قال: ولا شفعة في الصداق وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وعند الشافعي فيه الشفعة ولا شفعة في الصدقة والهبة وعند ابن أبي ليلى ومالك في الهبة الشفعة، والأصل في ذلك أن الشفيع يأخذ الشيء بالبدل الذي حصل على المشتري من المال فإذا حصل الشيء له بغير بدل هو مال لم تجب فيه الشفعة فيه، والدليل على ذلك أنه لولم يكن الأمر على ما ذكرنا لكان الشيء يؤخذ بقيمته فلما لم يؤخذ بقيمته وأخذ بالثمن صح ما ذهبنا إليه ولا خلاف أنه لا شفعة في الإرث وكذلك الصدقة، والهبة لأنهما دخلا في ملكه بغير عوض، وربما قاسوه على البيع بعلة أنه دخل في ملكه بإختياره وهذا لا معنى له لأن الإختيار لا تأثير له في هذا الباب، ألا ترى أن الشيء يدخل في ملك اليتيم والمجنون بالشراء ولا إختيار لهما ومع هذا تجب فيه الشفعة، وأما الصداق فإنه وإن كان في مقابلة البضع فإن البضع لا قيمة له في الحقيقة ولأن المهر لا يملك به البضع وإنما يستباح البضع به على أنا لو أوجبنا أخذ المبيع بمهر المثل كنا قد أوجبنا أخذ العوض بحسب أحوال المالكه في حسنها وشبابها وتزوجها ونسبها وثروتها وهذا في نهاية البعد لأن إيجاب العوض بحسب أحوال المشتري خلاف موضوع الشفعة بل خلاف ما يتملك بالأعواض على أن المحكى أن ابن أبي ليلى كان يوجب أخذ المبيع بقيمته وهذا وإن كان بعيداً وبخلاف موضوع الشفعة فهو أقرب مما ذهب إليه الشافعي، وهذا يقتضي ألا شفعة في الخلع، وفي عوض المستأجر وما أشبهه مما لا يكون عوضه مالاً ومنه ما صولح به عن دم العمد، ويقاس ذلك على الصداق أو يجعل دم العمد أصلاً.
مسألة:(80/7)
قال: والهبة على عوض يجب فيها الشفعة ويؤخذ بقيمة العوض وقول أبي حنيفة مثل قولنا إلا أنه يوجب الشفعة بعد حصول التقابض وفيهما جميعاً أعني الهبة والعوض، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال زفر تجب الشفعة إذا حصل الإيجاب والقبول وإن لم يحصل التقابض، والأشبه ان يكون قولنا كقول زفر، والأصل فيه أن الهبة على العوض كالبيع فكما أنه لو باع بعرض وجبت الشفعة ولزمه قيمة العرض كذلك إذا وهب على عوض لأنه عقد معاوضة أوجب تمليك البدل، والمبدل ولا يشترط التقابض فيها كما لا يشترط في البيع إذ قد بينا أن ذلك مثل البيع على أن من أصلنا أن الهبة تثبت من غير قبض فلم يكن لاشتراط القبض في هذا معنى.
مسألة:
قال: وإذا بيعت أرض بأرض دار بدار وجبت الشفعة بقيمة العوض دون المأخوذ بالشفعة وقيمته قيمته يوم عقد البيع وهذا ممالا أحفظ فيه خلافاً.
والأصل فيه إيجاب الشفعة بالثمن دون القيمة فوجب أن يلزم قيمة العوض لأن العوض هو الذي يجري مجرى الثمن ولأن الشفيع لو أجبنا عليه الأخذ بقيمة المبيع دون الثمن كان ذلك يؤدي إلى دخول الضرر على المشتري إن كان أعطى ما قيمته تزيد على قيمة المأخوذ بالشفعة موضوعة على أن يخرج المشتري كفافاً حتى يكون سبيله سبيل الوكيل من غير أن يلحقه ربح أو خسران، وقلنا إن قيمته قيمته يوم عقد البيع لئلا يلحق المشتري فيه الربح والخسران فكذلك المسألة الأولى ولأن الحق تعلق به يوم العقد فوجب أن تعتبر قيمته يوم العقد.
مسألة:(80/8)
قال: وإذا اشترى رجل ضيعتين متفرقتين في صفقة واحدة ولإحدى الضعتين شفيع أخذ ماله فيه الشفعة وفرق الصفقة، وحكي عن الناصر أنه قال: يأخذ الجميع، أو يترك الجميع، والصحيح ما ذهبنا إليه وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وذلك أن حق الشفيع تعلق بإحدى الضيعتين فوجب أن يكون المأخوذ إحداهما كالرد بالعيب، ألا ترى أن إحدى الضيعتين لو وجد فيها عيب لكانت هي المردودة دون الأخرى لأن حق الإستحقاق بها تعلق، فكذلك الشفعة يجب أن يكون المأخوذ بها أحدهما على أن الموجب للشفعة هو الشركة في المبيع، أو في طريقة أو في شربه أو الجوار الملاصق، وليس بينه وبين الضيعة الأخرى شيء من ذلك فيجب أن لا يؤخذ بالشفعة قياساً على ما يشتري في صفقتين.
