قال: ولا بأس أن يسلم ماا يكال فيما يوزن، أوما يوزن فيما يكال، ولا يجوز أن يسلم ما يكال فيما يكال، أو ما يوزن فيما يوزن، خلا الذهب والفضة، فإنهما يسلمان في الموزون، وغيره.
ما قلناه من أنه يجوز أن يسلم ما يكال فيما يوزن وما يوزن فيما يكاال المراد به إذا كانا من جنسين فأما إذا كانا من جينسن فأم إذا كانا من جنس واحد لم يجز ذلك كأن يسلم خبز الحنطة في الحنطة، و خبز الأرز في الأرز وما جرى مجراهما لأن عندنا أن حصول أحد وصفي علة الربا يمنع النسأ ويجيز التفاضل على ما مضى في باب بيع الأجنسا بعضها ببعض ولهذا لا نجيز بيع ثوب بثوب أو ثوبين نسأ، إذا كانت من جنس واحد والجنسية أحد وصفي علة الربا، وقد استوفينا الكلام فيه والخلاف، فلا وجه لإعادته، وكذلك ماا يوزن لا يجوز أن يسلم فيما يوزن ولا ما يكال فيما يكال لجصول أحد وصفي علة الربا، وهو الوزن أو الكيل، فأما الذهب والفضةفقد بين فيم مضى أنه يخصهما بالإتفاق، أو نزيد في العلة على مالا يشتمل على الذهب والفضة على ما سلف القول فيه.
مسألة:(79/16)
قال: ولا بأس أن يسلم في الفواكه الرطبة واليابسة ومالم يبق منه ومن غيرها إلى الحول أجمع جاز فيه السلم إذا كان أجله إلى الوقت الذي يوجد ذلك فيه فإن كان غير ذلك الوقت بطل السلم أما الفواكه اليابسة التي لا تتفاوت أحوالها ويمكن ضبطها فعند أبي حنيفة السلم فيها جائز وعندنا يجوز السلم في الجميع لأن ضبط الجميع بالصفة والوزن مما يمكن ويقل معه التفاوت وما جرى هذا المجرى يجب أن يصح السلم إلى وقت حلوله في شيء من الأوقات فلا يجوز السلم فيه عند أبي حنيفة وإن وجد في بعض تلك الأوقات وعندنا وعند الشافعي ومالك الإعتبار بوجوده وقت حلوله لأنه هو الوقت الذي يجب فيه تسليمه فإذا كان مماا يوجد في وقت وجوب التسليم فلا معتبر بسائر الأوقات دليله الأوقات التي هي قبل عقد السلم وبعد حلولها لأنه لمالم يجب فيه التسليم لم يبق في وجوده أو عدمه فيه معتبر.
فإن قيل: لما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، وكان معلوماً من مراده صلى الله علي وآله وسلم أنه الكيل المعلوم عند الناس كان ذلك مانعاً من السلم في ملء إناء مجهول القدر لجواز هلاكه قبل استيفاء السلم فوجب أن يكون انقطاعه قبلحلوله بمنزلة كونه منقطعاً كما كان جوازهلاك الإناء بمنزلة كونه معدوماً.
قيل له: ليس العلة في المنع من السلم في ملء إناء مجهول ما ذكرت بل هو جواز تعذر التسليم في الأغلب لأن االإناء قد ينكسر كثيرً، وإذا انكسر بطل التسليم وليس كذلك السلم فيما هو في الحال منقطع أو يجوز انقطاعه إذا علم أنه ويجد في قت حلوله لأنه لا يخشى فيه تعذر التسليم.
فإن قيل: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسلف رجلاً دنانير في تمر مسماً، فقال من حائط فلان؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من حاائط فلان فلا ولكن تمر مسمى وكيل مسمى وأجل مسمى).(79/17)
فدل هذا الخبر على نفي جواز السلم فيما يجوز انقطاعه لأن تمر حائط بعينه قد يجوز أن ينقطع.
قيل له: لا دليل لأنه صلى الله عليه وآله وسلم منع منه لما جاز أن ينقطع في وقت الحول فيؤدي إلى تعذر التسليم فإنه انقعطع بعد عقد السلم أو كان منقطعاً عنده فالتسليم لا يتعذر إذا وجد وقت حلوله فلا يلزم ما ذكرتم به.
فإن قيل: لو لم يكن موجوداً من حين االعقد إلى حين الحلول لكان يفوت المسلم فيه فيحل السلم وهو معدوم فيجب أن يفسد إذ لا خلاف فيؤ فساد السلم إذا كن معدوماً في وقت الحلول.
