قال: فإن عجز المسلم إليه عن إيفاء السلم كان المسلم بالخيار إن شاء انظره إلى وقت مقدرته وإن شاء استرجع منه ما أعطاه إن كان قائماً بعينه أو مستهلكاً على ما بيناه في المسألة الأولى ولم يجز له أن يأيخذ قيمة ما اسلم منه وذلك ان المطالبة قد صحت بحلول الأجل والعقدصحيح كما كان فااشبه بيع العين إذا تعذر على البائعتسليم المبيع في أن المشتري بالخيار بين أن يصبر إلى أن يمكن فيه التسليم وبين أن يفسخ البيع وبه قال أبو حينفة، وأصحابه إذا كان سبب التعذر إنقطاعه من أيدي الناس ولست أحفظ قولهم إذا تقذر لإفلاس المسلم غليه ويمكن أن يقاس عليه تعذر لإفلاس على تعذر تسليم المبيع وليس لهم أن يقيسوا تعذر التسليم للإفلاس على تعذر الثمن لأن حكم الثمن في هذا الباب خلاف حكم المبيع لصحة التصرف في الثمن قبل القبض وإن كان لا يصح ذلك في المبيع فلا يصح في المبيع أمر من الأمور قبل التسليم كما يصح في الثمن، وقلنا: أنه ليس له أن يأخذ قيمة ما أسلم فيه لأنه يكون تصرفاً في المسلم فيه قبل القبض ولا خلاف أن ذلك لا يجوز كما لاجوز في الصرف، وإن كان العلة في الصرف أنه يؤدي إلى إبطال القبض المستحق في المجلس والعلة في المسلم فيه أنه بيع قبل القبض كما لا يجوز التصرف في المبيع قبل القبضن وكذلك المسلم فيه لأنهما جميعاً مبيعان.
وروى زيد بن علي، عن أبيه عن جده، عن علي عليهم السلام قال: من أسلف في طعام إلى أجل فلم يجد عند صاحبه ذلك الطعام فقال: خذ مني غيره بسعر يومه لم يكن له أن يأخذ إلا الطعام الذي اسلم فيه، أو رأس ماله، وليس له أن يأخذنوعاً من الطعام غير ذلك النوع وهذا يوجب ـ يحقق نخ ـ أن التصرف فيه قبل القبض غير جائز ولا يحفظ عن غيره من الصحابة خلافه فجرى مجرى الإجماع منهم.(79/11)


قال: فإن عجز عن بعضه أخذ بعضه، وكان القول في المعجوز عنه كالقول فيا مضى أمامالم يعجز عنه فإنه يقبضه لأنه مستحق عليه، وأما المعجوز عنه فوجهه قد مضى، يكشف ذلك ان من اشترى عبدين أحدهما آبق وجب تسليم الباقي وفسخ البيع في الغائب، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنه قال: لا بأس أن تأخذ بعض رأس مالك، وبعض سلمك ولا تأخذ شيئاً من غير سلمك.
مسألة:
قال: وتجوز الإقلة في االسلم وفي بعضه الإقالة عندنا بيع في سائر الأشياء، وإن قلنا في السلم إنه فسخ على ما بيناه فيماا مضى من البع وإذا ان الإقاالة فسخاً وبينا أن الفصخ يصح في السلم وفي بعضه فكذلك الإقالة وذلك فيه خلاف وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وحكي عن مالك أنها تجوز في الجميع ولا تجوز في البعض.
مسألة:(79/12)


قال: ولا يجوز أن يسلم في الحيواان ولا في شيء مما يتفاوت تفاوتاً فاجشاً، وكذلك لا يجوز السلم في الجواهر والفصوص تخريجاً، أما الفصوص والجواهر فلا أحفظ خلافاً في أن السلم لا يجوز فيها، ووجه التحريم أن يحي عليه السلام قال عند المنع من السلم في الحيواان على طريق التعليل أنه يتقاوت تفاوتاً عظيماً، فدل على أن ما يتفاوت تفاوتاً عظيماً لا يجوز السلم فيه عنده ومن المعلوم أن الجواهر والفصوص تتفاوت تفاوتاً عظيماً، فأما الحيوان ففي قول ابي حنيفة وأصحابه لا يجوز فيه مثل قولها وهو قول زيد بن علي عليهم السلام وقال الشافعي: السلم في جائز والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنه نهى عن بيع الحيوان بعضه ببعض نسيئة)، وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تبيعوا الديناار بالدينارين، والصاع بالصاعين)، فقام إليه رجل فقال: يارسول الله، إنا الفرس بالأفراس، والنجيبة بالإبل، فقال: (لابأس إذا كان يداً بيد)، وليس لأصحاب الشافعي أن يحملوه على أنه يمتنع النسأ للجنسيه لأنه لا يوجب المنع من النسأ لأحج وصفي علة الربا، ويدل على ذلك ماا روي عن ابن عمر أنه قال: إن من الربا أبواباً لا تخفى منها السلم في السن، ولم يرو خلافه عن غيره من الصحابة فجرى مجرى الإجماع وتسميته إياه بالربا لا يخلو من أن يكون لغة أو شرعاً فإن كان لغة تناوله قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبَى}، وأن كان شرعاً فالشرع طريقه التوقيف فهو في حكم من أسنده، وروي عن النبي صلى االله عليه وآله وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم فاقت ضى ظاهره منع السلم فيما لا يتأتى فيه االكيل والوزن والحيوان داخل فيه، وأيضاً الجواهر لا يجوز فيها السلم لما يحصل فيها من التفااوت العظيم نص أصحاب الشافعي على اللؤلؤ والزمرد والياقوت فكذلك الحيوان لهذه العلة وذلك انه معلوم في الحيواان وإن اتفق الجنس والنوع والسن فإن التفاوت يعظم(79/13)


