قيل له: ولا يتحصل الدوام في شيء من الأشياء وإنما بطول المشاركة في بعض الأشايء على أن العروض والحيوان قد يجوز أن يبقى مدة طويلة وربما يتهدم العقار قبل تلف الحيوان والعروض فلا معنى لماا ذكروا على أن ذلك لو صح لكان لنا أن نقول إن ذكر الدوام لا معنى له لأن الغرض هو دفع الأذى ويمكن أن يقاس على ما أجمع عليه بحصول الشركة، وما يتعلقون به من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الشفعة في كل شريك في أرض أو ربعه، أو حائط وما أشبه ذلك مخصوص بما ذكرنا.
مسألة:
قال: ثم الشفعة للشريك في الشرب ثم للشريك في الطريق ثم للجار الملازق، كل من أثبت شفعة الجواز فلا يخالف في الشرب والطريق وأنهما يتقدمان عليه ولا خلاف أنه لا شفعة للجار إذا لم يكن ملازقاً، وإنما الخلاف بيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه في الشرب والطريق فإنهم يسوون بينهما ونحن نقدم الشرب على الطريق، والوجه فيه أن الشرب يجمع حقين حق الماء وحق المجرى فهو أوكذ من الطريق الذي ليس فيه إلا حق الإستطراق، وأيضاً موضوع الشفعة على الإختصاص، ألا ترى أنه لا خلاف أنه لا شفعة للجار مع الشريك في الأصل لأنه أخص بالمبيع بدلالة أن من كان له حق في الطريق فله أن يفتح من داره تلك إلى الطريق من الأبواب ما شاء، وليس كذلك من كانت لأرضه فوهة إلى نهر أنه ليس له أن يفتح إليه فوهة أخرى، فبان أن التخصيص في الشرب أوكد فوجب أن يكون الشفيع فيه مقدماً على الشفيع في الطريق فتأذى شركة الشرب أشد من تأذي شركة الطريق، فوجب أن يكون ذلك أولى فلهذا قدم الشريك في الأصل.
مسألة:(80/2)
قولنا وقول أبي حنيفة وأصحابه في الشفعة بالجوار واحد والخلاف فيه بيننا وبين ابن أبي ليلى والشافعي والإمامية، حكى الكرخي أن ابن ابي ليلى كان يقول في ذلك مثل قول أبي حنيفة ثم رجع عنه، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه في ذلك الأخبار المشهورة منها حديث عطاء، عن جابر قالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً)، وحديث عمرو بن شعيب، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أرض ليس لأحد فيها شرك ولا قسم، إلا الجوار، قال صلى الله علي وآله وسلم: (الجار أحق بصقبه)، وهذا يبطل كل تأويل يتأوله المخالف.(80/3)
وحديث سعد بن أبي وقاص لولا أني يمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول الشريك أحق بالشفعة والجار أحق ممن وراءه ما اشتريته، أو كما قال فقد صرح بإيجاب الشفعة للشريك دون الجار وللجار دون من رآه وحديث ابن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (جار الدار أحق بشفعة الدار)، وعن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (جار الدار أحق بالدار)، وحديث جابر: (الشفعة في كل شرك توجب الشفعة ف شرك الشرب والطريق، فأما استدلالهم بما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (الشفعة في مالا يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة، وفي بعض الأخبار فغذا وقعت الحدد وصرحت الطريق فلا شفعة، فيضعف لأن أكثر ما في قوله الشفعة فيما لم يقسم إيجاب الشفعة للخليط وهذا مالا ننكره ولا خلاف فيه فأما قول من قال: فإذا قعت الحدود فلا شفعة فقد قيل أنه من لفظ الراوي أدرجه في الحديث فلو ثبت أنه من لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحتمل أن المراد أن الشفعة لا تجب بالقسمة ووقوع الحدود فيكون المقصد بيان أن ذلك لا يوجب الشفعة ولو كانت القسمة جارية مجرى البيع ومشبهة ل ويحتمل أيضاً أن بعض الشركاء إذا باع حصته ثم وقعت القسمة بطلت الشفعة بينهما على أن ترك الشفعة إلى أن تقع القسمة مبطل لها ليعلم أن طلب الشفعة على الفور، فأما تأويلهم الجار على الشيك فهو بعيد لأن الشريك في اللغةى لا يسمى جاراً وما حكي أن المرأة عبر عنها بالجار فذلك لا للشريكة إذ لا شركة بينهما وبين الزوج، وإنما هو للقرب بالحسد بينهما فتشبه بالجار وعلى هذا يحمل قول الشاعر:
... ... ... أجارتنا بيني فإنك طالقة(80/4)
على أن ما ذهبنا إليه أولى لأنه يفيد شرعاً مجدداً، وتأويلهم هو ينقي الأمر على ماكان عليه والناقل أولى بالتأويل من الثاني كالعلة ولأن ماذهبنا إليه أحرى في دفع التاذي لأن التأذي بالجار قد يكون قريباً من التاذي بالشريك وربما كان التأذي به أشد لأن الجار له أن ينفرد بالأبنية المؤذية، وليس ذلك للشريك على أن في أخبارنا نصوصاً لا تحتمل التأويل فصار قولنا أولى.
