قال: ولو أن مسلماً سرق من ذمي خمراً في بلد يجوز للذمي أن يسكن فيه لزمه القطع، إن سرق ذلك منه في بلد لا يجوز للذمي أن يسكن فيه يلزمه القطع، قال أبو حنيفة: لا قطع فيها وأظنه تحول الشافعي ووجه ما ذهبنا إليه عموم قوله عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وأيضاً هو مال لهم ونحن قبلنا عهدهم على أن لا يمنعوا من أموالهم، فالسارق لها سارق مال يلزمه القطع.
فإن قيل: هي وإن كانت مالاً لهم فليست مالاً لنا.
قيل له: إنَّما نعتبر أن يكون المال مالاً للمسروق منه دون السارق فلا معنى لهذا الإعتبار، فأما إذا سرق في بلد لا يجوز لهم أن يسكنوه فلا قطع؛ لأنَّه متعدٍ بإدخال الخمر إليه وللمسلم أن يتناولها أو يريقها، فصار بمنزلة من سرقها من مسلم في أنَّه لا قطع عليه فيها؛ لأن له فيها حق الأخذ للإراقة، قال: والمواضع التي لا يجوز لأهل الذمة يسكنونها ويبنوا فيها البيع والكنائس هي المواضع التي اختطها المسلمون وابتدعوها، والأصل في هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أمر بإخراج المشركين من جزيرة العرب ومنعهم من دخول الحرم صار ذلك أصلاً في منعهم من كل بلد تختص بالمسلمين والإختصاص على وجهين قد يكون بأن يخصصهم الشرع كالحرم وجزيرة العرب، وقد تكون الخطة للمسلمين دون من سواهم فأي بلد اختص بالمسلمين بواحد من الوجهين يمنع أهل الذمة أن يسكنوه ويبنوا فيه البيع والكنائس.
مسألة
قال: وفي الطيور إذا سرقت من حرزها القطع سواء كانت مقصوصة أو طيارة، قال أبو حنيفة: لا قطع فيها لنا قوله عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وأن الطيور من جملة الأموال التي تتمول وتباع وتشترى تدخر فأشبهت سائر الأموال من الأنعام والأغنام وغيرها.
فإن قيل: روي عن علي عليه السلام وعثمان لا قطع في طير ولا صيد.(106/26)


قيل له: لم يثبت الخبر ولو ثبت كان معناه قبل أن يملك، كأن تكون طيراً أو صيداً يأوي إلى دار إنسان فيدخل السارق فيأخذها منها.(106/27)


مسألة قال وحكم من قطع الطريق في المصر
حكم السارق ولا يكون حكمه حكم المحارب، وهذا مما لا أعرف فيه خلافاً؛ لأن حكم المحاربين إنَّما هو في الذين يقطعون الطريق بحيث لا يمكن الإستغاثة بالمسلمين، فأما المكابرون في المصر فإنهم يجري عليهم أحكام السراق إن سرقوا أو أحكام المختلسين إن اختلسوا أو المنتهبين إذا انتهبوا.
مسألة
قال: ولا قطع على الأب فيما سرق من مال ابنه ولا على الابن فيما سرق من مال أبيه، أما الأب إذا سرق ابنه فلا أعرف خلافاً في أنَّه لا قطع عليه ووجهه حصول الشبهة فيما تناول، لقوله <أنت ومالك لأبيك> فأضاف المال إلى أبيه فصار ذلك أقل ما فيه شبهة تدرأ بها فيه القطع، وأما الابن فقد قال أبو حنيفة: إنَّه لا يقطع إذا سرق مال أبيه، وكذا قوله في كل ذي رحم محرم، وذلك لا معنى له عندنا؛ لأنَّه سارق ولا شبهة فيما سرق، ألا ترى أن الأب لو زنى بجارية ابنه سقط عنه الحد للشبهة، لو زنا الابن بجارية أبيه لم يسقطالحد عنه، فكذلك القطع.
فإن قيل: فقد قالالله تعالى: {وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بِيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ} فصار ذلك شبهة توجب درء القطع، فكذلك ما ذكرتموه.
قيل له: فقد قال الله في آخر الآية: {أَوْ صَدِيْقِكُمْ} وهم لا يجعلونه شبهة ولا يقولون به.(107/1)


