قال: وإذا اتغلى الشفيع فترك الشفعة ثم استحط المشتري شيئاً من الثمن فحط البائع عنه كان للشفيع أن يأخذها من المشتري بالثمن الثاني لأن الحط يلحق الثمن فإذا صار الثمن أقل فله أخذه به لأنه ترك حين كان الثمن أكثر، فإن ترك الجميع من الثمن كان الواجب أنيأخذ بجميع الثمن، لأنه إذا اترك الجميع، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأيضاً الحط والزيادة يلحقان العقد حتى يكونا في الحكم كأن كل واحد منهما كان مع العقد وحط الجميع لا يصح أن يلحق العقد لأنه يكون بمنزلة عقد بلا ثمن فيجب أن يكون أبراء وإذا كان ابراء وجب على الشفيع أن يأخذه بجميع الثمن.
مسألة:
قال: وخيار المشتري إذا كان مشروطاً في العقد فإنه لا يمنع الشفعة لأن الشفيع يصير أولى بالعقد وحقوقه من المشتري وقد انقطع عنه حق البائع وخرج الشيء عن ملكه فوجب أن يكون للشفيع أخذه وإبطال خيار المشتري وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي، قال ابن أبي هريره في التعليق، ويحتمل على قول له آخر أن لا يكون للشفيع أخذه حتى يختار المشتري إمضاء البيع، قال: لأن له أن يقول لا أضمن عهدة شيء لا أختار، وهذا لا معنى له لأنه لا يدخل في العهد باختياره وإنما العهد قد لزمته حين استحق الشفيع بانقطاع ملك البائع عنه كما أنه لو كان به عيب كان للشفيع أن يرضى به، ويأخذه ويبطل خيار المشتري فيه فكذلك الخيار المشروط فأما إذا كان الخيار للبائع أو لهما فلا شفعة فيه حتى ينقطع خيار البائع لأن ملك البائع لم يزل عنه بعد، بل هو على ملكه وهذا مالا أعرف فيه خلافاً، ومتى اختار البائع إمضاءه وجبت الشفعة للشفيع.
مسألة:(80/12)
قال: وإذا أخذ الشفيع شفعته ثم حضر شفيع أولى منه وطلب الشفعة أخذها من الشفيع الأول لأن الشفيع الأول إنما ثبتت له الشفعة بأن يتركها من هو أولى فإذا لم يتركها وطلبها من هو أولى كانت الشفعة للأولى دون من أخذها أولاً، ألا ترى أنهما لو حضرا جميعاً سقطت شفعة أحدهما فكذلك إذا حضر الأولى بعد أخذه وهذا ممالا خلاف فيه.
مسألة:
وإذا بيعت الدار في زقاق لا منفذ له كانت الشفعة للأقرب إليها فاالأقرب.
إعلم أن المراد به الأخص في شركة الطريق كزقاق فيه ثلاث دور، اثنان مشتراكان في موضع من الطريق لا شركة فيه للثالث، والباقي شرك للجميع وكذلك إن كثرت الدور في الزقاق، والأصل فيه أن الخليط لما كان أخص بالشركة من الشريك في الطريق كان أولى بالشفعة من الشريك في الطريق لأن الشريك في الأصل له الشركة حيث لا شركة فيه للشريك في الطريق، وللشريك في الأصل حيث فيه الشركة للشريك في الطريق فكذلك ما ذكرناه للوجه الذي بيناه.
