باب القول في السلم
لا يصح السلم إلا بأمور خمس، وهو إن يسلم كذا وكذا من نقد، أو عرض أو غير ذلك في كذا وهو الذي يسلم فيه ثم يذكر صفته ومقداره، ويذكر الوقت الذي يقبض المسلم فيه والمكان الذي يقبضه فيه.
قوله: لابد من أمور خمس، إنماا يريج في المسلم فيه دون رأس المال الذي يعجله، وإنما قال: في شروطه خمسة، لأنه جعل النوع والصفة شيئاً واحداً وعبر عنهما بالصفة، وفي الحقيقة لا بد من ذكر جنس ما يسلم فيه، كأان يقول: التمر، وذكر نوعه بأن يقول: إلا زاذ أو االبرني أو الصيحاني، ويذكر صفته في الجودة والرداءه وذكر مقداره، والمكاان الذي يسلم فيه، والوقت الذي يحل السلم فيه فيكون ذلك ستة، وربما يحتاج إلى أن يجعل ذكر المكيل والميزان بأن يقول: بالصاع الفلاني، والوزن الفلاني، وما جرى مجراه، وذكر زيد بن علي عليهما السلام أنه لا بد من أن يذكر فيه ثلاثة أشياء، الأجل والمكان وصفة ما يسلم فيه، فعبر عن الجنس والنوع والصفة والمقداار بالصفة، وجعل ذلك كله شيئاً واحداً، هذه كلها عبارة تختصر وتبسط والحقيقة ما ذكرناه، وجملة ما ذكرناه في المسألة الخلاف فيها في أربعة مواضع، فأول ذلك رأس مال السلم، قال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك أن يكون جزافاً كما يجوز في سائر البياعات، إن كان موزوناً فلا بد أن يعرف وزنه وكذلك إن كان مكيلاً أو معدوداً فلا بد من أن يعرف كيله، أو عدده، وهو أحد قولي الشافعي، قال أبو يوسف، ومحمد يجوز أن يكون ذلك جزافاً كما يجوز في سائر الأثمان، وهو القول الأخر للشاافعي، وظاهر ما ذكره يحي في الأحكام والمنتخب يجب أن يكون ذلك قوله لأنه لم يذكر في شيء من المسائل أنه يجب أن يكون مضبوطاً بوزن أو كيل، أو عدد، وهذا هو الظاهر من قول زيد بن علي عليهما االسلام لأنه لم يوجب فيه الوزن ولا الكيل ولا العدد، والثاني: اشتراط المكان لماله حمل ومؤنة، والثالث: اشتراطه لمالاً حمل له ولامؤنه، والرابع: اشتراط الأجل، والأصل في(79/1)


ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (من أسلم فليسلم في كيل معلوم، أو وزن معلوم إلى أجل معلوم)، فقصد صلى الله عليه وآله وسلم ضبط أوصاف المسلم فيه دون رأس المال، وأطلق القول فيه فوجب أن يجوز ذلك خص بالوزن أو الكيل أو العدد، أولم يخص، وإنماا يضارع هو مال يعجل قبضه عند العقد فوجب أن يصح كونه جزافاً دليله سائر الأثمان والمبيعات وشهد له مالاً يعجل قبضه في االحال وثبت في الذمة من الأثمان أو المسلم فيه المبيع انه لا يجوز أن يكون جزافاً لأن كونه جزافاً يمنع من استقراره في الذمة بالعقد وصحة المطالبة به فلا يصح أن يتناوله العقد.
فإن قيل: الجزاف قد ثبت في الذمة وذلك أن يشتري الرجل سلعة بثمن جزافاً ثم تستحق أو تتلف بعد قبض الثمن، أو استهلاكه فيستحق البائع على المشتري الثمن الذي قبضه جزافاً وثبت في ذمته.
فإن قيل: كما لم يجز أن يكون المسلم فيه جزافاً وجب أن يكون عوضه وهو الثمن المعجل لا يكون جزافاً.
قيل له: العوض إذ لم يشارك المعوض فيماله امتنع من كونه جزافاً جاز أن يكون جزاافاً، وإن كان عوض المبيع جزافاً كما لم يشارك الثمن المبيع فيما له امتنع كونه جزافاً وهو أنه مما يتعجل قبضه ولا يثبت في الذمة لقعد وأيضاً لاخلاف أن الثمن في السلم يجب تعجيله وأن المسلم فيه يجوز أن يحب تأجيله فإذا جز أن يختلفا في هذا لم يمتنع أ، يختلفا فيما ذكرنا على أنه منتقض برأس مال السلم إذا كان عرضاً كالثوب ونحوه لا يجب عند أبي حنيفة أن يكون مضبوطاً بالصفة كما يجب ذلك في المسلم فيه.(79/2)