باب القول في التعزيز
لا يبلغ بالتعزير حد صاحبه حراً كان أو عبداً بل يكون دوه بسوط أو سوطين على ما يراه الإمام تحصيل المذهب عندي والله أعلم أن تنظر إلى الجناية، والجاني فإن كانت الجناية من جنس الوطء وكان الجاني حراً ضرب أكثر ما يضرب دون المائة بسوط أو سوطين، وإن كان عبداً فأكثره دون الخميسن بسوط أو سوطين وإن كانت الجناية من جنس الشتم للمسلمين والتعريض لهم باللفظ القبيح فأكثره دون الثمانين إن كان حراً ودون الأربعين إن كان عبداً وإن كان من جنس الشرقة فقياس قوله أن يكون دون المائة إن كان ح حراً؛ لأن القطع أعظم من جلد مائة والله أعلم، واختلف العلماء في التعزير، فروي عن مالك وأبي يوسف أنَّه على ما يراه الإمام بالغاً ما بلغ، وروي أيضاً عن أبي يوسف وهو الأشهر خمس وسبعون وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة ومحمد دون الأربعين وأظنه قول الشافعي، والأصل فيه ما روي أن علياً عليه السلام جلد رجلاً وجد مع امرأة ولم تقم الشهادة بالزناء دون المائة بسوط أو سوطين، وروي أنَّه أفتى بذلك أيضاً وروى نحوه عن عمر ولم يحفظ عن غيرهما خلاف ذلك، فجرى مجرى الإجماع على أن قول أمير المؤمنين عندنا حجة، كذلك فعله.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله>.
قيل له: إن صح هذا الخبر فيجب أن يكون منسوخاً فجماع المسلمين على خلافه على أن خبر الواحد يجب قبوله إذا لم يدفعه أقوى منه فإذا دفعه الإجماع لم يجب قبوله.
فإن قيل: روي عن النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ضرب حداً في غير حدٍ فهو من المعتدين.(108/1)


قيل له: يحتمل أن يكون أراد به من ضرب حداً كاملاً للجنس الذي هو يضرب من غير حد وهو مما نأباه ولا نقول به على أن الحد لا يكون حداً لا أن يقصد إليه، فظاهر الخبر أنَّه لا يجوز أن يقصد الحد في غير حد، وهذا مما نقول به ونذهب إليه؛ لأن الواجب أن يقصد التعزير ويقصر على حد مثله، قال: وللإمام أن يحبس من وجب عليه التعزير بعد إقامته إن رآه وذلك لما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حبس قوماً بالتهمة، وروي أن علياً عليه السلام كان يقيد الدعار بقيود لها أقفال ويوكل بها من يحلها في أوقات الصلوات من جانب، وروي عنه أن السارق يحبس في الثالث، والروايات في هذا الباب كثيرة فثبتت أن الحبس من جملة التعزير.
مسألة
قال: وإذا وجد رجل مع امرأته في لحاف واحد لزمهما التعزير وغاية تعزيرهما دون المائة بسوط أو سوطين إن كانا حرين وإن كانا مملوكين دون الخمسين، وذلك لما روى محمد بن منصور بإسناده عن جعفر، عن أبيه أن علياً عليه السلام قال: إذا وجد الرجل مع امرأة في لحاف واحد جلد كل واحد منهما مائة جلدة غير سوط، وإنما فعل ذلك؛ لأن الزنا لم يثبت عليهما مع تعرضهما له، وقلنا إن كانا مملوكين فدون الخمسين؛ لأن الزنا لو ثبت عليهما لكان حدهما خمسين، فإذا لم يثبت فيجب أن يكون تعزيرهما دون حدهما كالحر، قال: وكذلك في الرجلين إذا أتى أحدهما صاحبه فيما دون الدبر ووجهه ما قدمنا ذكره فلا وجه لإعادته، قال: وإذا وقعت المرأة على المرأة لزمهما التعزير، وذلك لتعرضهما للفاحشة ولم نوجب عليهما الحد؛ لأنَّه لا يصح منهما الإيلاج، قال: وأي سارق أو قاذف درئ عنه الحد للشبهة وجب تأديبه؛ لأنَّه تعرض لما يوجب الحد فلا أقل من التعزير كما مضى القول فيه.
مسألة(108/2)

142 / 149
ع
En
A+
A-