مسألة:
قال: وكل مصر مصره المسلمون فلا شفعة فيه للذمي، ووجهه أن المصر لا حق لهم فيه إلا ما يملكون فلا يفسح لهم في الشفعة ليكون تفرقة بين المصرين، لوما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم من أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وقال تبارك وتعالى: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذَيْنَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةَ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا}، ولا يفح لهم في مصر مصره المسلمون ليتحكموا فيه ويعلو.
مسألة:
قال: فإن كان مصر مصره الكفار كان لأهل الذمة أن يشفع بعضهم على بعض ولم يكن لهم شفعة على المسلمين، ووجه منعهم أن يشفعوا على المسلمين ما قدمنا ولأن الشفعة موضوعة لدفع التأذي وقد أذن لنا في بعض الإيذاء لهم، قال الله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كنتم معهم في طريق فألجؤهم إلى المضيق)، وعن علي عليه السلام أنه حاكم نصرانياً إلى قاضيه شريح فجلس إلى جنب شريح وأجلس النصراني بين يديه، وقال: لولا أنك ذمي ما جلست إلا معك فلم يسو بين مجلسه ومجلس خصمه لأنه كان ذمياً، وإن كان فيه بعض الإيذاء فلما كان ذلك كذلك لم يجعل للذمي شفعة على المسلم إذ لا يدفع عنه جميع الأذى كما يدفع عن المسلم.
مسألة:
قال في المنتخب: والشفعة تجب لأهل الذمة في الضياع والدور والحيوان والعروض إلا الضياع التي تجب في غلاتها الأعشار.(80/5)
الصحيح عنمدي هو ما ذكره في المنتخب لأن الأخبار الواردة في الشفعة ليس فيها تخصيص الذمي من المسلم ولأن سائر الأحكام لا فرق فيها بين الذمي والمسلم فوجب أن تكون الشفعة كذلك، ولأن هذا الجنس من الأذى مما يعظم ويبقى فيجب أن يكون مرفوعاً عن أهل الذمة كما يرفع عن أهل الملة مثل الرد بالعيب وخيار الرؤية وخيار الشرط وضمان رهونهم، وما يجري مجراه، وقوله: الإسلام يعلى ولا يعلى عليه ، ليس المراد به الحقوق والأحكام.
فأما منعهم الشفعة فيما تجب فيه الأعشار، فالمراد به إذا كان المشتري مسلماً ووجهه أنه يؤدي إلى إسقاط حقوق الفقراء لأن الذمي لا عشر عليه فإن كان المشري ذمياً توجهت الشفعة عليه للذمي، ولا شفعة للذمي في العبد المسلم تخريجاً؛ ووجهه أنا نمنعه من إمساك العبد فيجب أن نمنعه من أخذه بالشفعة، هذا إذا قلنا لا يصح أن يملكه بالشراء، وإن قلنا أنه يصح أن يملكه بالشراء ولكن يجبر على بيعه لم يمتنع أن تثبت فيه شفعة.
مسألة:(80/6)