بينها وهو الذي اعتمده يحي عليه السلام، وليس يلزم الثياب والبسط على ذلك لأنه ينضبط بالصفة واالذرع حتى يصير التفاوت يسيراً متعذراً لا سبيل إلي فهو باللألئ واليواقيت أشبه.
فإن قيل: ضبطه بالصفة ممكن بدلالة ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه يراها).
قيل له: لا يمتنع أأن يضبط بالصفة بعض الضبط ولسنا ننكر ذلك ألا ترى أن الياقوت واللؤلؤ يمكن ضبطها بالصفة ولكن لا يمكن ضبط شيء من ذلك بحيث يقل التفاوت وهذا معلوم ضرورة فقوله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أن يصفها بغاية ما يمكنها وليس فيه دليل على أنها إذا بلغت الغية قل التفاوت.
فإن قيل: غية أوصافه ان يضبط بالصفة.
قيل له: الأوصاف المقصودة منه لا يمكن ضبطها ألا برى أن االجاريتين تتسااويان في الجنس والحسن ـ واالسن ـ ومع ذلك لاتساويان في الثقل والخفة على القلب ودقائق المحاسن والأثمان تتفاوت لهذه المعاني، وكذلك حكم العبدين لأنهما يتفقان فيما ذكرناا ويختلفان في حفظ الأسرار والذكاء وضحة االتمييز والعقل والقوة والهداية إلى الأعمال ودقائق المحااسن والكسل والكسل والنشاط وكل ذلك مما يتفوت الثمن من أجله، وليس كذلك حكم الثياب وكذلك سبيل الفرسين فبان صحة ما قلناه من عظم التفاوت بين الحيوان.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه استسلف بكراً من االإبل فجائت إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يعطيه من الصدقة.
قيل له: يمكن أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم أخذه على وجه الضمان للقيمة والسوم، ثم أعطاه من إبل الصدقة على المراضاه وليس فيه ما يدل على أنه أثبت البكر في الذمه، وقول الراوي استسلف على وجه التجوز.(79/14)


وقد قيل: إن القرض على إبل الصدقة جائز لجواز أن يثبت في الصدقة حيوان مجهول ولا يمتنع أن يثبت عليها حيوان مجهول، وقد قيل: إنه منسوخ بما ثبت من النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة بما روي أنه من الربا، ويحتمل أن يكون ذلك كان قبل تحريم الربا وقبل المنع من الآجال المجهولة إذ في بعض الأخبار أخذ البعير بالبعيرين في إبل الصدقة وذلك أجل مجهول، كل ذلك يدل على أنه كان سلفاً على التحقيق فهو منسوخ.
فإن قيل: كيف تجزون في الدية والنكاح الحيوان أن يكون مجهولاً في االذمة ثابتاً فجوزوا ذلك في السلم.
قيل لهك لأن الدية تحتمل من الجهاالة ماالا يحتمل السلم وكذلك المهر ألا ترى أن الذي يجب في الدية إنماا هو الأسنان فقط ولا يجب ضبطه بسائر الأوصاف والنكاح يصح على مهر المثل والسلف لا يجوز على القيمة وقد يجوز النكاح بغير ذكر الامهر أصلاً فصح االفرق على أن ماا روينااه من الهنهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة أولى مما رووه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم استسلف لوجهين: أحدهما ـ الحظر وهو أولى من الإباحة، والثاني ـ احتمال أن يكون ذلك كان خاصاً له صلى الله عليه وآله وسلم قال: ولا بأس أن يسلم جميع ذلك في غيره وهذا مما لا خلاف فيه لأن التعجيل يزيل حكم التفاوت، ألا ترى أنه يجوز أن يشتري بها الأشياء المعينة إذا عدل قبضها فكذلك حكم السلم.
مسألة:
قال: ولا بأس أن يسلم الأشياء المختلفة في الشيء الواحد نحو أن يسلم عرضاً مع حيوان أو نقداً مع طعام، أو غير ذلك، والأصل فيه أن الذي جاز أن يكون ثمناً معجلاً في بيع العين جاز أن يكون ثمناً في السلم على ما بيناه في كون ثمن السلم جزافاً فكذلك هذه المسألة على أن النقد والطعام يجوز أن يكونا ثمن بيع العين، وإن كانا مؤجلين فأولى أن يصح ما ذهبنا إليه.
مسألة:(79/15)

54 / 149
ع
En
A+
A-