قال: ولا بأاس لكل واحد من المسلم والمسلم إليه أن يترك بعض ما وجب له على صاحبه من السلم قبل القبض وبعده وذلك أنه قبل القبض يكون حطاً وهو جائز، ويكون بعد القبض هبة، وهي جائزة فإذاً لا إشكال فيما ذكره.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً أسلم إلى رجل دراهم في شيء موصوف ثم شرك غيره في سلمه وأخذ منه بعض ما نقد المسلم إليه كان ذلك فاسداً سواء شركه بعد ما قاول السمسلم غليه قبل أن ينقده الدراهم او بعده، ووجهه أنه متى فعل ذلك كان قد باع السلم قبل القبض، ولا خلاف ان التصرف في السلم قبل القبض لا يصح كما لا يصح في الصرف وقد مضى الكلام فيه.
قال: ولو أن المسلم إليه شرك رجلاً في ما عليه للمسلم على أن يأخذ منه نصف السلم ويرده على المسلم كان ذلك باطلاً وذلك حاول بطلانه.
قال: ولو أن المسلم استوفى حقه من المسلم إليه ثم شرك فيه غيره جاز وكان بيعاً جديداً، وهذاا كما ذكر، ووجهه ما ذكر في الكتاب من أنه بيع جديد.
قال: ولو أن المسلم إليه اسلم نصف ما أخذه من المسلم إلى رجل ليأخذ منه نصف ما يجب للمسلم عليه كان ذلك جائزاً، ووجهه أن المسلم إليه أسلم بعض ما أخذه وملكه إلى غيره سلماً مستأنفاً فوجب أن يصح.
مسالة:
قال: وإذا اختلف المسلم والمسلم إليه جنس ما أسلم فيه، أو مقداره، أو المكان الذي يتقابضان فيه، ولم يكن لأحدهم بينة حلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه وبطل السلم وإن أتيا جميعاً بالبينة كانت البينة بينة المسلم.
وجه قولنا أن كل واحد منهما يحلف على دعوى صاحبه إن كل واحد منهماا مدع ومدعى عليه لأن المسلم يدعي على المسلم إليه جنساً هو له منكر، أو قدراً هو له منكر، أو استحقاق قبض في مكان هو له منكر والمسلم إليه يدعي أنه يلزمه قبض جنس أو مقدار، أو في مكان عوضاً مما قبضه من رأس المال والمسلم منكر لذلك.(79/26)
وقلنا إنهما إن أتيا بالبينة كانت البينة بينة المسلم، لأنه لا يخلو من أن يجب إسقاط البينتين أو اثباتهما أو اثبات أحدهما لا يجوز اسقاطهما لأن المسلم قد ثبتت له بينة ما ادعاه على المسلم إليه ولا سبيل إلى إسقاط بينته، ولا يجوز إثباتهما لكنا قضينا للمسلم بأكثر مما يدعيه لأنه إن ادعى بُراً، واالمسلم إليه يدعي شعيراً، وقبلنا البينتين قضينا للمسلم بالبر والشعير، وذلك مالم يدعه فلما فسد ذلك ثبت أن الواجب قبول إحدى البينتين فإذا ثبت ما ادعاه المسلم ببينته أثبتنا بينته، وألغينا بينة المسلم إليه، وأيضاً لو قبلنا الابينتين قبلناهما على أن كل واحد عقد للسلم مخلف لعقد الآخر فإذا ثبت العقد أن دفعنا إلى المسلم ما يدعيه لثبوت عقده الذي ادعاه ولم يدفع إليه ما ثبت بالعقد الآخر لأنه لا يدعيه ويبطل إقرار المسلم إليه فيما أقر له به فبطلت بينته لأنه بمنزلة من يقر لغيره بحق، ويقيم عليه البينة وهو مبطل لإقراره في أن بينته تبطل.
فإن قيل: فيلزمكم على هذا ألا تقبلوا بينة المسلم إليه وإن لم يكن للمسلم بينة.
قيل له: لا يلزم ذلك لأنه بتجرد دعوى المسلم إليه يلزمه قبض ذلك عما قبضه من راس المال فتسمع بينته، ولأنه لا يؤدي أن يدفع إلى المسلم إليه أكثر مما يدعيه.
مسألة:
قال: وإذا قال المسلم أسلمت سلماً فاسداً، وقال المسلم إليه لا بل أسلمت سلماً صحيحاً فأيهما أقام البينة، قبلت بينته، فإن أقاماها جميعاً كانت البينة بينة المسلم إليه، وإن لم يكن لواحد منهما بينة فالقول قول من حلف منهما وإن حلفا جميعاً فالقول قول من يثبت السلم، وإن نكلا جميعاً بطل السلم.
قلنا: أيهما أقاما البينة قبلت بينته لأنه لم يثبت إلا عقد واحد فأيهما أقام البينة على صفة ذلك العقد وجب أن تكون مقبولة ويجب على هذا أن المدعي للصحة لو ادعى عقداً ثانياً يحلف له المنكر لصحة السلم.(79/27)
وقلنا: إنهما إن أقاما جميعاً البينة، كانت البينة بينة المسلم غليه لأنه المدعي لصحته وكذلك لو كان المدعي لصحة السلم هو المسلم كانت البينة بينته فالإعتبار بمن يدعي صحة السلم في أن البينة بينته.
