قال: وإذا اشترى رجل جارية فوطئها فأولدها ثم استحقت فإنه يقضى بالجارية للمتحق ويقضى على المشتري بقيمة الأولاد، ويرجع المشتري بالثمن على البائع، وكذلك يرجع عليه بما لزمه من قيمة أولاده، وقولنا أنه يقضي بها للمستحق لا خلاف فيه، لأن المالك أولى بملكها ولأن استيلادها ليس باستهلاك لها فكان حكمها حكم سائر المغصوبات إذا استحقت وكون الولد حراً فمما أجمع عليه الصحابة والفقهاء بعدهم لأن الوطء كان عن شبهة فلم يكن لاسترقاق الولد سبيل وما قلناه من أنه يقضى على المشتري بقيمة الأولاد مما أجمع عليه الصحابة لأنهم أجمعوا أن المشتري يضمن الأولاد، وإنما اختلفوا في تفسير الضمان.(77/4)
وري عن ابن عمر أنه قالك غلام كالغلام، أو جارية كالجارية. وذهب أمير المؤمنين عليه السلام إلى أن المضمون هو القيمة والذي ذهب إليه قالت به العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما ويبين صحته ما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم في عبد بين رجلين أعتقه أحدهما بنصف قيمته للشريك على المعتق إن كان موسراً، ولم يحكم بنصف عبد مثله، فصار ذلك أصلاً في أن ضمان العبد يكون بالقيمة دون المثل، ولا خلاف في العبد المغصوب إذا مات في يد الغاصب أن عليه قيمته دون مثله، وكذلك إن قتله خطأ فبان أنه من ذوات القيم دون ذوات الأمثال، ولأن الدلالة دلت على أن السلم في العبد لا يجو فثبت أنه لا يجوز تثبيته في الذمة. فوضح بجميع ما قلناه أن الصحيح فيه قول علي عليه السلامن فأما رجوع المشتري بالثمن على البائع فمما لا خلاف فيه لأن حكميهما حكم سائر ما استحق في أن المشتري يرجح بالثمن على البائع لأن ما بينهما من البيع يبطل ما بيناه في صدر هذا الباب، وأما رجوعه عليه بقيمة الأولاد به قال أبو حنيفة وأصحابه، وحكى أنه أحد قولي أصحاب الشافعي، وأن الوجد الآخر أنه لا يرجع، والذي يدل على صحة ما قلناه من أنه يرجع على البائع الغار بقيمة الأولاد التي ضمنها ما أجمعنا عليه أن الشهود إذا شهدوا بعتق عبد ثم رجعوا أنهم يضمنون وكذلك لا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي أن من أعار غيره عرصة ليبني فيها مدة ثم أمره برفعها قبل انقضاء المدة في أنه يضمن للباني قيمة البنا، وكذلك لاخلاف في ضمان الدرك، فصار جميع ذلك أصلاً في أن كل من غر غيره فلحق المغرور غرم لم يستوف المغرور عوض ما غرم كان ضامناً للمغرور ما لحقه من الغرم، فلذلك قلنا أنه يرجع بما غرم من قيمة الأولاد على البائع لأنه غره في المبيع حتى صار ماليس بمال وهم الأولاد في حكم المال.(77/5)
والذي يقتضي المذهب أنه يضمن للمستحق العقر، على ما نص عليه في الأحكام في الأمة إذا دلست نفسها فتزوجت على أنها حرة لأنه وطء لِشبْهة، ولا يرجع بالعقر على الغار، لأنه قد استوفى لنفسه عوض العقر وهو الوطء، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً، والذي ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ان قيمة الولد قيمته يوم الخصام ويجب أن يكون ذلك مذهبنا لاتفاقناا أجمعين على أن ولد المغصوب لا يضمن إلا بعد أن يمتنع الغصب من رده فيوجب ذلك أن يكون الغاصب لا يصير ضامناً لقيمته حتى يطالب لأنه إذ ذاك يكون في حكم الممتنع، فإن مات الولدد قبل فيجب أن لا يضمن المضتري قيمته لأنه مات قبل توجه الضمان عليه كما نقوله في ولد المغصوب وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
قال: ولو أنه حين اشتراها لم يطأها لكنه زوجها من عبده فاولدها العبد قضى بها وبأولادها للمستحق، وذلك أن الولد إذا كان من العبد لم تجب له الحرية، وإذا لم تجب له الحرية كان ملكاً لسيد الأمة ألا ترى أن حراً لو تزوج أمة عالماً بأنها أمة فأولدها كان الولد مملوكاً ليسد الأمة لأن حريته لم تجب فوجب أن يملكه سيدها.
