قيل له: ذلك غير ممتنع؛ لأن الله عز وجل لا يحارب في الحقيقة والمحاربة له عز وجل هو محاربة المسلمين، وروي عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <من عاد أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة> وروى زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام: <أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم> ولم يشترط في شيء من لك الردة والكفر، وقال الله تعالى في الربا: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسولِهِ> على أنَّه إذا ثبت أن المحاربة يجوز أن تتناول الذمي والملي والمشرك وجب أن يكون عامة في الجميع وتحصيل مذهب يحيى عليه السلام أن من حملالسلاح وأخاف المسلمين في غير المصر وحاول قطع الطريق إذا أخذه الإمام أدبه ثُمَّ طرده وغربه من بلد إلى بلد حتى يبعد وإن لم يوجد اتبع بالخيل والرجال حتى يبعد والفرق بين أن يؤخذ أو أن لا يؤخذ إنَّما هو في الأدب والتغرير، فأما الطرد والإبعاد فهو في الحالينإذا لم يحدث حدثاً غير الإخافة والمجادلة لقطع الطريق، وهذا عنده معنى قوله {أَوْ يُنْفَوا مِنَ الأَرْضِ} ومن الناس من رأى أن النفي هو الحبس، وبه قال أبو حنيفة: وظاهر الآية يقتضي قول يحيى عليه السلام؛ لأن الحبس لايسمى نفياً، والمحبوس لا يكون منفياً وإنما النفي هو الطرد والتغريب فياللغة والشرع؛ لأن أحداً لم يتأول قواهي البكر تجلد وتنفى على الحبس، وكل تأوله على التغريب والطرد من قال أه من جملة الحد أو قال: إنَّه ليس من جملته ولا أعرف بين العلماء أن قوله تعالى: {أَوْ يُنْفَوا مِنَ الأَرْضِ} أنَّه لمن لم يحدث غير إخافة الطريق وحمل السلاح، فإن ظفر به وقد أخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وبه قال العلماء وروي عن علي وابن عباس وسعيد بن جبير على أن قطع اليد والرجل في الشرع لم يجعل حد الشيء إلاَّ لأخذ المال فوجب أن يكون ذلك حد من أخذ المال منهم ويجب أن يكون المأخوذ عشرة دراهم(109/10)
أو ما قيمته عشرة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا قطع إلاَّ في عشرة دراهم> أو ما جرى مجراه من الأخبار ولما روي لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشيء التافه، وروى محمد بن منصور، عن القاسم إيجاب القطع إذا كان المأخذو ما يجب فيه القطع، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، فإن ظفر به وقد أخذ المال وقتل قتل وصلب بعد القتل وذلك أن القتل لا يستحق إلاَّ بالقتل وذلك لقوله: <لا يحل دم امرء مسلم إلاَّ في إحدى ثلاث> وصلب بعد القتل تغليظاً لأخذه المال مع القتل ولم تقطع يده ورجله؛ لانه لا يجمع عليه بين التغليظين وأيضاً يدل على ذلك ظاهر قوله عز وجل: {أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلافٍ}.
فإن قيل: فقد قال الله عز وجل أن يقتلوا أو يصلبوا، وقد قلتم إنَّه يجمع بين القتل والصلب.(109/11)
قيل له: قد أجابه يحيى عليه السلام عن هذا بأن قال:أو هاهنا بمعنى الواو ذكر أنَّه شائع في اللغة، وذكر له شواهدٌ ووجهه أن الصلب لسي هو حد قائم بنفسه بالإجماع؛ لأنَّه لا يجوز أن يكون حداً إلاَّ خافه الطريق، ولا لأخذ الماء ولا للقتل؛ لأنَّه لم يقل أحدٌ إنَّه يصلب ثُمَّ يترك الشيء من هذه الأشياء فثبت أنَّه تابع للقتل وإذا ثبت ذلك ثبت أن أو هاهنا بمعنى الواو للدلالة التي ذكرناها ولم يقم مثل هذه الدلالة في قوله: {أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ} ومن الناس من رأى أن يصلب ثُمَّ يقتل بالرمح أو نحوه وعندنا يقتل ثُمَّ يصب، وذلك لوجوه منها أن القتل يجوز أن لا يكون تابعاً للصلب بل الصلب هو التابع للقتل؛ لأن القتل واجبٌ في الشرع في مواضع وهو حكم مستقل بنفسه، والصلب المعرى عن القتل لا معنى له ولا يجب في شيء من الموضع، فوجب أن يكون تابعاً للقتل، ووجب أنيكون القتل مقدماً عليه وأيضاً إذا ثبت أن أو عند ذكر الصلب بمعنى الواو ثبت عندنا الترتيب؛ لأن الواو عندنا يوجب الترتيب شرعاً وإن لم يوجبه لغة على ما بينا في ترتيب الوضوء، فصار تقدير الكلام أن يقتلوا ثُمَّ يصلبوا وأيضاً ما قلناه أولى لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا تجعلوا ذا الروح عرضاً>، ولقوله: <إذا قلتم فأحسنوا القتل وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ولا تعذبوا خلقالله>.
