قيل له: لو كانت الدية تعتبر بالدين كان يجب أن لا يكون لهم شيء من الدية؛ لأنهم لا دين لهم، قال الله عز وجل: {إِنَّ الدِّيْنَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامَ} لكن الدية لم توضع على الأديان.
فإن قيل: الثلث أقل ما قيل فيه وهو مجمع عليه، ولا يجوز أن يزاد عليه إلاَّ بدليل.
قيل له: بالدليل قلنا بالدية الكاملة وهو ما سلف، فوجب المصير إليه على أن الاعتبار ل كان بالدين كان لا يجب أن تكون ديتهم على الثلث من دية المسلم؛ إذ ليس يجوز أن يقال إن دينهم على الثلث من دين المسلمين.
مسألة(110/3)
قال: وفي بصر العينين الدية إذا ذهب وفي سمع الأذنين إذا ذهب الدية وفي الخرس الدية وفي الصوت الدية إذا القطع وفي اللسان إذا قطع الدية، وفي لسان الآخرس إذا قطع حكومة، وفي العقل الدية وفي الأنف إذا قطع من أصله الدية، وفي العينين الدية إذا فقئتا أو أعميتا، وفي كل واحد منهما نصف الدية، فإن كاتن العين عمياء ففقأها فاق كانت فيها حكومة وفي الأذنين إذا استؤصلتا قطعاً الدية وفي كل واحدة منهما نصف الدية، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: ولا أحفظ عن غيرهم خلافاً، والأصل في هذا الباب ما روى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حرم، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الأنف: <إذا أوعب جدعه الدية وفي العيني الدية وفي الشفتين الدية وفي اللسان وفي السن خمس من الإبل وفي كلاصبع من اليد والرجل عشر من الإبل وفي البيضتين الدية> وعن الزهري قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ي الذكر إذا استؤصل أو قطعت الحشفة الدية، وقضى في الصلب الدية، وعن أبي بكر بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن عمر في الأنف إذا استوعب جدعه الدية، وعن رجل من آل عمر قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الذكر الدية وفي الأنف الدية إذا استوعب مارنه وفي اللسان الدية وفي الرجل خمسون وفي اليد خمسون وفي الجائفة ثلث الدية وفي الآمة الثلث وفي المنقلة خمس عشرة وفي الموضحة خمس وفي كل أصبح مما هنالك عشر عشر، ورى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام في اللسان إذا استؤصل الدية وفي الذكر إذا استؤصل الدية وفي الحشفة الدية وفي العين نصف الدية وفي الأذن نصف الدية وفي الرجل نصف الدية وفي إحدى الأنثيين نصف الدية وفي إحدى الشفتين نصف الدية وفي المأمومة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وفي الهاشمة عشرٌ من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل وفي كل سن خمسٌ من الإبل وفي كل(110/4)
أصبع عشرٌ من الإبل، وروي نحو ذلك عن أبي إسحاق، عن عصام بن ضمرة، عن علي عليه السلام فصارت هذه الآثار أصلاً في أن كل عضو كان في الإنسان واحداً نحو الأنف والذكر ففيه الدية وما كان منه اثنين كالعينين واليدين والرجلين ففيهما الدية وفي كل واحد منهما نصف الدية، وهكذا المعاني وإن لم تكن أعضاء كالصوت والعقل والسمع والبصر، فعلى هذا يجب ان يجري الباب؛ لأن بعضه منصوص عليه على ما بيناه، بعضه قياس على المنصوص عليه، وقلنا: إن في لسان الأخرس حكومة؛ لأنَّه لا نفع له، هذه الديات تجب الأعضاء لما فيها من المنافع، وهذا ما لا خلاف فيه، وكذا القول في العين العمياء إذا فقئت، وقلنا أن المعاني كالأعضاء لما فيها من المنافع بدلالة أن منافعها إذا ذهبت رجعت الديات إلى الحكومات.
مسألة
قال: وفي الشفتين إذا قطعتا الدية، وتفضل السفلى على العليا بشيء على ما يراه الحاكم، وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عمرو بن حزم <في الشفتين الدية>، وقد بينا الوجه فيه وفي نظائره، وأما ما قال أن السفلى تفضل على العلياء بشيء؛ لأنَّه قد ثبت أن الديات إنَّما هي للمنافع، وقد علمنا أن الانتفاع بالسفلى أكثر وليس ما بينهما في باب النفع ما بين اليمنى واليسرى بل هو أكثر وأظهر؛ لأن الطعام بها يمسك.
