قال: وإن اشتراه على أنه بذر الكراث فأنبت بصلاً فعلى المشتري للبائع ما بين القيمتين إن كان البائع لم يتعمد ذلك فإن تعمد فهو متبرع بالزيادة وذلك أنه بمنزلة من زاج المشتري على ما استحقه بعقد البيع والبائع أولى بالزيادة إن علم قبل الإستهلاك فكذلك زيادة الصفة وليس يشبه هذا أن يبيعه عبداً على أن به داء فوجده صحيحاً لأن البيع تناول عين العبد ورضي المشتري به معيباً فإذا لم يكن معيباً لم يجب عليه شيء وما قلنا محمول على أن البيع لم يقع على عين البذر فيشبه أن يبيعه عشرة أقفزة فيعطيه على سبيل أن يكون زاد فوق ما استحقه متعمداً كما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترى سراويل ثم قال للوازن: زن وأرجح، فكان عليه السلام متبرعاً بالرجحان فكذلك ما ذهبنا إليه.
مسألة:
قال: وإذا ادعى المشتري عيباً في السلعة فأنكره البائع فعلى المشتري البينة وعلى البائع اليمين، والأصل في هذا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه، وها هنا المشتري هو المدعي لأن8 يدعي خلاف الظاهر ويحاول إلزام البائع ما لا يلزمه في الظاهر، والبائع دافع لذلك ومستند إلى الظاهر لأن الظاهر في البياعات الصحة والسلامة حتى يثبت خلافه وبما بيناه يفرق بين المدعي والمدعى عليه، وأيضاً المشتري يدعي انطواء المبيع على العيب ونحن لا نعلمه والبائع منكر ولابد من تصحيحه بالبينة، وعلى هذا لو أن أحد المتبايعين ادعى انطوء العقد على خيار لا يعرفه فصاحبه منكر وهذه الجملة لا أحفظ فيها خلافاً.
قال: وكذلك إن أقر البائع بالعيب وادعى حدوثه عند المشتري فعليه البينة وعلى المشتري اليمين، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وهذا المراد به عيب يجوَّز حدوثه في يد المشتري.(76/14)


ويجوز أيضاً أن يكون كان وهو عند البائع قبل وقوع البيع لأن العيوب ثلاثة: عيب علم أنه لا يحدث مثله في مثل المدة التي وقع فيها البيع، فهذا لزم البائع لا محالة، وعيب يعلم انه عيب حادث من قريب، ولا يجوز أن يكون كان عند البائع فهذا يلزم المشتري لا محالة، وذلك كالجراحات الطرية، وما أشبه ذلك، والعيب الثالث: ما يجوز أن يكون كان عند البائع ويجوز أن يكون حدث عند المشتري، والمسألة مبنية على هذا الثالث، وهذا مما لا خلاف فيه أن البينة فيه على المشتري واليمين على البائع لما بيناه في المسألة التي تقدمت لأن المشتري هو المدعي لادعائه مالا يعلم صحته وما هو خلاف الظاهر لأنا نجد العيب في يده وهو يدعي أنه كان في يد البائع وأن العقد وقع مع حصوله، وكل ذلك خلاف الظاهر والبائع منكر له فوجب أن تكون اليمين على الباائع والبينة على المشتري، قال: فإن أخذه البائع ثم ادعى عيباً حدث عند المشتري فالبينة على البائع واليمين على المشتري.
ووجهه ما مضى من أن الظاهر خلافه وأن البائع يحاول إلزام المشتري مالاً يلزمه في الظاهر فلزمته البينة وكان القول فيه قول المشتري مع يمينه إذا لم يكن للبائع بينة.(76/15)


باب القول في استحقاق المبيع
إذا استحق المبيع على المشتري فرده على المستحق لم يكن له أن يرجع بالثمن على بائعه إلا أن رده على المستحق بحكم الحاكم، أو إذن البائع وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً.
ووجهه أنه إذا رده على المدعي باختيار نفسه أو بإقراره لم ينفسخ البيع الذي كان بينه وبينه البائع لأن إقراره لا يلزم بائعه ولأن استهلاكه ماا اشترى باختيار لا يعترض العقد الذي تقدم فإما إذا رده بحكم الحاكم فله الرجوع بالثمن على البائع لأن الحاكم إذا حكم به للمدعي فقد تضمن حكمه إبطال البيع الذي جرى بين من كاان الشيء في يده وبين البائع فإذا بطل ما بينهما من البيع وأخذ الشيء من يد من كان في يده حكماً صار ما أعطى البائع من الثمن بمنزلة دين له على البائع فصح أن يرجع عليه، وكذلك إذا أذن البائع للمشتري في رده ورضي به المشتري جرى ذلك مجرى إقرارهما جميعاً ببطلان البيع وبان المبيع قد استحقه المدعي فإن رده رجع عليه بالثمن للوجه الذي بيناه.
وروي عن علي عليه السلام أن إنساناً عرف ملكاً له في يد مشتر له فصححه فقضى عليه السلام بتسليمه إلى المدعي وقال للمشتري: اتبع صاحبك بما أعطيته حيث وجدته.
مسألة:(77/1)


