قال: والقول في الزنديق والساحر والديوث كالقول في المرتد، أما الزنديق فه مرتد؛ لأنَّه جاحد لله عز وجل وكتبه ورسله فيجب أن يقتل كما يقتل المرتد لا خلاف في ذلك بين المسلمين، ومنهم الباطنية؛ لأن فيهم من يبطل الشريعة ويتأول لها تأويلات وذلك منهم ردة ومنهم من ينكر الصانع وعامتهم على إنكار الرسل، فكلهم مرتدون يجب على الإمام قتلهم كما يجب قتل سائر المرتدين لا خلاف في ذلك بين المسلمين، ويدل على ذلك <من بدل دينه فاقتلوه>، وروي عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام أنَّه حرق زنادقة من السواد بالنار، وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِيْنَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ} ولا خلاف بين المسلمين ف أنهم مشركون، وأما الساحر فقد روى محمد بن منصور بإسناده عن علي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن الساحر فقال: <إذا جاء رجلان فشهدا عليه فقد حل دمه>، وروى زيد بن علي، عن أيبه، عن جده، عن علي عليهم السلام قال: حد الساحر القتل.(109/5)


اعلم أن السحر إنَّما هي حيل وتمويهات من جنس الشعبذة، وربما أوهموا أنهم يحيون الميت وأنهم يبدلون الخلق، وأنهم يخرجون بعض الحيوان في صور البعض وأنهم يركبون الجمادات إنساناً، وروي أن سحرة فرعون كانوا خرزوا جلوداً على هيئات الحيات وحشوها بالزئبق وطرحوها في الشمس فجعلت تلتوي فخيل إلى العامة أنها صارت حياتن فمن فعل ذلك أو شيئاً منه مظهراًأن له حقيقة فهو الساحر المرتد الذي يحل دمه ويجب قتله على الإمام كما يجب قتل المرتد؛ لأن أكثر ذلك مما لا شبهة في أنَّه لا يقدر عليه إال الله عز وجل، ومن ادعى أنَّه يفعل شيئاً من ذلك أعني إحياء الميت وتبديل الخلق وإخراج الإنسان في بعضالحيوان فقد ادعى الربوبية وكفر بالله العظيم وصار مرتداً يلزم قتله، فأما من أوهم فعل تلك الأشياء وأقر مع فعله أنَّه تمويه وحيلة وخفة اليد فهو مشعبذ وليس بساحر ولا يحل قتله، وللإمام أن يؤدبه إن رأى ذلك، وقد رأيت مستعبداً دقيق الشعبذة فكان كل ما فعل فعلاً من ذلك قال هو مليح ولكنه ربح، فكان يقرأه حيلة وخفة يد وأنه لا حقيقة له، فمن كان كذلك لم يكن ساحراً ولم يحل قتله، وأما الديوث فهو الذي يمكن الرجال من حرمته فيجب قتله لما روى محمد بن مسطور بإسناده عن عبد الله بن حسن، عن أبيه حسن بن الحسن، عن علي بن أب طالب عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <اقتلوا الديوث حيث وجدتموه>.
مسألة(109/6)


والقول فيمن استحل الخمر أو لحم الخنزير أو غيرهما مما يجري مجراهما أو سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالقول في المرتد، أما من استحل الخمر أو لحم الخنزير فإنه مرتد يلزم قتله لا خلاف فيه بين المسلمين وذلك أن تحريم هذين يعلم من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة أو حلل ما عرف تحريمه من دينه ضرورة يكون مكذباً والمكذب له كافر بإجماع المسلمين، فكذلك قلنا: إذا قال: ذلك بعد الإسلام فهو مرتد يجب قتله، والمراد بقولنا: أو ما يجري مجراهما كل شيء عرف تحليله أو تحريمه ضرورة من دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمنكر له مرتد، وأما من سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجب قتله ويكون مرتداً إذا سبه بعد الإسلام لما روي عنه من سبني فاقتلوه، وروي أن رجلاً كانت له أم تشتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقتلها فأهدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم دمها، فدل ذلك على أن شتمه يوجب الردة، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: من شتم نبيئاً قتلناه. وروي أن رجلاً اعترض أبا كر فقال له أبو بردة: دعني أضرب عنقه يا خليفة رسول الله فقال: ما كان ذلك لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرو خلاف ذلك عن أحد من الصحابة، فصار ذلك إجماعاً وتثبت ردة من سبه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ويستحب أن يستتاب كل واحد منهم ثلاثة أيام فإن أبى التوبة قتل بعد الثلاثة، وعند أبي حنيفة والشافعي أيضاً يستتاب وحكي عن الإمامية أنَّه إن كان مسلمٌ بن مسلم لم يستتب وإن كان أسلم هو بنفسه استيب، وعن قوم من أصحاب الحديث إن ردته إن ثبتت بالشهادة لم يستتب وإن ثبتت بإقراره استتيب، وقال قوم في الباطنية إنهم لا يستتابون؛ لأنهم أبداً على إظهار الإسلام، والدليل على وجوب الإستتابة قول الله تعالى: {قُلْ لِلَّذِيْنَ كَفَرُوا إِنَّ يَنْتَهُوا يَغْفِرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} فأمر عز وجل نبيئه أن يقول لهم(109/7)