قال: ولو أنه حين اشتراها علم أنها مغصوبة فأولدها قضى بها وبولدها للمستحق، وذلك أنه إذا علم أنها مغصوبة كان وطؤه لها زناً، ولم يثبت منه نسب، وكان الولد بمنزلة جارية تاستولدت من زناً في أنه يكون مملوكاً ليسد الأمة، وهذا لا خلاف فيه.
مسألة:
قالك ولو أنه اشترى عبداً فوجده حراً قضى له بالرجوع على البائع ولم يكن له على الحر المبيع شيء وذلك أن بيع الحر باطل فعلى البائع رد ما أخذه من المشتري لأنه أخذه بالباطل، وقد قال الله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل)، ولم يجب على الحر الامبيع شيء لأن المال لم يدفع إليه ولا سبيل على رقبته لأن الحر لا يملك، قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا ملك على حر).(77/6)
قاال: فإن لم يكن بالغاً لم يضمن ما أخذه إن كان مستهلكاً وذلك أن الذي ليس ببالغ ليس له قبض ويكون صاحب المال بإعطائه المال يكون في حكم الراضي بتصرفه والمبيح له إياه فلهذا لم يضمنه فأما إذا كان قائماً بعينه فلا إشكال في وجوب رده.
قال: ويؤدب كل من فعل ذلك عالماً به، ووجهه أنه اارتكب أمراً أمراً محظوراً عظيماً، وكل من ارتكب مثل ذلك كان أمر تأديبه موكلاً إلى اجتهاد الإمام.
مسألة:
قال القاسم عليه السلام:
ولو أن رجلاً ااشترى شيئاً كيلاً أو وزناً أو عددااً فاستوفاه على ما اشتراه ثم وجده في منزله زائداً على ما ابتاعه وجب عليه أن يرد الزيادة على صاحبه، وذلك أنه أخذ فوق ما استحقه بالشراء فيلزمه رده، وهذا إذا لم يكن تبرع به صاحبه فإن كان صاحبه تبرع به لم يلزمه رده لتنصيصه فيما مضى على أن من اشترى شيئاً فاسترجحه فأجابه البائع إلى ذلك أنه جائز إذا لم يكن مشروطاً في العقد.(77/7)
باب الصرف
لا يجوز أن يصرف الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، يداً بيد سواء تبره ودنانيره، وجيدة ورديئة، ومضنوعه ومكسوره وكذا القول ذلك يداً بيد، ولا يجوز نسأ.
وهذه الجملة مما لا خلاف فيه بين العلماء إلا ما روي فيه عن ابن عباس من قوله: (لا ربا غلا في النسيئة)، وقد بينا فيما مضى فساده وما روي من رجوعه عن هذا القول.
والأصل في هذا ما ذكرناه فيما مضى من الأخبار المتظاهره الوارده بطرق مختلفة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الذهب بالذهب مثلاً بمثل يداً بيد)، وفي بعض الأخبار والفضل رباء وفي بعضها من زاد أو ازداد فقد أربا وفي بعضها (هاوها) وفي بعبضها (فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد)، وما روى ابن عمر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لاتبيعوا الدرهم بالدرهمين والدينار بالدينارين).
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً كان معه دنانير فاراد أن يصرفها بدراهم ولم يحضر تماماً الدراهم لم يجز الصرف إلا بمقدار ما يحضر والزائد إما أن يسترده أو يتركه عند صاحبه وديعة أو قرضاً وهذا مما لاخلاف فيه.
ووجهه ما قدمناه من أن يفترقا إلا بعد أن يقبض كل واحد منهما تمن صاحبه ما وجب له عليه بصرفه وهذا مما خلاف فيه.
والأصل فيه ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ابن عمر سأاله فقال:(يارسول الله إني أبيع لإبل بالذهب فآخذ الدراهم وبالدراهم فآخذ الدنانير. فقال: لا باس إذاا لم تفترقا وبينكما شيء).(78/1)