فإن قيل: لا معنى لصلب الميت.
قيل له: ليس كذلك بل فيه ردع لغيره وهو أكبر الغرض كما قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} أي رادع عن القتل، قال في المنتخب: تضرب رقبته، ووجهه أن القتل في الشرع إذا كان على أمر مستحق ولم يكن على سبيل القتال على وجهين القتل أو الرجم، فلما أجمعوا على أنَّه لا رجم على المحارب ثبت أن الواجب ضرب عنقه.
فصل(109/12)
قال أبو حنيفة: وإذا قتل بعضهم أجرى حكمهعلى الباقين، وهكذا في جماعة السراق إذا دخلوا الحرز وأخذوا المتاع بعضهم، قال الشافعي: يعاقب كل ذم جرم بحسب جرمه، والأقرب أن هذا قول يحيى لتنصيصه في السراق على أن القطع يلزم من بينهم من أخرج المتاع من الحرز، وقد استقصينا هذه المسألة ي موضعها، وما ذكرناه هناك يمكن أن يعتمد في مسألة المحاربين وهو الصَّحيح لقوله: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} ولا يجوز أن يعاقب من لم يقتل بالقتل؛ لأن صاحبه قتل وأن لا يعاقب بالقطع من لم يسرق؛ لأن صاحبه سرق على أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يحل دم أمر مسلم إلاَّ في إحدى ثلاث} يوجب منع القتل من لم يكن منه واحدة من الثلاث.
مسألة(109/13)
قال: فإن أتى الإمام تائباً من قبل أن يظفر به، وقد كان أخذ المال وأخاف الطريق وقتل وجب على الإمام أن يقبل توبته ويسقط عنه جميع ما ذكرنا من القتل والقطع والنفي ولم يكن لأحد أن يطالبه بشيء مما كان منه في حال محاربته، ولو أن إنساناً قتله بعد ذلك لقتل كان منه قتل الإمام قاتله ووجهه أن الله تعالى بين بقوله: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِيْنَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ..} الآية أن جزاءهم على أفعالهم التي اكتسبوها بالمحاربة هو ما ذكرناه وبين أنَّه جميع جزائهم إنَّما لأن إنَّما إذا دخل في الكلام دل إنَّما عداه بخلافه، فدل على أن ما عدى ما ذكره ليس بجزاء لهم، وإذا ثبت ذلك ثبت أنَّه هو الذي يلزمهم في جميع ما فعلوه وأوه ثُمَّ استثنى من تاب من قبل أن قدر عليه فمن تاب منهم من قبل أن قدر عليه سقط عنه جميع ما لزمه من الحدود، وقد كان سقط عنه جميع ما لزمه وانتقل إلى الحدود بحكم الآية فدلت هذه الجملة على أن جميع ما لزمهم بالمحاربة قد سقط عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم على أنا قد بينا أن ما لزمهم من القصاص والضمان قد سقط عنهم بما لزمهم من الحدود المغلظة ثُمَّ أجمع الجميع أنهم إذا تابوا من قبل أن نقدر عليهم قد سقطت عنهم الحدود، فثبت أنَّه قد سقط عنهم جميع ما لزمهم بالمحاربة، ويدل على أن القصاص والضمان قد سقط عنهم وصارت الحدود بلالا لها أن الإمام إذا ظفربه لم يكن لأولياء الدم الخيار بين الدية والعفو والقصاص بل لم يكن لهم واحد منهما وأنهم إن عفوا قلتهم الإمام وإن طلبوا الدية لم يجبهم إليا فبان أن حكم القصاص قد سقط منهم وإذا سقط حكم القصاص وصار الحد مبدلاً منه، فكذلك ضمان ما أخذوه إذ لم يفرق أحدٌ بين الضمان والقصاص فثبت ما ذهب إليه يحيى وإذا ثبت ذلك صح ماقاله من أن أحداً لا يطالبه بشيء مما استهلكه؛ لأن ضمانه قد سقط عنه وثبت أن قاتلاً لو قتله على سبيل القصاص استقاد له منه الإمام؛ ولأنه قد حقن دمه(109/14)