مسألة:
قال: والمضارب إذا اشترى حائطاً وبيع إلى جنبه حائط نظر فيه فإن كانت قيمة الحائط الأول زائدة على رأس المال كانت الشفعة للمضارب، ولصاحب المال جميعاً، وإن كانت لا تزيد على ذلك كانت الشفعة لصاحب المال دون المضارب ووجهه أن الزيادة على رأس المال يكون بين الضارب وصاحبه فمتى زادت القيمة حصل فيه شركة للمضارب فوجب أن يكون له فيه شفعة كالشريكين في دار إذا يبعت إلى جنبها أخرى كان لكل واحد منهما فيها شفعة، فأما إذا لم يكن في ذلك زيادة على رأس المال فلا حق فيه للمضارب فلذلك أبطلنا شفعته لأنه ليس شريكاً في الحائط المشترى أولاً هذا إذا كانت المضاربة صحيحة فأما إذا كانت فاسدة فالشفة على الوجوه كلها لصاحب المال دون المضارب تخريجاً لأن من مذهب يحي عليه السلام إذا كانت المضاربة فاسدة فإنما له أجرة عمله فعلى هذا لا يكون له شرك في الحائط على وجه من الوجوه فلذلك قلنا أنه لا شفعة له بتة.(80/13)
باب القول فيما تبطل به الشفعة
إذا حضر الرجل عقد بيع له فيه شفعة فلم يطالب ساعة ينعقد البيع بطلت شفعته، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشفعي، والأصل فيه ما روي عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (الشفعة كنشطة عقال فإن قيدهاا مكانه ثبت حقه وإلا فاللوم عليه، وما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الشفعة لمن واثبها)، ولا خلاف بين العلماء أن من ترك طلبها مدة طويلة من غير عذر بطلت شفعته فكذلك إن تركها مدة قصية والعلة اعراضه عن طلبها لغير عذر، ولأنه يؤدي إلى تعليق حق المشتري فوجب أن يكون ذلك مبطلاً لشفعته قياساً على تركه مدة طويلة، ويمكن أن يقاس بهاتين العلتين على قبول البيع في المجلس إذ الإعراض عنه في المدة القصيرة مبطل لحقه بالإجماع أعني في القبول فإن كان المانع من ذلك عذراً كالخوف من ظالم أو ما أشبه ذلك لم تبطل شفعته فإذا زال العذر عاد الأمر كما كان في أنهاا تبطل إن لم يطلبها وذلك ان المعاذر لها تاثير في مثل هذا ألا ترى أنه لو باع واشترى أو مكرهاا لم يقع شيء من ذلك وكذلك عند الطلاق والعتاق والنكاح فكذلك السكوت عن طلب الشفعة إذا كان لما ذكرنا والذي يجب أن يعتبر في الخوف هو ما نعتبره في باب الإكراه وغن كان خوفاً يسيراً كالخوف من الوحشة أو ما جرى مجراها لم يؤثر، وبطلت الشفعة كما نقول ذلك في الإكراه.(80/14)
وحكي عن بعض أصحاب أبي حنيفة أن الشفعة تبطل إذا سكت خوفاً وشبهوه بخيار القبول في المجلس والفصل بينهما أن العذر لا يؤثر فيه لا ترى أن الشفيع لو تركها ظناً منه أن البيع بألف ثم علم أن البيع بأقل لم تبطل شفته وليس كذلك خياار القبول، والغائب إذا بلغه خبر البيع إن لم يشهد على أنه مطالب شفعته ولم يبعث بذلك إلى المشتري أسرع ما يمكنه بطلت شفعته على ما بينا إلا أن يمنعه ما ذكرنا وذلك أن طلب الغئب هو بالأشهاد والإخفاذ فمتى قصر في واحد من الأمرين بطلت شفعته على ما بيناه، والصغي إذا بلغ فقصر بطلت شفعته على مابيناه، قال: ولو أنهم تركوا ما يجب عليهم في ذلك وتهاونوا يوماً أو يومين، أو أقل أو أكثر لجهلهم بذلك لم تبطل شفعتهم، وهذا