قال: ولا يجوز اللعب بالشطرنج ولا النرد ولا شيء من الميسر ومن فعل شيئاً من ذلك لزم من تأديبه ما يراه الإمام، أما الميسر فلقول الله عز وجل: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ..} الآية، وأما النرد فللأخبار الواردة في النهي عنه وفي تحريمه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروي أنَّه ميسر العجم، ولا أعرف خلافاً في تحريمهما، وأما الشطرنج فلما روي عن أمير المؤمنين من النهي ومعاقبة من فعله وتحريق رقعته، ذكر يحيى بن الحسين عليه السلام عن علي عليه السلام أنَّه جاز بقوم يلعبون بالشطرنج فلم يسلم عليهم ثُمَّ أمر رجلاً من فرسانه فنزل فكسرها وحرق رقعتها وعقل من كل واحد ممن لعب بها رجلاً وأقامه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لا نعود، فقال: إن عدتم عدنا.
مسألة
قال: ويجوز كسر الطنبور والشطرنج وتحريق رقعته وما أشبه ذلك، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي، والأصل فيه أن كل شيء موضوعه المعصية يجوز كسره وإن أمكن الإنتفاع به في غير المعصية، وذلك كالطنبور والعود والمزمار والدف وما أشبه ذلك، والحجة فيه ما حكى الله عن إبراهيم عليه السلام في قوله: {وَتَاللهِ لأَكِيْدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تَوَلَّوا فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً} أي كسرها فصار ذلك أصلاً الكسر لكل ما موضوعه المعصية، ألا ترى أن الأصنام يجوز أن يقعد عليها ويجعل عليها الثياب وما يخشى عفنه إن وضع على الأرض لكنها لما كانت موضوعة لمعصية استجاز إبراهيم كسرها، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <بعثت بكسر المعزاف والمزمار>، وروي أن علياً عليه السلام حرق رقعة الشطرنج وكسر الشطرنج.
إلى نهاية صفحة (165). بعد هذا كتاب الديات.(108/3)
باب القول فيمن يقتل حداً
من ارتد عن دين الإسلام لزمه القتل رجلاً كان أو امرأة بعد أن يستتاب، فإن تاب خلي سبيله، وإن أصر على الردة ضربت عنقه، أما الرجل إذا ارتد عن الإسلام فلا خلاف بين المسلمين في لزوم القتل له، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يحل دم امرء مسلم إلاَّ في ثلاث: كفر بعد إيمان أو زناً بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس> فأما المرءة إذا ارتدت فقد اختلف فيها، قال الشافعي مثل قولنا أنها تقتل، وقال أبو حنيفة ومحمد: لا تقتل، واختلفت الرواية عن أبي يوسف، وقال القاسم عليه السلام: لا تقتل والدليل على أنها تقتل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <من بدل دينه فاقتلوه ومن ..> للذكر والأنثى فعمومه يوجب ما قلناه، وكذلك قوله: <لا يحل دم امرء مسلم إلاَّ في إحدى ثلاث: كفر بعد إيمان..> وذلك عام في الرجال والنساء، وكذلك قوله أو زناً بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس يشترك فيه الرجال والنساء، وكذلك قوله أو كفر بعد أيمان يبين أن من الرجال والنساء قوله عز وجل: {مَنْ يَأْتِ مِنْكُنُّ بِفَاحِشَةٍ} {وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ}.