ذلك، وهذا معنى الاستتابة ولم يخص كافراً من كافر، فكان عاماً في جميع الكفار ووجهه استتابته ثلاثة أيام، والمراد بالاستحباب هو تكرارالاستتابة ثلاثة أيام أن الله جعل ذلك في القريب بقوله في قصة صالح: {وَلا تَمُسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذكُمْ عَذَابٌ قَرِيْبٌ} ثُمَّ قال عز وجل: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِيْ دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ} وذلك أيضاً بمعنى الاستتابة، وقال موسى صلى الله عليه لصاحبه في الثالثة قد بلغت من لدني عذراً، فدل ذلك على أن العذر في الثالث، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عهليم السلام أنَّه كان يستتيب المرتد ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتله وقسم ماله بين ذريته من المسلمين، فعم ولم يخص وروي عن عمر وابن عباس أنَّه يستتاب ثلاثة أيام ويحبس، وروي عن عمر أنَّه قال في مرتد: هلا حبستموه في بيت ثلاثاً فأطعمتموه كل يوم رغيفاً لعله يرجع أو يتوب، اللهم إني لم أشهد ولم أرض، وأما الباطنية فالأقب عندي أنهم يستتابون؛ لأنَّه أحوالهم مثل أحوال المنافقين الذي كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، وكانت كلمة الكفر تبدر منهم في الوقت بعد الوقت كما يبدر من الباطنية، فكانوا إذا أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبرأوا من ذلك وتستروا بالإسلام فأجرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرهم على الظاهر ولم يأمر بقتلهم فالأقرب عندي أن يجري أمر الباطنية على هذا والله أعلم، فإن اتفق منهم من يظهر مافي نفسه ويصر عليه فإنه يقتل كما يقتل المرتد.
مسألة(109/8)


قال: والمحارب الذي يحمل السلاح ويخيف المسلمين ويعزم على قطع الطريق ينفى من الأرض ومعنى النفي الطرد من بلد إلى بلد وإن أخذ من قبل أن يحدث حدثاً عزر على ما يراه الإمام وإن أخذه.... أخذ المال قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى وإن ظفر به وقد قتل قتل ثُمَّ صلب حياً، والأصل في ذلك قول الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِيْنَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ..} الآية، واختلف الناس في هذه الآية فمنهم من قال: إنها نزلت في المشركين ومنهم من قال إنها نزلت في أهل الإسلام، وبه قال يحيى عليه السلام وأبو حنيفة والشافعي، قال يحيى بن الحسين: إنها نزلت في شأن قوم من نحيلة، وذكر أنهم كانوا آخر العرب إسلاماً ولم يقل إنها نزلت فيهم، قال: وإنما نزلت فيمن فعل مثل فعهلم؛ لأنَّه ذكر أنها نزلت بعد ما كان منهم ما كان من قتل الرعاء واستياق الإبل وبعدما عاقبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن قطع أيديهم وأرجلهم وسلم أعينهم وطرحهم في الشمس فماتوا فكان هذه الآية نزلت في من فعل مثل أفعالهم ناسخة لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله بهم والمسلم والذمي في ذلك على سواء كما أنهم يتساوون في سائر الحدود.
فإن قيل: اسم للجارية لله وروسوله لا تتناول الذمة.(109/9)

144 / 149
ع
En
A+
A-