قيل له: عندنا أن المؤجل لا يصير حالاً بموت من عليه الحق فلا يلزم هذا السؤال على أنا لو لم نقل ذلك أيضاً كان لا يلزم ذلك فإن الفساد يجب إذا عقد السلم على أن يكون حلوله في وقت انقطاعه فإما إن كان صادف ذلك لعارض ندر فلا يجب أن يفسد لجواز أن يعرض ذلك ألا ترى أن المسلم إليه يجوز أن يموت مفلساً في وقت الحلول وذلك يوجب تعذر التسليم إلا أنه لا معتبر به، وقد يجوز أن يتعذر التسليم في وقت الحلول لإفلاس المسلم إليه أو لغيبة أحدهما منقطعة فلا معتبر به، فإذاً الإعتبار إنما هو بما قلناه من أنه يفسد إذا اقتضى العقد حلوله في وقت الإنقطاع فأما ما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل المدينة وهم يسلمون في الثماار قبل محلها فنهى عن ذلك، فذلك محمول على أنهم لم يكونوا يجعلون الأجل في وقت الوجود فإن قيس على بيع الأعيان في أن بيعه لا يجوز إذا كان معدوماً في حال العقد لم يصح ذلك لأن العلة في بيع الأعيان أن تسليمه يجب في حال العقد وليس كذلك في السلم وليس لهم أن يقيسوه على ما يكون معدوماً في حال الحلول بعلة أأنه مسلم في معدوم لأنه إذا أسلم في موجود يبقى ثم يعدم في حال الحلول فسد وإن يكن سلماً في موجود فبان أن الإعتبار إنما هو بحال الحلول.
مسألة:(79/18)
قال: ولا بأس بالسلم في اللحم والشواء إذا كانا موصوفين بصفة معروفة بينة أما السلم في اللحم فلا يجوز عند أبي حنيفة، ويجوز عند أبي يوسف، ومحمد إن سمى مكاناً معلوماً من الحوان، ونحو ذلك عند الشافعي وأجازه أبو حنيفة في الشحوم والدليل على صحة السلم في اللحم قوله صلى الله عليه وآله وسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم فلم يخص موزوناً من موزون كما لم يخص مكيلاً من مكيل فوجبت صحته في جميع الموزونات كما وجبت في جميع المكيلات واللحم موزون فوجب أن يصح فيه السلم.
فإن قيل: لا خلاف أن وقوع التفاوت فيما يسلم فيه يبطل السلم واللحم يتفاوت.
قيل له: أن يسير التفاوت معفو عنه في السلم لولا ذلك لبطل السلم رأساً لآن شيئااً منه لا يسلم من يسير التفاوت، واللحم إذا ذكر الحيوان وجنسه ونوعه كان يقال لحم شاة أو بقة او جمل، ويذكر المعلوف منها والسائم منها، ويذكر جلب ناحية إن كان يتفاوت ذلك، ويذكر العضو والسمن واالهزال، ويذكر العظم الذي فيه، أو يذكر مخلوعاً من العظم زال التفاوت في مجرى االعادات ولم يبق بعد ذلك من التفاوت إلا االقدر اليسير الذي يكون دوه تفاوت الثياب، والبسط والأكيسة التي لاخلاف في جواز السلم فيها فوجب أان يصح السلم فيها وألا يبطله التفاوت على أأنه إذا ضبط بصفة لا تتغير معها القيمة في اللحم، وجب أن يصح السلم قياساً على سائر ما يجوز السلم فيه من المكيل والموزون والثياب، على ان أبا حنيفة يجوز الاسلم في االبيض عدداً ونحن نعلم أن التفاوت فيه من الصغر والكبر أعظم من التفاوت في اللحم إذا وصف بما ذكرنا وأما االشوي فالطريقة في تصحيح السلم فيه هي الطريقة التي بيناها في اللحم فلا وجه لإعادته، والشافعي لا يجيز السلم فيه.
فإن قيل: إنه يختلف ويتفاوت لأنه لا يمكن ضبط ما تأخذ االنار منه.(79/19)
قيل له: يمكن ذلك حتى يقل االتفاوت ويكون أقل من سائر التفوات لمعفو عنه في السلم، ألا ترى أن االثياب المصبوغ يصح فيها السلم، وإن كان لا يمكن أن يضبط حتى يعلم تأثير الصبغ فيها على التحقيق إذا وصف بحيث يكون التفاوت فيه يسيراً وكذلك تأثير ونظائره كثيرة نحو تأثير الشمس في النضج في الفواكه وتأاثير االخرز فيماا يخرز وتأثير النسيج فيما ينسج ولا خلاف أن االتفاوت اليسير في جميع ذلك معفو عنه فوجب أن يكون كذلك تأثر النار في الشواء وكذلك تأثير الجفاف في االحبوب يشهد لما قلناه على أن الشافعي يجيز السلم في االسمن، وإن كانت النار تأخذ منه، وهو ينقض تعليمهم للشواء.
قال: ولا بأس بالسلم في الرؤوس والبيض ولكن يجب أن يكون ذلك بالوزن والوجه في ذلك ما تقدم والذي يجيء على قياس قوله أنه يجوز فيها السلم نياً ومشوياً إذ قد نص على صحة السلم، وأما البيض فلا يجوز السلم فيه عدداً لم يقع فيه من التفاوت في الصغر والكبر والثقل والخفة خلافاً لما قاله أبو حنيفة، ولا خلاف فيه بيننا وبين الشافعي.
فإن قيل: العادة الجارية أنها تباع وتشترى عدداً فدل ذلك على قلة االتفوات فيه.(79/20)