وروي عن أبي حنيفة أن الصرف ينتقض إذا كان البدل النصف ولا ينتقض إذا كان أقل من النصف وروى أنه ينتقض بالثلث ولا ينتقض في أقل منه قال أبو بكر صح الروايات أنه ينتقض في النصف ولا ينتقض في أقل منه، وقول أبي يوسف ومحمد مثل قولنا أن الصرف لا ينتقض في قليل البدل أو كثيره وحكي عن الشافعي أنه إذا كان باعه بدراهم بعينها فوجد فيها رديئاً فله الخيار إن شاء رد ما أخذ وفسخ العقد وإن شاء رضي به ناقصاً ولا سبيل إلى استبداال، وهو على قوله: إن الدراهم والدنانير يتعينان بالعقد.
وخرج أصحابه على أقاول إن كان باع بدراهم غير معينة وفي بعضها قالوا أنه كالبيع بالدراهم المعينة، وفي بعضها قالوا: يستبدل قبل التفريق، وفي بعضها قالوا مثل قولنان ثم خرجوا على ذلك أقاويل متفاوتة، ووجدنا ما ذهبنا إليه أن الصرف كان قد تم منهما إذا تفريقاً وليس بينهما شيء كما ورد به الأثر.
والدليل على ذلك أنه لا خلاف في أن المشتري الدراهم لو رضي بالمعيب كان له ذلك ولم يجب أن ينقض الصرف وإذا صح أن ذلك الصرف قد تم فمتى رد المعيب كان ذلك ديناً يصير في ذمته، ويجري مجرى صرف ثان وإذا أخذ البدل قبل التفرق جاز.(78/7)


وإنما قلنا أنه يجري مجرى صرف ثان ولم نجعله على التحقيق صرفاً ثانياً، لأنه لا خلاف أنه ليس له أن يرد المعيب ويترك أخذ البدل في المحلين ـ المجلس ـ ولا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة في أقل من النصف أو الثلث أنه يستبدل ولا ينقض الصرف فكذلك إذا زاد على النصف وحكي عنه أن القياس ألا ينتقض الصرف في القليل واالكثير لكنه استحسن في القليل ألا ينتقض لجواز الردي بالجيد من العين الذهب والورق مثلاً بمثل، وهذا غير مسلم لأن القياس على ما بيناه ألا ينتقض الصرف فوجب أن يستوي فيه القليل واالكثير وأيضاً هذا القول يدل على أأن يحي بن الحسين عليه السلام يرى أن الدراهم والدنانير لا تتعين بالعقد لأنها لو تعينت لجرت مجرى السلع المبيعة في أنها إذا وجد فيهاا عيب لم تستبدل فإذا صح ذلك فإن الصرف لم يتعلق بدراهم بأعيانها فيدب أن يجوز استبدالها كما يجوز استبدال السلم إذا وجد فيه عيب وليس لهم أن يقولوا أن الصرف ينتقض لأن الصرف قد تم على ما بيناه فرده لا يوجب فيه النقض وأيضاً هما لم يفترقا إلا عن قرض ولم يقصدا فيه إلى أن يكون قبض بعد افتراق وما يطرؤ على العقد بعد الإنبرام يخالف ما تنطوي العقود عليه، ألا ترى أن المشتري يرد السلعة بالعيب ولو بعد حين ويثبت خياره فيه ولو انطوى البيع على خيار مجهول فسد البيع فكذلك حال الصرف وكذلك إذا رجع بأرش العب على البائع يكون ذلك حطاً من الثمن ويصير الثمن ما بقي ولو باعه بكذا إلا ما ينقص منه من أرش العيب فسد البيع وكذلك لو قصدا في الصرف ألا يتم القبض قبل الإفتراق بطل الصرف.
ونكتة الباب أن الصرف الأول قد تم لما بينا وأأن الذي يعرض بعده لا يؤثر فيه.
مسألة:(78/8)


قال: وإذا اشترى دراهم بدنانير على أن يرد على البائع ما وجد في الدراهم من الردئ كاان ذلك جائزاً إذا نقد كل واحد منهما صاحبه ما صارفه عليه وهذا إذا أخذ الدراهم على أنها جيدة، ووجهه أن ما أوجبه الصرف لو اشترط رده فيجب أن ينتقض الصرف بمقداره لأنه لم يأخذ في الظاهر ما أوجبه الصرف فكأنهما افترقا من غير تقابض تمام الصرف وقد نبه على ما قلناه وفسرنا قوله إذا نقد كل واحد منهما صاحبه ما صارفه عليه، ووجه المسألة الأولى أنهما تقابضاً في الظاهر ما أوجبه الصرف الذي جرى بينهما بدلالة أن آخذ الدراهم لو رضي بالردئ الذي يجده جاز ذلك بالإجماع وكان الصرف تاماً وكان عقد الصرف أوجب أن يبدل كل واحد منهما ما وجد فيما أخذه من الرديء على ما بيناه فيما تقدم فإذا اشترطا ما اقتضاه العقد لم يضره ذلك لأن ذلك من موجب عقد الصرف فكذا من اشترط لمشتري السلعة ضمان الدرك لم يضر ذلك لأنه اشترط ما أوجبه عقد البيع فكذلك اشتراط استبدال ما يجد فيها من الردئ لا يضر إذا كان على الوجه الذي فسرناه لأن ذلك مما أوجبه عقد الصرف فأما إن أخذ الردئ على أنه ردئ وهو غير راض في الظاهر فذلك يوجب انتقاض الصرف بمقداره على ما بيناه.
مسألة:(78/9)