ووجهه أنا نصدق البينتين لأن ظاهر أحوال المسلمين السلامة ومتى صدقناهما وجب أن تحمل شهادتهما على عقدين أحدهما فاسد والآخر صحيح، فيجب أن يلغى العقد الفاسد، وإن قامت به البينة، والعقد الصحيح يجب أن يقرر متى قامت بنته فصار الحكوم به بينة المدعي لصحة السلم لما بيناه. وقلنا: إن لم يكن لواحد منهما بينة فالقول قول من حلف منهما لأن كل واحد منهما مدع، ومدعى عليه، فأيهما حلف لصاحبه سقطت دعوى خصمه عنه، ومن لم يحلف تثبت عليه دعوى صاحبه لنكوله فيكون القول قول من حلف منهما على ما بينااه،
فإن قيل: فكيف صار كل واحد منهما مدعياً ومعدى عليه؟
قيل له: لأن تالمدعي لصحة السلم يدعي حقاً بعينه بموجب سلمه إلا أنه إن كان هو المسلم فهو يدعي مبيعاً عليه بعينه، وإن كان هو المسلم إليه فإنه يدعي عليه أنه يلزمه قبض مبيع معين عوضاً عن رأس ماله والمدعي لفساد الاسل مقر بالسلم ويدعي فساداً لم يظهر فصار مدعياً من هذا الوجه فوضح ما ذكرناه من أن كل واحد منهما مدع ومدعى عليه.
وقلنا: إن حلفا جميعاً كان القول قول المثبت لصحة السلم لأنه يدعي خلاف الظاهر فعليه البينة، وعلى خصمه اليمين، فكما أن من ادعى على غيره حقاً فأنكر المدعى عليه، لا يلتفت إلى يمين الدعي لأنه مدع خلاف الظاهر لأن المدعي فساد السلم مدعي عليه.
وقلنا: إن حلفا جميعاً كان القول قول المثبت لصحة لاسلم لأنه يدعي خلاف الظاهر فعليه البينة، وعلى خصمه اليمين، فكما أن من ادعى على غيره حقاً فانكر المدعى عليه، لا يلتفت إلى يمين المدعي لأنته مدع خلاف الظاهر لأن المدعي فساد السلم مدعي خلاف الظاهر.
مسألة:(79/28)
قال: ولا بأس للمسلم أن يأخذ الكفيل والرهن من المسلم إليه على ما أسلم إليه والأصل فيه قول الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ}، فدل على أخذ الرهن في الدين والسلم من جملة الديون.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الزعيم غارم)، والزعيم هو الكفيل فإذا كفل السلم فيجب أن يكون غارماً، وذلك يقتضي صحة الكفالة فيه ولا خلاف في صحتها في سائر الحقوق فكذلك في السلم والعلة أنه من حقوق الأموال.
فإن قيل: أليس روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كره ذلك؟
قيل له: ذلك محمول على استحباب الترفيه والتوسعة بين الناس إذا لم يخف ضياع المال وتلفه.
وروي عن ابن عباس انه قاال: أشهد أن السلم المؤجل في كتاب الله ثم تلا قوله تعالى: {إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمىً}، على أن الرهن مقبوض للإستيفاء وعقد السلم يوجب الإستيفاء، فصح الرهن كسائر الديون.(79/29)
كتاب الشفعة
باب القول فيمن تجب له الشفعة وكيفية وجوبها
تجب الشفعة في الدور والبقاع والضياع إذا بيعت للشريك في أصل المبيع.
هذه الجملة لا خلاف فيها إذا كان المبيع مما تصح القسمة فيه فأما مالا يحتمل الفسمة مثل الحمام، والرحى فذهب الشافعي إلى أنه لا شفعة فيه، وأوجب فيه الشفعة أبو حنيفة وأصحابه وعندن في جميع ذلك الشفعة وكذلك في المماليك والحيوان والعروض وهي في هذه الأشياء للشريك في أصل المبيع دون غيره، والأصل في ذلك حديث ابن أبي مليكه، عن ابن عباس، عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (الشريك شفيع والشفعة في كل شيء)، وعن ابن أبي مليكة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (في العبد الشفعة وفي كل شيء)، وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (في العبد الشفعة، وفي كل شيء)، وعن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الشفعة في كل شرك وحائط لا يصلح لشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع فهو أحق به.
وحديث جابر قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشفعة فيمالم يقسم وكل هذه الأخبار معامة فيما ذهبنا إليه.
وفيه أن موضوع الشفعة لدفع الأذى لضرر المشاركة والمجاورة، ولا يختلف فيه العلماء وقد علمنا أن مالا يتأتى فيه القسمة يكون الأذى بالمشاركة فيه أشد لأنه لا يزول كما يزول فيما تأتي فيه القسمة إذا قسم.
فإن قيل: المقصد منها دفع الأذى في ما يدوم وهذا غير موجود في العروض والحيوان.(80/1)