبنا إليه أن العاقد على نفسه لغيره عقد معاوضة يلزمه تسليم ما إلتزم تسليمه بالعقد فإن كانت له مؤنه غرمها دليله من أسلم في شيء لحمله مؤنة واشترط تسليمه في مكان أن صاحب السلم يلزمه أن يغرم مؤنة الحمل ليصح تسليمه ما إلتزم بعقد المعاوضة تسليمه ويمكن أن يقال يلزمه ذلك لأنه إنفاق على مال نفسه ليصح منه تسليم ما إلتزم بعقد المعاوضة تسليمه وأصله ما ذكرناه في السلم ثم الأصول تشهد لذلك لأن من باع ثوراً نفوراً عليه تسليمه إلى المشتري وغرامه تسليمه وكذلك الصائغ والنجار وغيرهما من الصنع إن استؤجروا على عمل لهم يلزمهم مؤنة ألا تهم ليتم لهم تسليم م يتقبلونه من العمل وهكذا لو تزوج رجل بامرأة وهي جائض فطهرت مع طلوع الشمس فطالبها الزوج بالدخول فعليها مؤنة الإغتسال ليتم تسليم البضع الذي إلتزم تسليمه بعقد النكاح ونظائره كثير، وأما ما يذهب إليه أبو ثور فبعيد لأنم الإجارة هي بدل الممنافع فإذا تلفت المنافع بطلت الأجرة كما أأن السلعة المشتراه إذا تلفت قبل التسليم بطل الثمن فإن كان معسراً انفسخت فإن ايسر قبل انقضاء مجة الإجارة حكم عيه بالبناء وذلك أن الإجارة على ما بيناه تنفسخ للغذر والإعدام عذر ومعنى ينفس إنما هو أن قسط مدة الإعسار ينفسخ ولا ينفس أصل العقد لأن أصل العقد لو انفسخ لعاد فيما يسكن إلى كرى المثل فإذا كان ذلك كذلك فهو مطالب بالبناء إذا يسر في مدة الإجارة لأن العذر قد زال والعذر إنما أثر في المدة التي كان فيها معسراً.
مسألة:(81/4)