وسقط عنه القصاص، قال الجصاص: وروي عن الشعبي أن حارثة بن بدر حارب الله ورسوله وسعى في الأرض بالفساد ثُمَّ تاب من قبل أن يقدر عليه فلم يعرض له إلاَّ بخير، قال أيده الله: هذا وجه ما قاله يحيى، والذي أقول به ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنهم إن تابوا قبل أن يؤخذوا ضمنوا الأموال واقتصوا منه ولم يحدوا، وبه قال العلماء الذي حفظت أقوالهم مثل أبو حنيفة والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وغيرهم لقول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِيْ الْقَتْلَى} ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم على اليدر رد ما أخذت وقوله: <لا يحل مال امرء مسلم إلاَّ بطيبة من نفسه>.
مسألة
قال: ولو أن المحارب راسل الإمام وكاتبه بتوبة وسأل الأمان لزم الإمام أن يقبل توبته إن رأى ذلك صلاحاً للمسلمين؛ وذلك أن الإمام الناظر في أمور المسلمين والمتحري في مصالحهم، فإن رأى ذلك صلالحاً لزمه فعله، وإن رأى ذلك ضرباً في الخديعة من المحارب أو مؤدياً إلى تجرية غيره على مثل ما فعله، فله أن لا يجيب إليه.
فإن قيل: هل يجوز أن تكون التوبة غير مقبولة.(109/15)
قيل له: أما ما بينه وبين الله تعالى فهي مقبولة إن كان قد أخلص النية وإنما للإمام أن يمتنع من أمانه إن رأى ذلك ضرباً من الفساد، فإن هو تائب على البعد ومن غير أن نقدر عليه حتى ظهر ذلك وعرف منه كان آمناً وإن لم يؤمنه الإمام لقوله عز وجل: {إِلاَّ الَّذِيْنَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيْمٌ}، قال: فإن امنه الإمام وقبل توبته سقط جميع ذلك، ووجههما تقدم فلا غرض في إعادته، قال: وإن تاب المحارب بعد ما ظفر به الإمام أقيم عليه جميع ما ذكرنا من الحدود، وذلك لأن الله تعالى قال: {إِلاَّ الَّذِيْنَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ} فبين أن المسقط لتلك الحدود هو توبته قبل القدرة عليه، فمن لم يتب قبل القدرة عليه لزمته تلكالحدود بظاهر الآية، وكانت توبته فيما بينه وبين الله مقبولة إن أتى بها بعد القدرة عليه وأقيمت الحدود عليه كما يقام الرجمعلى التائب، وكذلك القصاص.
مسألة
قال:ومن انتقل من بعض ملك الكفر إلى بعض لم يجب قتله، ووجب تعزيره وأخذت منه الجزية كما أخذت على الملة الولى، وذلك أن القتل إنَّما لزم للخروج عن الإيمان إلى الكفر، وهذا قد خرج من كفر إلى كفر فلا وجه لقتله.
فإم قيل: هلا قتلتموه لعموم قوله: <من بدل دينه فاقتلوه>.(109/16)
قيل له: لأن المراد ما قلنا من الخروج عن الإيمان إلى الكفر، ألا ترى أنَّه لو خرج عن الكفر إلى الأيمان لم يجب قتله، فكذلك من خرج من كفر إلى كفر، والمعنى أنَّه لم يخرج عن الإيمان، فكل تبديل لا يكون خروجاً من الأيمان لا يجب فيه القتل على أنَّه لو استحقالقتل لكان لا يخلوا من أن يستحقه لخروجه عن الكفر أو لدخوله في الكفر ولم يكن معه خروج عن الإيمان، وقد ثبت أن الخروج عن الكفر لا يوجب القتل ولا شبهة فيه، ولا يجوز أن يوجب القتل دخوله في الكفر؛ إذ لم يكن معه خروج عن الأيمان؛ لأن ذلك لو أوجب التل لأوجب ابتداء بدخوله فيه، ألا ترى أنَّه لم يولد على الكفر وإنما دخل فيه باختياره لقوله: < كل مولود على الفطرة>.