فإن قيل: فيما رويتم عن علي عليه السلام في إحدى الشفتين نصف الدية، وذها يمنع التفاضل.
قيل له: روى عاصم بن ضمرة عنه في الشفتين الدية وفي اليدين الدية وفي الرجلين الدية، فمن روى في إحدى العينين نصف الدية يجوز أن يكون قال في إحدى الشفتين نصف الدية فيكون ذلك من قول الراوي رآه عليه السلام قال في موضع في العينين الدية وفي موضع في إحدى العينين نصف الدية ثُمَّ رآه قال في الشفتين الدية فظن أن حكمهما حكم العينين، فقال في أحدهما نصف الدية ويمكن أن يحمل قوله في إحدى الشفتين نصف الدية على ما يقارب نصف الدية.
مسألة(110/5)
قال: وفي الأسنان إذا قلعت كلها الدية ونصف الدية وعشر الدية وفي كل سنٍ منها نصف عشر الدية ولا تفاضل فيها، وذلك لما في حديث عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم <وفي السن خمس من الإبل>، وكذلك زيد بن علي، عن أيه، عليهما السلام، وفي كلسن خمس من الإبل، وهذا ما لا خلاف فيه، وفي فم الإنسان اثنتان وثلاثون سناً ففي العشرين منها الدية على هذا، وفي عشرٍ منها نصف الدية وفي اثنتين منها عشر الدية، فلذلك قلنا: إن في الجميع دية ونصف دية وعشر ديات، وبه قال أبو حنيفة وهو القول الأصح عن الشافعي: وحكى عنه قول آخر أن في كل سن خمس من الإبل، وعن علي وفي كل سن خمس من الإبل، قال: وفي سن الصبي حكومة يعني إذا لم يكن ثغرٌ؛ لأن منافعها لم تتم؛ لأنها تسقط ثُمَّ تخرج السن التي تكون منفعتها تامة، وبه قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة : لا شيء فيها.
مسألة
قال: وإذا سودت السن ففيها ما في الساقطة نصف عشر الدية، فإن انكسرت ففيها حكومة على قدر ما تقص منها، قال في المنتخب: إذا اسودت السن ففيها حكومة، قال أبو حنيفة وأصحابه: إذا استودت السن كانت كالساقطة ووجب الأرش تاماً وللشافعي فيها قولان كما أن لأصحابنا فيها روايتان، قال ابن أبي هريرة: نحن نحملها على اختلاف الأحوال ولا نجعل فيها قولين وهو الصَّحيح عندنا والله أعلم وأحكم.(110/6)
والواجب أن ننظر في أمرها، فإن كانت حين اسودت ذهب جمالها دون منافعها فالصحيح رواية المنتخب، قال أبو حنيفة: الاحمرار والاخضرار كالاسوداد، وقال في الاصفرار حكومة، قال زفر في الاصفرار عقل تام والاعتبار فيه ما ذكرناه، وعليه يجب أن تبتنى المسألة، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن علي عليه السلام، قال: إذا اسودت السن وسلمت اليد وابيضت العين فقد تم عقلها، فإن انكسر منها شيء والباقي منها على حالة فيه حكومة على قدر الذاهب إن كان ثلثاً فثلث ديتها وإكان رابعاً فربع ديتها، فهذا طريق حكومتها،قال وفي السن الزائدة إذا قلعت حكومة؛ لأنها في حكم سن الصبي أو دفنها في النفع ولا جمال فيها فلم يجب أن تجري مجرى سائر الأسنان، ووجب فيها حكومة للألم على ما تقوله في مثله.
مسألة
قال: وفي الظهر إذا كسر ولم يتجبر الدية، فإن انجبر ففيه حكومة، قال أبو حنيفة إذا لم يبرأ ففيه الدية ووجه ما ذهبنا إليه أن الظهر عضوٌ واحدٌ وله منافع عظيمة، فإذا كسر فلم ينجبر وجبت فيه الدية كما قلناه في اللسان وفي الأنف، ألا ترى أن اللسان إذا خرس فهو في حكم الذاهب في وجوب الدية،وذكلك العين إذا ذهب بصرها فكذلك الظهير يسما ولا يبقى جماله كما لا يبقى منافعه، وعن الزهري قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلب بالدية، فلذلكأوجبنا الدية، فأما إذا انجبر وعاد كما كان فقد عادت زائدة هذا هو القياس.
مسألة(110/7)