قال: وفي اللحية وشعر الرأس إذا لم يجرحا لسبب عملٍ بصاحبهما حكومة غليظة تقارب الدية وفي أشفار العينين وشعر الحاجبين حكومة دون نصف الدية ومعنى الأشفار هي الأهذاب دون الأجفان ها هنا قال أبو حنيفة في شعر الرأس واللحية دية دية، وفي أشفار العين الدية وفي كل شفر ربع الدية وفي الحاجبين الدية، قال الشافعي: في جميع ذلك حكومة ووجه ما ذهبنا غليه أن هذه الأشياء ليس لها منافع عظيمة، بل لا منفعة في بعضها وفي بعضها منافع يسيرة وقد ثبت في الديات أن معظم ما يراعى لإيجابها المنافع وإن روعي معها الجمال، فأما الجمال على الانفراد فلا تجب له الدية، والدليل على صحة هذا أن العين القائمة التي لا يبصر بها إذا فقئت فلا خلاف في أن الواجب فيها حكومة، كذلك لسان الأخرس واليد الشلاء التي تكون قد ذهبت منافعها وإن بقي جمالها، فإذا ثبت ذلك وثبت أن اللحية وشعر الرأس ليست لهما منافع وإنما لهما الجمال، وكذلك الأهذاب وشعر الحاجبين وجب أن يكون الواجب في جميع ذلك حكومة، ألا ترى أن أبا حنيفة جعل في ثدي الرجل حكومة لما لم يكن فيه إلاَّ الجمال وجعل في ثدي المرأة الدية لما فيهما من المنافع وغلظ الحكومة في اللحية وشعر الرأس؛ لأن الشين فيها أعظم ويجب أن يكون معنى قوله: تقارب الدية ما زاد على نصف الدية وخفف في الأهذاب وشعر الحاجبين لقلة الشين فيهما فجعل دون نصف الدية.
فإن قيل: روي عن علي عيه السلام في الحاجبين الدية.
قيل له: يجوز أن يكون أراد ما يقارب الدية ويجوز أن يكون أراد ما يقارب الدية ويجوز أن يكون عبر عن الإرش المغلظ بالدية للدلالة التي ذكرناها.
فإن قيل: أليس روى محمد بن منصور أن رجلاً على رأس رجل ماءاً حاراً فذهب شعره فرافعه إلى علي علهي السلام فضمنه الدية.(110/8)


قيل له: ليس فيه أنَّه عليه السلام ضمنه الدية لذهاب شعر رأسه فقط ومن المعلوم أن الماء الحار الذي يؤثر هذا التأثير في شعر الرأس يكون قد أثر في الجلد وأحرقه وربما أثر فيما حول الرأس فيجوز أن يكون أرش الجميع لما ضم بعضه إلى بعض بلغ الدية، هذا مملا لا ننكره، فأما الأجفان فالقياس أن فيها الدية في كل جفن ربع الدية؛ لأن لها منافع حفظ العين مع الجمال.
مسألة
قال: وشجاج الرأس يجب في الآمة فيها ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وفي الهاشمة عشر من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل وفي السمحاق أربع ن الإبل وفيما دون ذلك حكومة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: ولا أحفظ عن غيرهم فيه خلافاً إلاَّ السمحاق ففيها عندهم جميعاً حكومة، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآمة ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وفي الموضحة خمس، وقد تقدم ذكره، ولما ورد في الموضحة والمنقلة ووجدنا الهاشمة بينهما وجب أن تكون ديتها فوق دية الموضحة دون دية المنقلة، فقيل: أنها عشر من الإبل.
فإن قيل: فهلا قلتم فيها بدية الموضحة وحكومة كما قلتم في اليد إذا قطعت من المرفق.
قيل له: لأنَّه لا دية بعد الكف فرجعنا فيما زاد إلى الحكومة والهاشمة وقعت بين ديتين منصوص عليهما، فاحتيج لها إلى مقدار معلوم على أنَّه روي عن علي عليه السلام على ما قدمناه ي الهاشمة عش من الإبل، فوجب القول به، وقلنا في السمحاق أربع من الإبل لما ثبت ذلك عن علي عليه السلام أنَّه جعله مقداراً، فإن كان قال توقفا فلا يجوز خلافه، وإن كان قاله قياساً واجتهاداً فقياسه أولى بالاتباع سيما ولم يرو عن غيره من الصحابة خلافه مع انتشاره عنه، فأما ما دون ذلك فلا خلاف في أنَّه يجب فيه حكومة إلاَّ رواية شاذة يرويها الإمامية ولا معتبر بها لضعف رواتهم.
مسألة(110/9)


