دقال: وإذا قال البائع برئت إليك من كل عيب لم يبرأ بقوله هذا من العيوب التي لم يبينها للمشتري، قال أبو حنيفة: يبرأ من جميع العيوب، واختلفت أقوال الشافعي فيه ومن جملتها أن ذلك يبطل البيع لأن البيع يكون مجهولاً لأنه يشتريه بعشرة ولا يدري كم النقصان فيه لأنه لا يدري مقدار الأرش ولا مقدار قيمته وهذا لا معنى له، لأن أكثر ما فيه أن يشتريه وهو لا يعرف قيمته ويجوز أن يكون قيمته تسعة أو ثمانية، أو أقل، وذلك لا يوجب فساد البيع فبطل هذا القول.
ولا يصح أن يقال أن يقال انه شرط مجهول فيجب أن يفسد البيع لأنه لا يوجب جهالة في البيع ولا المبيع ولا الثمن وكل شرط لا يوجب ذلك فلا يجب أن يكون مفسداً للبيع عندنا على ما بيناه فيما تقدم.
فإن قيل: هو يوجب جهالة في المبيع لأن لا يدري ما هو وما الذي فيه من العيوب.
قيل له: لو كان ذلك كذلك لوجب أن يفسد البيع وإن لم يشترط البراءة إذا كان فيه عيب لم يفرقه المشتري والبائع، وذلك فاسد فوجب سقوط هذا السؤال.
وعلى القول الذي يجيز البيع يختلف أقواله فمرة يفرق بين الحيوان والثياب ونحوها ومرة يجمع بينهما ومرة يفرق بين عيب يعلمه البائع وبين مالم يعلم ومرة يجمع بينهما والدليل على أن هذه الراءة غير صحيحة أنها في البيع اشتراط ترك حق له وقد مضى الكلام في مثاله في باب شروط البيع وبينا أن الشرط إذا لم يكن صفة للبيع ولا المبيع ولا الثمن ولا كان مما يصح أن يعقد عليه العوض منفرااداً ثبت البيع دون الشرط، وذلك بأن يبيع ويشترط الولاء لنفسه لأنه شرط ترك حق للمشتري من غير أن يكون ذلك صفة للبيع أو المبيع، أو الثمن، وكذلك من اشترى جارية على الا يطئها ثبت لبيع وبطل الشرط لأنه اشترط على نفسه ترك حق هو له على الوجه الذي بينا فوجب أن يسقط الشرط في ما اختلفنا فيه لأنه اشترط على المشتري ترك حق هوله وهو الرد بخيار العيب.
فإن قيل: أليس لو نص على عيب بعينه ورضي به المشتري صح ذلكز(76/9)
قيل له: بين هذا وذاك فرق لأن هذا شراء المعيب وشراء المعيب وشراء المعيب جئز، وليس ذلك كذلك لأنه لم يجعله معيباً يتعلق البيع به مع العيب، وإنما شرط عليه أن يترك حقاً يكون له، وهو الرد بالعيب، وأيضاً لا خلاف انه لو قال قد أبرأتك من عيب واحد، أو عيبينأو كثر من ذلك ولم ينص عليه كاان ذلك بااطلاً والعلة أنها برأه من عيب مجهول فكذلك ما اختلفنا فيه.
فإن قيل: فيما ذكرنااه أولاً من الوجه الأول أنه أبرأه من العيوب وليس هو اشترااط ترك حق له.
قيل له: إنه وإن كان بلفظ البراءه فالمعنى في هو ااشتراك ترك حق له لأن تخصيله أنه اشترط عليه ألا يرده بعيب إن وجد فيه وما يراعى في صحة لابيع والشرط وفسادهما إنما هو في المعاني دون العبارات.
مسأألة:
قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل سلعة فحملها إلى بلد غير البلد الذي وقع الابيع فيه فوجد بهاا عيباً ولقي البائع في ذلك البلد كان له أن يردها عليه فيه ولم يكن للبائع أن يطالب المشتري بردها إلى البلد الذي انعقد فيه البيع.
ووجهه أن الرد حق للمشتري لا تعلق له بالمواضع فله أن يستوفيه من البائع في أي موضع وجده فيه دليله سائر الاحقوق كالدين والقصاص والكفالة لأنها أجمع حقوق لا تعلق بالمواضع التي وجبت فيها وغنما احترزنا بقولنا لا تعلق له بالمواضع من السلم فإن السلم إذا كان من شرطه تسليم المسلم فيه في موضع يعينه صحت المطالبة بتسليمه في ذلك الموضع.
مسألة:
قال: ولو أن وجد بها عيباً وأشهد على ذلك وتوجه إلى البلد الذي فيه البائع ليردها فتلفت في الطريق كان له أن يرجع على صاحبها بنقصان العيب تخريجاً التخريج فيه قولناا بنقصان العيب لأن إطلاق اللفط في المنتخب ما يقتضي الردوع بالثمن إلا أن مسائله تدل على الرجوع بأرش النقصان فكان قوله الثمن عبارة عن أرش النقصان.(76/10)
والوجه في ذلك أن المشتري إذا اشترى معيباً وهو لا يعلم وحدث ما يمنع الرد وجب أن يرجع عليه بالنقصان على ما بيناه في من اشترى جارية معيبة ثم وطئها ثم علم بالعيب أنه يرجع بأرش النقصان لتعذر الرد فكذلك في هذه المسألة لأن الرد فيها قد تعذر لأنه لا سبيل إلى رد التالف فوجب أن يكون له الرجوع بأرش النقصان قياساً على ما ذكرناه، وأيضاً المشتري لم يستوف حقه إذ كان حقه أن يسلمه تسليماً صحيحاً من العيوب فوجب أن لا تبطل ظلامته ولا سبيل إلى إستدراكها إلا بالرد أو الرجوع بالأرش لأنا لولم نفعل ذلك كنا قد أبطلنا ظلامته وقد قال الله تعالى: {لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ}.