قال: وإذا اشترى سلعاً في صفقة واحدة فاستحق بعضها رجع على البائع بثمن المستحق، وصح البيع فيما سوااه وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وأما الشافعي فقد اختلفت أأقواله، وقد ذكرناها في مسألة بيع العبد مع الحر في صفقة واحدة ووجه ما ذهبنا إليه أن هذا البيع غير منطو على الفساد لأنه قد نفذ في نصيب البائع لأنه باع ما ملكه ولم يجب أن يفسد في نصيب من سواه لأنه وقع موقوفاً على إجازته على مذهبنا في البيع الموقوف فوجب أن يستقر البيع في نصيب البائع دون نصيب المستحق، دليله الشفقة في الضيعتين إذا اشتراهما المشتري وللشفيع حق في إحداهما فإنه إذا طلبها واستحقها استقر البيع فيما لا حق فيه فوجب أن يستحق الشفيع ماله حق الشفعة بشفعته ووجب تفريق الصفقة فكذلك ما ذهبنا إليه، وليس يلزم على ما قلناه من فساد البيع إن باع عبداً وحراً صفقة واحدة وذكية وميتة لأن الثمن لا يمكن توزيعه عليهما إذ لا يصح تقويم الحر والميتة، وليس كذلك في مسألتنا هذه، إذ يصح توزيع الثمن على قيمتهما فوجب أن يكون ما ذكرناه صحيحاً.
مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى عبداً صائغاً واستغله ثم استحق حكم به لمستحقه، ولم يكن له أن يطالب المشتري بما استغله منه وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم الخراج بالضمان والمشتري قد ضمن العبد وضمن منافعه لإيجابنا عليه لصاحبه كرى مثله، فوجب أن يكون الخراج له وهو الغلة ولأنه إذا ضمن منافعه ولزمه كر المثل فلا وجه لإستحقها كان قد أخذ عوض منافعها مرتين مرة كر المثل، ومرة حين يأخذ الغلة وذلك باطل وذلك مبني على أن يحكم عليه بكرى المثل، وتكون الغلة له، وبه قال أبو حنيفة قال: ولو أنه اشتراه مريضاً فأنفق عليه حتى برأ ثم استحق فإنه يقضى به للمستحق، ولم يرجع المشتري عليه بما أنفق على العبد وذلك أنه متبرع بما أنفق لأنه لم ينفقه بإذن مولاه ولا بإذن الحاكم ولا بحكم ولاية له فأشبه سائر يتبرع به في أنه لا يرجع على صاحب العبد.(77/2)


مسألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى ثوباً فقطعه قميصاً ثم استحق قضى به لمستحق، ولم يرجع بنقصان الثوب إلا على من غصبه إن كان المشتري لم يعلم أنه مغصوب.
واعلم أن المراد بهذا أن الضماان لا يتقرر آخراً إلا على الغاصب لأن المستحق يطالب المشتري بما نقص من ثوبه لكنه إن طالبه به كان له الرجوع على الغصب البائع لأن مغرور، والمغرور يرجع بما يضمنه لغروره على الغار على ما نبينه بعد هذه المسألة في هذا الباب.
فأما المستحق فله أن يطالب المشتري به لأنه استهلك بعض مااله بالقطع ومن استهلك مال غيره بغر إذنه فإنه يضمنه سواء استهلكه عالماً أو جاهلاً لا خلاف فيه، لأن الضمان لا يؤثر فيه العلم والجهل، وإنما يؤثر في المآثم.
قال: فإن كان المشتري علم أنه مغصوب كان المستحق مخيراً بين أخذ قيمته صحيحاً، وبين أخذه مقطوعاً، ورجع المشتري على البائع بالثمن دون ماا سوااه، ووجهه أن المشتري إذا علم أنه مغصوب كان هو أيضاً غاصباً، ولم يرجع على البائع إلا بالثمن لأنه ليس فيه بمغرور، وإنما أقدم على ما أقدم مع العلم بهز
ووجه التخيير فيه ما نذكر في كتاب الغصوب فإنه أخص بذلك الموضع.
قال: وكذلك القول فيمن اشترى شاة. فذبحها ثم استحقت، والوجه في جميع ذلك ما قد مضى إذ لا فضل في هذه المسائل غير ما ذكرناه.
مسألة:
قال: وكل من استحق شيء في يده فعليه تسليمه إلى المستحق سواء أمكنه الرجوع على البائع أم لم يمكنه.
وهذا مما لا خلاف فيه، وعليه دل كلام أمير المؤمنين عليه السلام: (اتبع صاحبك حيث وجدت وأمره بتسليم ما استحق إلى المستحق، وأيضاً إذا استحقه المستحق فإن يد من هو في يده تصير يد الغاصب، فليس له احتباسه بحق له على البائع لأنه ليس برهن عليه ولا في حكم الرهن فيصح ذلك.
مسألة:(77/3)

47 / 149
ع
En
A+
A-