عندي ضعيف لأن سائر ما قدمنا ذكره يوجب إبطالها بهذا، ووجه مع ضعفه أن الشفعة موضوعه لدفع الضرر فلو ضيقنا على الشفيع حتى تبطل الشفعة لأمر جهله، ولم يحط به علمه لم نكن دفعناا عنه الضرر، ولا اعرف خلافاً في تاجيل الشفيع مُدَيْدَةً تحمل المال، وقد تسومح في ذلك ليتم دفع لضرر عنه فكذلك ما ذكره ويمكن أن يتعلق لذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)، ولأن جهله بالبيع يمنع من سقوط حقه فكذلك جهله بما يلزمه في الطلب فأما ما يوضح الوجه الأول فهو أنه لا شبهة في المشتري لو جهل أن قبوله الإيجاب في المجلس من البائع يبطل حق القبول وكذلك القابل النكاح لم يمنه ذلك من بطلان حقه وكذلك من ااشترط خيار الثلاث لو جهل أن سكوته إلى ان تمضي المدة يبطل خياره فسكت حتى تنقضي مدة الخيار لم يمنع ذلك سقوط خياره والأصل في هذا أن هذه أمور تتعلق بالأقوال والأفعال فقط فلا يؤثر فيها الجهل والعلم ويوضح ذلك ماا رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده عليهم السلام أن رجلاً أتى علياً عليه السلام، فقال: عبدي تزوج بغير إذني فقال علي: (فرق بينهما)، فقال السيد لعبده: طلقها(80/15)
ياعدو الله فقال له علي عليه السلام: (قد أجزت النكاح فإن شئت أيها العبد فطلق وإن شئت فأمسك)، ومن المعلوم أن سيد العبد لم يعلم أن قوله ذلك موجب لتثبيت نكاح عبده لذلك قال وعلي عليه السلام لم يعتبر جهله وأوجب وقوع ما عقتضاه لفظه وإن وقع بغير علم فكذلك ما مضى فيما يبطل الشفعة لا يعتبر فيه علمه ولا جهله فأما صفة الخبر الذي إذا بلغه تعلق الحكم به فقد اختلف فيه فحكى أبو الحسن الكرخي عن أبي حنيفة وزفر أن الخبر يجب أن يكون من رجلين عدلين أو رجل وامرأأتين عدول، وحكي عن بعض أصحابه أنه يجي على قياس قوله أن يخبر رجل عدل وحكي عن أبي يوسف ومحمد أنهما اعتبرا في الخبر أن يكون الخبر حقاً سواء كان المخبر حراً أو عبداً أو صبياً أو امرأأة أو عدلاً أو غير عدل بعد أن يكون الخبر صدقاً ولا أحقظ فيه عن أسحابنا نصاً والذي عندي فيه أن الخبر يجب أن يكون ما يغلب على ظنه انه سدق من غير مراعات حوال المخبر لأن أكير احوال المعاملات يتعلق به كقبول الهدايا وطهارة الشيء ونجاسته وكالإستباحاات التي تكون بين الناس وما اشبه ذلك هذا فيما للإنسان وعليه فيما بينه وبين الله تعالى، فإن أاراد أن يلزم أمراً غيره فلا بد من شهادة تامة وعدالة، وما ذكرنا من امر الشفعة هو شيء بينه وبين الله تعاالى، ويسقط حقه وليس فيه إلزام الغير شيئاً فوجب أن يراعى في الخبر أن يكون مغلباً للظن على أن الأخبار التي لا تغلب الظن لا تأثير لها في سائر الأحكام فوجب أن يكون خبر الشفعة كذلك ولأن 1لك ليس بحكم فلا يجب أن تراعى فيه العدالة كما قلنا في قبول الهدايا وماا أشبهه فإذا بلغ الرجل خبر بيع على صفة فكان عنده أنه بيع فاسد فترك الشفعة كان ذلك تسليماً وإن علم بعد ذلك إن الحاكم قد أجاز ذلك البيع لأن تسليمه لكونه على صفة كان عليها والصحة والفساد حكمان يتبعان تلك الصفة فيجري مجرى أن يعتقد أن لا شفعة بالجوار فيترك شفعة دار بيعت إلى جنب داره في أنه ليس(80/16)