فإن قيل: ما يجوز أن يطرأ على المسلم مما يجوز أن يؤول إليه مما يوجب جهالة في المعقود عليه مراعى في حال العقد ومتقضى فساده بدلالة ما أجمعوا عليه من أنه لو أسلم في ملء إناا معين مجهول القدر كان السلم فااسداً، والعلة فيه جواز أن يسكر لإناء فيصير السلم مجهولاً، فكذلك الثمن المعجل إذا كان جزافاً يجب أن يفسد عقد االسلم لجواز أأن يعرض ماا يوجب فساد السلم فيصير الثمن مجهولاً.
قيل له: إن الذي ذكرتم يجب في المسلم فيه دون الثمن لأنه الذي يجب تأجيله وثبوته في الذمة بعقد البيع، وقد قلنا إن ما كان كذلك فلا يجوز كونه جزافاً وهذا غير حاصل في الثمن المعجل يكشف ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله شدد أمر المسلم فيه فقال: فليسلم في كيل معلوم أووزن معلوم إلى أجل معلوم، ولم يأمر بذلك في الثمن المعجل، فإن راموا تقوية كلامهم بأن قالوا قد ثبت أنه يجوز أن يباع عبد بملء إناء مجهول القدر من البر فكذلك بملء سكرجة مجهولة القدر من الدراهم، وكذلك يجوز أن يشتري ملء إناء مجهول بمال موزون من الدراهم فاستوى في جواز ذلك الثمن والمبيع فبان ان فساد عقد السلم إذا كان المسلم ملء إناءٍ مجهول القدر إنما كان لأن عقد السلم فوجب أن يستوي فيه السلم والمسلم فيه.
قيل له: ليس الأمر على ما ظننتم وذلك أن الثمن لو كان مؤجلاً في بيع العين لم يجز ان يكون ملء إناء مجهول إنما يجوز ذلك إذا كان الجميع من الثمن والمبيع معجلين فبان أن العلة هي ما ذكرناه من أن ما ثبت في الذمة بعقد البيع لا يجوز أن يكون جزافاً.
فإن قيل: فإنا نجوز ذلك في ثمن البيع المعين وإن كان مؤجلاً وارتكبوا ذلك.
قيل له: لم يضرنا لأنا إذا لم نسلم ذلك لهم لم يتم كلامهم بارتكابهم ما ارتكبوا فوضح بذلك سقوط كلامهم على أن رأس المال إذا كان عرضاً يعترض هذا أيضاً.(79/3)