قال: والجائفة في سائر البدن مثل الآمة في الرأس وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء؛ لأنها تصل إلى جوف البدن كما تصل الآمة إلى جوف الرأس، وقد قدمنا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في الجائفة بثلث الدية، وقد روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده في الجائفة ثلث الدية على ما تقدم، قال: والموضحة إذا كات في سائرالبدن ففيها حكومة، وهذا مما لا خلاف فيه إذ لم يرد تقدير عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أحد من الصحابة، قال: وكذلك ي سائر الجراح حكومة، وهذا أيضاً مملا خلاف فيه، قال: والموضحة في الوجه كالموضحة في الرأس في أن الشين فيه يعظم.
مسألة(110/10)


قال: وفي الكفين إذا قطعتا الدية في كل كف منهما نصف الدية وفي كل أصبع عشر الدية وفي كل مفصل منها نصف دية الإبهام ولا تفاضل بين الأصابع، وبجميع ذلك قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي، كذلك ولا أعرف فيه خلافاً، وذلك لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في اليد بخمسين من الإبل، وفي الحديث: <وفي كل إصبع مما هنالك عشر عشر من الإبل> وقد تقدم ذكر الحديث، وعن علي فيما رواه عنه زيد بن علي عليهم السلام على ما تقدم ذكره في اليد نصف الدية وفي كل إصبع عشر من الإبل، وروى نحوه عنه عاصم بن ضمرة واليد إذا أطلقت كان المفهوم إلى لرسغ ووجه ما قلنا في المفاصل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما جعل في اليدين الدية قسمها عليهما فجعل في كل يد نصف الدية، وكذلك قسم دية اليدين على الأصابع فقلنا قياساً على ذلك، فجعل في كل واحدة منها عشر الدية لما اكنت الأصابع عشراً فقلنا قياساً على ذلك أن دية الأصبع مقسومة على مفاصلها ففي مفصل كل إصبع إلاَّ الإبهام ثلث ديتها؛ لأن كل أصبع ثلاثة مفاصل وقسمنا دية الإبهام على مفصلين لكل واحد منهما نصف ديتها؛ لأن لها مفصلين، وقلنا: لا تفاضل بين الأصابع لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <في كل إصبع مما هنالك عشر عشر من الإبل> وفي حديث عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <في كل إصبع ن اليد والرجل عشر من الإبل> وهكذا روى زيد بن علي، وروى أن عمر كان يفاصل بين الأصابع ثُمَّ رجع عنه فلم يبق فيه خلاف.
مسألة(110/11)


قال: وفي الأصبع الزائدة حكومة وفي اليد الشلاء حكومة إذا قطعت، كذلك اليد المقطوعة إذا قطع ما بقي منها إلى المرافق أو العضد أو المنكب حكومة وفي الظفر إن اسودت حكومة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسم دية اليدين على الأصابع العشر ولم يجعل للزائدة فيها نصيباً، وأيضاً ليس للأصبع الزائدة نفعٌ ولا فيها جمال فلم يجرها مجرى سائر الأصابع وجعلنا فيها حكومة، وقلنا: إذا قطع ما بقي عن اليد المقطوعة ففيه حكومة، وقلنا في اليد الشلاء حكومة لفوات منافعا وجمالها جميعها وعامها، وقلنا: إذا قطع ما بقي عن اليد المقطوعة ففيه حكومة؛ لأنَّه ليس له تقدير معين ولا يمكن قياسه على مقدر، وقلنا في الظفر إذا اسود حكومة؛ لأن اسوداده لم يزل إلاَّ جماله دون منافعه وقد قلنا إن الجمال وحد إذا لم يزال لم يجب الدية وجبت الحكومة.
مسألة
قال: وفي اليد إذا شلت حكومة سنته بالنصف من ديتها، وهذا إن كان الشلل يسيراً لم يسلب اليد والإصبع منافعهما وجمالهما بواحدة وإن كان سلبهما جميع منافعهما وجمالهما فهو في حكم القطع يوجب الدية؛ لأنا قد بينا فيما تقدم أن المعتبر في الدية هو ذهاب المنافع والجمال والمنافع فقط، ألا ترى أن ذهاب البصر يوجب الدية وإن كانت العين باقية فكذلك ما قلناه.
مسألة
قال: وفي الرجلين الدية في كل واحدة منهما نصف الدية، وهذا مالا خلاف فيه لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في الرجل بخمسين ـ يعني من الإبل وما رواه زيد بن علي عن علي علهيم السلام في الرجل نصف الدية، قال: وفي الرجل الشلاء إذا قطعت حكومة، وذلك لبطلان منافعها وجمالها جميعه أو أكثره، قال: وكذلك في الرجل المقطوعةغذا قطع ما بقي منها إل الركبة أو فوقها حكومة، ووجهه ما بيناه فيما قطع ما بقي من اليد المقطوعة.
مسألة(110/12)

148 / 149
ع
En
A+
A-