قال: وإذا كان لرجل على رجل دراهم جاز له أن يأخذ منه بصرفها دنانير ولو كان له عليه دنانير جاز له أن يأخذ عنها بصرفها دراهم، وهذا إذا لم يكن الذي في الذمة من ثمن الصرف كأن يكون الرجل اشترى من آخر دراهم بدنانير فإنه لا يجوز أن يأخذ منه بدل الدراهم التي في ذمته دنانير وكذلك لا يجوز أن يأخذ بدل الدنانير التي في ذمة الآخر دراهم، وهذا ممالا خلاف فيه لأن الصرف الأول لم يتم لأن تمامه أن يقع التقابض في المجلس حتى أنهما لو تفريقاً قبل القبض بطل الصررف الذي كان بينهما لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمر حين سأله عن بيع الدراهم بالدنانير فقال: (لابأس إذا لم تفترقا وبينكما لبس)، وجملة الأمر أنه لا خلاف في جواز التصرف فيماا في الذمم قبل لاقبض إلا في شيئين: أحدهما ـ ما كان من ذلك من ثمن الصرف لوجه الذي بيناه، والثاني: ما كان منه في ذمه المسلم إليه عن السلم فإنه لا يجوز التصرف فيه قبل القبض لماا نبينه بعد هذا في باس السلم فأما إذا باع رجل رجلاً عبداً بألف درهم أو بخمسين ديناراً فإنه يجوز أن يأخذ منه بدل الدراهم دنانير وبدل الدنانير دراهم لا خلاف فيه لما روي عن ابن عمر أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنا نبيع الإبل بالدراهم فنأخذ الدنانير وبالدنانير فنأخذ الدرراهم، فقال: لا بأس إذا لم تفترقا وبينكما لبس، قال: ولو أن لكل واحد منهما على صاحبه دراهم ودنانير جاز لهما أن يصرفا ما في الذمم من الدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم، إذا وفى كل واحد منهما صاحبه ما وجب له عليه قبل افتراقهما، ووجهه ما قد مضى وذلك إذا لم يكن ما في ذمتهاا من ثمن الصرف على ما بيناه.(78/10)


فإن قيل: فهلا نعتم من ذلك لأنه بيع الدين بالدين، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكالي بالكالي. قيل له: ليس هذا من الدين بالدين وذلك أن مافي الذمتين في حكم المقبوض من كل واحد منهما، ألا ترى أن كل واحد منهماا لا يحتاج إلى تجديد قبض تمام هذا الصرف فقد بان أنه بيع المقبوض بالمقبوض إما تحقيقاً وإما حكماً وليس هو بيع الدين بالدين وإنما الكالي هو أن يبيع الرجل من رجل شيئاً نسيئه ثم يسلم ذلك الثمن الذي في ذمته في شيء آخر فيكون قد باع ديناُ بدين ولا يجوز ذلك لأنه من الكالي بالكالي ونظائره كثيرة.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً دفع إلى رجل ديناراً فاشترى منه ببعضه ذهباً مثله وبعضه دراهم بقيمته كان ذلك جائزاً، وهو صحيح لأنه باع ذهباً بذهب مثلاً بمثل، وذلك جائز لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثلٍ يداً بيد)، باع بالبعض منه دراهم، وقد قال عليه السلام: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد)، وهذه الجملة لا خلاف فيها، ومن شرط صحة ذلك أن يقع االتقابض في المجلس قبل التفرق على ما بيناه فيما تقدم.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل دراهم بدنانير فأعطاه فيها مكحلة أننقص من الصرف بمقدار ما في الدراهم من الكحل إلا أن يبدله بدراهم جيدة قبل التفرق، فأن نقص المشتري عن الدراهم المكحلة كحلها لم يجب لصاحبه الدراهم عليه شيء للكحل الذي نقص عنها إلا أن يكن له قيمة فإنها تلزم االمشتري وذلك أن المكحل هو فضة مع كحل متميز عنه فجرى مجرى أن يشتري خاتماً على أنه فضة بذهب فيجد في حضوه قيراً في أن الصرف ينتقض بمقدار القير لأنه لم يعطه ما استحق بصرفه.
فإن قيل: ألستم تجوزون بيع الدراهم الرديئة بالجيدة؟ ولاردئ إنما يكون رديئاً بما يخالط النقرة من الغش.(78/11)

50 / 149
ع
En
A+
A-