فإن قيل: أليس الكفر عندكم ملل مختلفة فكيف قلتم ما قلتم؟
قيل له: مللاً مختلفة لا يوجب قتل من انتقل من بعضها إلى بعض للوجه الذي بيناه، وبهذا القول قال أبو حنيفة وأصحابه، وعللوا أن الكفر ملة احدة، والإمام يعزره إن رأى أنَّه تلعب منه بالإعتقادات، ورأى ذلك صلاحاً والجزية تؤخذ منه كما أخذت من قبل؛ لأنَّه لم يفارق الكفر الذي به تعلقت الجزية.(109/17)
كتاب الديات
باب القول فيما يوجب الدية أو بعضها
يجب للمسلم والذمي إذا قُتل كل واحد منهما دية كاملة، فأما المسلم فلا خلاف فيه أن له إذا قتل دية كاملة، وأما أهل الذمة فقد اختلف فيهم، قال أبو حنيفة وأصحابه مثل قولنا للذمي دية كاملة مثل دية المسلم، وقال مالك: دية اليهودي والنصراني نصف دية المسلم، وقال الشافعي: ثلث دية المسلم، وقالا: دية المجوسي ثمانمائة درهم. والدليل على صحة ما ذهبنا إليه أن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان بياناً لمجمل واجب كان على الوجوب، وقد ثبت أن قوله عز وجل: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِه} مجملٌ؛ لأنَّه لم يبين عز وجل مقدار الدية، وروي عن ابن عباس أن عمرو بن أمية الضمري قتل رجلين من المشركين لهما أمان ولم يعلم ذلك فوداهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية المسلمين الحرين فجرى فعله مجرى البيان فوجب أن يحمل على الوجوب، وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <في النفس مائة من الإبل> وهو عام في جميع النفوس مسلمهم وكافرهم إلاَّ ما خصه الدليل، وعن الزهري قال: كانت دية المسلمين والمعاهدين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان واحدة حتى جاء معاوية فجعل لهم النصف، وروي أن رفاعة ابن السموك اليهودي قتل بالشام فجعل عمر ديته ألف دينار، وروى محمد بن منصور بإسناده عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام، قال: دية اليهودي والنصراني مثل دية المسلم، وروي بإسناده عن موسى بن حبيب، عن علي بن الحسين عليهما السلام، قال: دية المعاهد مثل دية المسلم.(110/1)
فإن قيل: روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقل أهل الكتاب على النصف من عقل المسلمين، وروي أنَّه قضى في الكافر بثلث دية المسلم، وروي عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <دية المجوسي ثمانمائة درهم>.
قيل له: هذه الأخبار قد قيل أنها ضعيفة، مع هذا معارضة وإن صحت فيحتمل أن يكون كل واحد منهما ود في عبد كافر قيمته ما ذكر، فكان عبدٌ كتابي قيمته خمسة آلاف درهم وعبدٌ كافر قيمته ما ذكر، فكان عبدٌ كتابي قيمته خمسة آلاف درهم وعبد كافر قيمته ثلث دية المسلم وعبد مجوسي قيمته ثمانمائة درهم لا وجه لتصحيح هذه الأخبار غير هذا وإلا تدافعت؛ لأن اسم الكافر ينطلق على المجوسي واليهودي والنصراني وما اعتمدناه من الأخبار مفسره لا يحتمل هذا التأويل، فكان المصير إليها أولى.
فإن قيل: روي عن عمر وعثمان أنهما قالا: فيهم ثلث الدية.
قيل له: نتاول ذلك كما تأولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الزهري أوثق ممن رووا ذلك، وقد قال خلاف ذلك مما لا يحتمل التأويل فصار ما قلناه أولى بما بيناه وأيضاً هم محقون الدم على التأبيد في ذات الإسلام فوجب أن تلزم له دية كاملة دليله المسلم وأيضاً الدية بدل المجيء عليه، فوجب ألا يعتبر بالكفر والإسلام دليله العبد إذا قتلن الا ترى أن قيمته لا تتغير بالكفر والإيمان يؤكد ذلك أن حقوق الآدميين كالديون والبياعات وحقوقهما لا يتغير فيها حكم الملي والذمي، فكذلك الدية؛ لأنها من حقوق الآدمين.
فإن قيل: المرأة لما تنقص ديتها عن دية الرجل؛ لقوله صلى الله عليه وآله: <ما رأيت ناقصات عقل ودين أملك العقول ذوي الألباب منهنَّ> وجب أن تكمون دينها على النصف من دية الرجل فوجب أن يكون الذمي ديته دون دية المرأة لنقصان دينه.(110/2)