فإن قيل: فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <من بدل دينه فاقتلوه> ولا عموم له؛ لأنالقتل لا يجب بالتبديل، ألا ترى أنَّه لو عاد إلى الإسلام لم يقتل،وأنه يجب القتل للمقام على الكفر والإصرار به.(109/1)
قيل له: هذا غلط يبين ذلك أن القتل يلزمه لكن التوبة تسقطه كما تسقط ما يلزم المحارب إذا تاب من قبل أن تقدر عليه، وإن كان قد استحقه بالمحاربة المخصوصة، ألا ترى أنَّه لو ارتد عن الإسلام ثُمَّ أقام على الردة وأصر عليها وانفلت من يد الإمام ثُمَّ جاء مسلماً تائباً لم يجب قتله، فلو دل ما قلتم على أنَّه لم يستحق القتل بنفس الردة لوجب أن يدل على أنَّه لم يستحقه بالمقام على الكفر أيضاً فبان أن الصَّحيح ما قلناه من أنَّه يستحق القتل على نفس الردة التي هي التبديل، وإن كانت التوبة تسقطه كما أن توبة المحارب تسقط ما استحقه من القتل والصلب وقطع اليد والرجل من خلاف، فإذا ثبت ذلك صح التعلق بعموم الخبر، وثبت ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه نهى عن قتل النساء والولدان وذلك عام في جميعهن.(109/2)
قيل له: ذلك وارد في نساء أهل الحرب لم تختلف الرواة فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في بعض المعازي فوجدت امرأة مقتولة فنهاهم عن قتل النساء والصبيان، وعن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى الذي قتلوا ابن أبي الحقيق حين خرجوا إليه عن قتل النساء والولدان، وعن ابن بريدة، عن أبيه، قال: كان إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية، قال لهم: <لا تقتلوا وليداً ولا امرأة>، وعن ابن أبي سعيد الخدري، قال: نهى رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل النساء والولدان، وقال: هما ملن غلب، وعن حنظلة الكاتب، قال: كمنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمر بامرأة لها خلق وقد اجتمعوا عليها، فلما جاء أفرجوا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ما كانت هذه تقاتل ثُمَّ ابتع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ألا تقتلوا امرأة ولا عسيفاً فوضح بما بيناه أن ذلك وارد في نساء أهل الحرب، وذلك مما لا يخالف فيه أحد، ولا يجوز أن يعترض به على عموم قوله: <من بدل دينه فاقتلوه>.
فإن قيل: نحن لا نرى قصر الحديث على السبب الوارد فيه إذا كان له عموم، قيل له: لا ننكر ذلك لكن لا يعارض العموم به الوارد لا على السبب بل يكون العموم الوالد على الإطلاق أولى في غير السبب، ألا ترى أنا جميعاً يتنجس الماء الذي وقعت فيه النجاسة لعموم قوله عز وجل، ولا يعترض عليه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <الماء طهورٌ لا ينجسه شيء لوروده على سبب خاص.
فإن قيل: فابن عباس هو الذي روى <من بدل دينه فاقتلوه> وهو لا يرى قتل المرتدة.(109/3)
قيل له: يجوز أن يكون خصه بضرب من الإجتهاد ولا يلزمنا أننقلده في اجتهاده، وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الشيخ الفاني وهذا لا يدل علىأنه إذا ارتد لم يتقل، وكذا نهى عن قتل العسفا، فعلى هذا يجب أن يجري نهيه عن قتل النساء وأيضاً قد ثبت أن الرجل لزمه القتل بخروجه من الإسلام إلى الكفر وأيضاً قتل المرتد حد من الحدود بدلالة أنَّه عقاب خصوص على فعل مخصوص لا يستوفيه إلاَّ الإمام فيجب أن يستوي فيه الرجال والنساء دليله الرجم ويؤكد ذلك أن الشرع لم يفصل في شيء من العقوبات في دار الإسلام وبين الرجال والنساء.
فإنق قيل: الرجل إنَّما حقن دمه بالإسلام، فإذا ارتفع الإسلام عنه عاد دية مباحاً بارتفاع الإسلام كما كان في الأصل، ولسي كذلك المرأة؛ لأن حقن دمها لم يكن بالإسلام فلا يجب أن يصير دمها مباحاً بارتفاع الإسلام عنها.
قيل له: هذا غلط، وذلك أن في الرجال من لم تكن دماؤهم محقونة بالإسلام كالرهبان والشيخ الفاني والعسفا ومن أسلم من هؤلاء، ثُمَّ ارتد لزم قتله على أن المرتد والمرتدة لا تكون دماؤهم مباحة، ألا ترى أنَّه لا يريقها إلاَّ الإمام فقتلهم إذاً يجر يمجرى الرجم.
فإن قيل: الشيخ الفاني إما أن يكون ذا رأي مثل دريد بن ال..... أو يكون زائل العقل، فإن كان ذا رأي تقل، وإن كان زائل العقل لم يقتل في الردة.
قيل له: هاهنا ثالث وهو أن يكون ممن لا رأي له ينتفع به في الحرب والقتال ويكون له من العقل ما يثبت معه التكليف ولا خلاف بين المسلمين أن الشيخ الفاني إذا كان بهذه الصفة لا يقتل في دار الحرب ويقتل في الردة.
فإن قيل: الراهب إذا أسلم زالت رهبانيته فبطل تعلقكم به.
قيل له: لا يمتنع أن يسلم ثُمَّ يرتد ويعودإلى رهبانيته، فلا تمنعه رهبانيته عن قتله في الردة ,غن منعت عن قتله في دار الحرب.
مسألة(109/4)