مسألة:
قال: وإذا كانت للصبي شفعة كان له أن يطالب بها إذا كبر وإن كانت للغائب كان له أن يطالب بها إذا حضر وذلك أن حقهما ثابت فلا يبطل للصغر ولا للغيبة، لأن الصغر والغيبة لا يبطلان شيئاً من الحقوق الثابتة فكذلك حق الشفعة إلا أن يكون عرض ما يبطله على ما نبينه من بعد.
مسألة:(80/9)
قال: وإذا كانت أرض بين رجلين فباع أحدهما حصته من رجل آخر ولم يعلم شريكه ثم باع الشريك الآخر حصته من آخر ولم يعلم ببيع شريكه الذي باع قبله فليس للبائع الأخير ولا لمبتاعه فيه شفعة على المشتري الأول ووجهه أن ما كان يستحق به الشفعة قد خرج عن ملكه فبطلت شفعته كالآجنبي، ألا ترى أنه لما لم يكن بينه وبين المشتري شيء من حقوق الشفعة قائم لم يكن له شفعة فكذلك الشريك إذا باع نصيبه على ان الشفعة موضوعها والله أعلم لدفع ضرر المشاركة والمجاورة، فإذا باع الشريك نصيبه خرج من أن يخاف أذى أو ضرراً بالمشاركة فزال سبب الشفعة فوجب ألا تكون له شفعة وأما مشتريه فإنه ملك بعدما ملك المشتري الأول فلميكن له عليه شفعة لأن الشفعة لم تدخل عليه في شربه أو جواره ويجب أن يكون للمشتري الأول الشفعة على المشتري الثاني لأنه داخل عليه في الشركة كما ثبت له على مشتر ثالث لو دخل عليه في الشركة والعلة دخوله عليه في الشركة.
مسألة:
قال: والشفعة ـ على عدد الرؤوس لا على عدد الأنصباء، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي وله قول آخر أنها على عدد الأنصباء، ووجهه ما ذكره يحي بن الحسين عليه السلام من أن صاحب النصيب الأقل لو انفرد لاستحق الجميع كما يستحقه صاحب الأكثر فإذا اجتمعا وجب ان يقسم المشفوع فيه بينهم بالسوية كالرجلين يدعيان شيئاً ولأحدهما شاهدان وللآخر ثلاثة من الشهود يقسم الشيء بينهم بالسوية والعلة أن كل واحد منهما لو انفرد لاستحق الجميع وكذلك الإبنان والإخوان في الإرث ولا خلاف ف الجارحين لو جرح أحدهما جراحه واحدة والآخر خراجات عدة فمات المخروج إن الدية تلزما على سواء وكذلك العبد إذا كان بين ثلاثة لأحدهم السدس وللآخر الثلث وللآخر النصف فأعتق صاحب السدس والثلث أن النصف يقوم بينهما على سواء والعلة في الجميع إن كل واحد منهم لو انفرد لقضي عليه بذلك فلو اجتمعا قضى عليهما على سواء فكذلك في الشفعة.(80/10)
فإن قيل: في المدعيين ان الحق وجب بالشاهدين لصاحب الشهود الثلاثة والثالث لا تأثير له.
قيل له: العلة في الجراحات أنها تسري في البدن ولا نعلم أيها كان سبب القتل فسوينا بينهما على عدد الرؤوس.
قيل له: لو كانت العلة ما ذكرت لوجب أن يجعل لكل جراحة حظ السراية فكان الواجب توزيع الدية على الجارحات، لكن العلة ما ذكرنا.
مسألة:
قال: وإذا اشترى أرضاً وقام فيها شفيع لم يكن للمشتري أن يقيل فيها البائع إلا أن يترك الشفيع شفعته، المراد بهذا أنه يكره له الإقالة فيما بينه وبين الله لأنه يكون مانعاً في الحال للشفيع شفعته، او يكون المراد به أن الإقالة لا تبطل شفعته لأن الإقالة تقع، قد نص يحي عليه السلام أنها كالبيع، والبيع الثاني لا يسقط الشفعة فالإقالة تقع إن أقال المشتري مالم يؤخذ المشتري، وله أن يتصرف فيه بما شاء من بيع، أو هبةنن، أو مؤاجرة أو استهلاك لا سمنع من شيء منه حكماً وإن لم يستحب له فيما بينه وبين الله تعالى إلا التسليم والتشفيع فكذلك الإقالة يجب أن تقع صحيحة وإن كرهت فإن أقال وكان الشفيع قد أبطل شفعته في البيع الأول فله الشفعة بالإقالة تخريجاً لأن يجي بن الحسين عليه السلام قال: الإقالة كالبيع سواء، ولو سلم الشفيع الشفعة حين اشترى المشتري ثم باع المشتري ما اشتراه كان للشفيع الشفعة في البيع الثاني، فكذلك الإقالة على مذهبه إذ هي بيع.
مسألة:(80/11)