ويجب أن يكون ما ذهبنا إليه به قال أبو حنيفة وأصحابه لأنهم جعلوا قولهم في هذا الباب بأنهم قالوا الرد إذا تعذر لغير فعل كان من المشتري أو بفعل منه غير مضمون فيجب أن يكون له الرجوع بأرش العيب عندهم ويدل على ذلك وعلى أن الشافعي يجب أن يكون ذلك قوله؛ قولهما أن المشتري إذا حدث عنده عيب آخر كان له الرجوع بأرش العيب الأول لتعذر الرد إذ لا يصح عندهما رد المعيب.
مسألة:(76/11)
قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل شيئاً من الفواكه التي لا يتوقف على عيبها إلا بعد كسرها فوجد فيهاا عيباً فله أن يرجع على البائع بنقصان العيب إن كان له مع العيب قيمة وإن كان ممالا قيمة له كنحو البيض وشبهه فله أن يرده ويرجع بالثمن على البائع وبه قال أبو حنيفة وأصحابه واختلفت أقاويل الشافعي اختلافاً كثيراً، والذي يقتضيه مذهب يحي عليه السلام أن للمشتري خيارين إن كان له بعد الكسر قيمة أحدهما ما ذكره ههنا من الرجوع بأرش العيب، والثاني أن له أن يرده ويرد أرش الكسر على ما نص عيه في السلعة إذا وجد المشتري بها عيباً بعد أن حدث عنده عيب آخر لأن الكسر بمنزلة حدوث عيب آخر عنده ولا يجب أن يكون سبيله سبيل الغصب يعتبر فيه أن يكون الكسر أزال معظم منافعه على الوجه الذي يذكره في مسألة الغصب فيضمنه ولا يكون له سبيل إلى رده لأنه متعد فيه وكذلك النجار إذا كسر والدباغ إذا أفسد الأديم لأنهما متعديان والمشتري ليس بمتعد في الكسر لأنه مأذون فيه فكان حكمه حكم السلعة يحدث فيها عيب عند المشتري ثم يجد فيها عيباً والوجه في هذا ما مضى في الكتاب فلا غرض في إعادته، وأما إن لم يكن له بعد الكسر قيمة فعليه أن يرده ويرجع بالثمن لأنه لا يستحق ثمن مالا قيمة له لأن بيعه لا يصح ولأن بيعه لا يصح ولأنه لا يصح أن يقدر فيه الأرش، لأن الأرش مبني على القيمة فإذا لم يكن قيمة بطل البيع ورجع بالثمن.
مسألة:(76/12)
قال: ولو أنه اشترى من رجل بذراً على أن بذر البصل فنبت كراثاً فله على البايع ما بين القيمتين إن كان البائع لم يعتمد ذلك فإن كان تعمد فهو أولى بما نبت وعليه للمشتري ثمن البذر وما غرم عليه في أرضه، ووجهه أن البائع أعطاه المبيع وله دون الصفة التي اشترط للمشتري فهو بمنزلة أن يبيعه المعيب، فإذا استهلكه المشتري ثم علم به لزمه ما بين القيمتين لأنه أرشه على ما بيناه فيما مضى، وعلى هذا يجب على مذهبه أنه لو اشترى طعاماً فأكله ثم وجد به عيباً أنه يرجع بأرش العيب.
وقال أبو حنيفة: لا يرجع بأرش العيب وقال أبو يوسف ومحمد يرجع به وهو الصحيح لأنهم أجمعوا في من اشترى فاكهة فكسرها ثم وجد بها عيباً انه يرجع بأرش العيب وإن كان كسره فعله، فكذلك الأكل والزرع لأن ذلك استهلاك حصل بفعل المشتر فيجب أن لا يمنعه ذلك من الرجوع بأرش العيب، وكذلك يقتضيه مذهبه أنه لو كان عبداً فأعتقه ثم وجد به عيباً انه يرجع بأرش العيب وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لأنه عندهم فعل غير مضمون، وكذلك على مذهبن القتل وهم خالفوا فيه إلا رواية حكاها الطحاوي في المختصر عن أبي يوسف والأصل في جميع ذلك أنه لم يسلم ما استحقه المشتري وتعذر الرد فوجب أن يكون له الرجوع بالأرش كما قلنا في من وطء جارية ثم وجد بها عيباً والوطء أيضاً مضمون عليه ولم يبطلوا الرجوع بأرش العيب مع الوطء فكيف يبطلون مع سائر ما ذكرنا.
فأما إن تعمده البائع فللمشتري الخيار في أن يسلمه إلى البائع ويرجع عليه بالثمن وما غرم، لأم المشتري مغرور، والمغرور يرجع بما غرم بغرور على الغار على ما يجي من بعد.(76/13)