وأما اشتراط المكان الذي يستوفي فيه السلم فقد اختلف فيه على ثلاثة أوجه: قال أبو حنيفة ـ يجب اشتراطه إذا كان السلم مما له حمل ومؤنة فإنه لم يكن له حمل ومؤنة لم يجب اشتراطه وقال أبو يوسف ومحمد لا يجب اشتراط المكان سواء كان السلم له حمل ومؤنة أو لم يكن ويجب أن يستوفى جين يعقد السلم والأظهر عن زفر والثوري والشافعي أنه لا بد من اشتراط المكان على الوجهين حقاً وعلى هذا مذهب يحي، وهو الظاهر من قول زيد بن علي عليهماا السلام لأنهما قالا: لا بد من اشتراط المكان ولم يفصلا بين ماله حمل ومؤنه وما ليس له ذلك والأصل فيه أنه لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه أن الأجل يجب تعيينه واشتراطه فكذلك المكان والعلة أن كل وااحد منهما يوجب جهالته فساد السلم لأنه لو قال أوفيك متى شئت واشترط ذلك فسد السلم فكذلك إذا قال أوفيكه حيث شئت واشترطا ذلك بطل السلم وكذلك إن لم يتعين المكان يجب أن يفسد كما يفسد إذا لم يتعين الزمان ويمكن أن يرد ذلك إلى الكيل والزون في أنه لا بد فيهما من الحصر بعلة أنه مسلم فيه فأما ما ليس حمل ومؤنة فإنه يرد إلى ماله حمل ومؤنه، مع أبي حينفة بعلة أن قيمته تختلف بحسب اختلاف الأماكن فوجب أن يشترط له المكان كما يشترط لماله حمل ومؤنه وبهذه العلة أيضاً يرد إلى الأجل مع أبي يوسف ومحمد على أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم اقتضى وجوب نفي الجهاالة عن المقدار كما أن أن قوله إلى أجل معلوم اقتضى نفي الجهالة عن القبض وجهالة المكان الذي يقبض فيه يقتضي جهالة في القبض أما االأجل فالخلاف فيه بينناا وبين الشفعي لأن أبا حنيفة وأصحاابه أوجبوا اشتراطه وهو قول زيد بن علي عليهم السلام ويدل على ذلك ن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن بيع ماليس عند الإنسان فاقتضى ظاهر الخبر بطلان السلم ثم قال صلى االله عليه وآله وسلم من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم اشتمل(79/4)


النهي عليه ووجب فساده لأن التخصيص ورد في سلم له صفة وهي اشتراط الأجل فأما تعلقهم بالظواهر نحو قول الله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَى}، وقوله: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ}، فهو مدفوع بما روي من قوله صلى الله عليه وآله وسلم إنه نهى عن بيع الإنسان ماليس عنده وسائر ما نذكره من بعد.
فإن قيل: ليس يخلو قوله من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم من أن يكون ذلك كله بمجزوعه شرطاً لصحة االسلم لأن المكيل لا يجب أن يوزن، والموزون لا يجب أن يكال بالإجماع، والإجماع على صحة السلم فيما لا يكال ولا يوزن كالمزروع والمحدود، ولا يجوز أن يكون كل واحد منهما على الإنفراد شرطاً في صحة السلم لأنه يجب أن يكون المكيل والموزون يصح فيهماا السلم بمجرد أن يشرط فيهما الأجل ولا يصح ذلك بالإجماع ولأن الكيل والوزن لا يصحان السلم عندكم إذا انفردوا عن الأجل فلم يبق إلا أنه جعل بعض أوصاف السلم.
قيل له: هذا الكلام الطويل يسقط بأيسر كلام وهو أن نقول أن المسلم في مكيل معلوم في المكيل ووزن معلوم في الموزون وأجل معلوم في كل السلم لا أن الأجل يختص بنوع دون نوع فوجب أن يعم جميع المسلم فيه، والكيل والوزن يختصان الأشياء فقصرناهما على ما اختصا به.
فإن قيل: كما جاز العدول عن المنصوص عليه من المكيل والموزون إلى المذروع والمعدود جاز العدول من المنصوص عليه من المؤجل إلى الحال.
قيل له: ليس الأمر على ما ذكرتم لأن النص الذي ذكر المكيل لم يتناول إلا المكيل بل لا يصح غير ذلك والنص الذي ذكر الموزون لم يتناول إلا الموزون فألحقنا بهما غيرهما بالدلالة وليس كذلك الأجل لأن الأجل لا يختص بنوع دون نوع فوجب أن يعتبر.
فإن قيل: الحال من المسلم أبعد من الغرر فيجب أن يكون أجوز.(79/5)

52 / 149
ع
En
A+
A-