قال: ولو أن قصراً كان فيه حجرٌ متفرقة لأقوام متفرقين فسرق سارق من بعض الحجر متاعاً وأخرجه إلى وسط القصر لزمه القطع، وذلك أن كل حجرة حرزاً لواحد على حالها، فإذا سرق منها وأخرج المسروق إلى القصر كان هاتكاً للحرز فلزمه القطع، قال: فإن كانت الحجر كلها مع القصر في يد إنسان واحد فسرق وسارق من بعض الحجر شيئاً وأخرجه إلى وسط القصر لم يلزمه القطع وإن أخرجه من القصر لزمه القطع، وذلك أن اغلحجر كلها مع القصر حرز واحدٌ فما لم يخرج من القصر فلا قطع عليه؛ لأنَّه لا يكون أخرجه من الحرز فإن أخرجه من القصر لزمه القطع؛ لأن يكون قد أخرجه من الحرز، قال: ولو أن سارقاً دخل بيتاً ليس عليه باب، فأخرج المتاع منه لزمه القطع؛ لأن البيت حرزٌ كان عليه الباب أو لم يكن، قال: ومراحات الإبل والغنم التي عليها حصائر يكون حرزاً وما سرق منها من الحيوان لزم فيه القطع، وهذا قد مضى كلامنا فيه.
قال: فأما المراتع والمسارح فلا تكون حرزاً؛ لأنها صحاري، وذلك مما لا خلاف فيه.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً كان له على آخر دراهم فسرق منه مقدار ماله عليه أو دونه لزمه القطع إذا كان المسروق مقداراً يلزم فيه القطع، وذلك أنَّه سارق فلزمه القطع لقول الله عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} فكون حقه عليه لا يخرجه من كونه سارقاً.
فإن قيل: ألستم قلتم أن العبد لو سرق من شريك سيده مقدار ما لسيده فيه فلا قطع عليه فكيف أوجبتم القطع على هذا الذي سرق من غريمه.
قيل له: لأنَّه ذلك العين كان فيها حق لسيده ونصيب، وهذا السارق لا حق له في العين المسروقة، وحقه ثابت في ذمة غيريمه، فلم يشبهها ووجب الطقع على هذا السار؛ لأنَّه سرق مال غيره على وجه الظلم وأخرجه من الحرز.
مسألة(106/21)
قال: وإذا سرق مملوكاً صغيراً من حرزه وجب عليه القطع ومن سرق مملوكاً كبيراً فأخرجه من الحرز طوعاً فلا قطع عليه وإن أخرجه كرهاً فعليه القطع والصغير هو الذي لا يعمل ولا ينبئ عن نفسه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي؛ لأنَّه بمنزلة البهيمة، قال أبو يوسف: لا يقطع إذا كان الصغير كذلك فأما إذا كان كبيراً ومعناه أن يكون بحيث يعقل وينبئ عن نفسه سواء كان بالغاً أو غير بالغ، فلا قطع فيه عند أبي حنيفة والشافعي، والدليل على لزوم القطع في قول الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} وسارق الكبير أيضاً سارق فلزمه القطع.
فإن قيل: هو مباهت ولسي بسارق.
قيل له: كونه مباهتاً لا يخرجه أن يكون سرقه من صاحبه، ألا ترى أن البهيمة لو امتنعت عليه وأكرهها على الخروج من الحرز كان سارقاً، فكذلك إذا أكره العبد وأيضاً هو مالٌ أخرجه من الحرز على وجه الإستخفاء من صاحبه، فوجب أن يلزمه القطع دليله البهيمة والمملوك الصغير الذي لا ينبئ عن نفسه، فأما أن خرج طوعاً فلا خلاف في أنَّه لا قطع عليه؛ لأنَّه خرج باختياره وليس السارق مخرجاً له.
قال: ويجب أن يلبث بشهادة شاهدين أو إقرار السارق مرتين، فإن رجع عن الإقرار قبل رجوعه، وذلك أن معنى السرق في هذه المسألة هو الإكراه على الخروج، فلا يثبت ذلك إلاَّ بما تثبت به السرقة من شهادة شاهدين أو إقرار السارق مرتين على ما سلف القول فيه، ويقبل رجوعه بعد الإقرار على ما مضى القول فيه، وذلك لدرء القطع دون ضمان العبد إن كان أقر بإخراجه، وإن لم يقر بالإكراه؛ لأنَّه يكون غاصباً فعليه ضمانه.
مسألة(106/22)
قال: ولا قطع على من سرق الحر، وقال في المنتخب: عليه القطع، قال مالك مثل رواية المنتخب، والصحيح ما في الأحكام، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا قطع فيما دون عشرة دراهم>، وقوله عليه السلام فيما رواه عنه ابن مسعود: لا تقطع اليد إلاَّ في دينار أو عشرة دراهم، وعن علي عليه السلام: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، والأخبار في هذا المعنى كثيرة، فإذا ثبت ذلك وثبت أن الحن لا يصح تقويمه، ثبت أنَّه لا قطع على سارقه، وإذا ثبت أن المال لا قطع فيه حتى تكون له صفة زائدة على كونه مالاً فما ليس بمالٍ أولى أن لا يقطع فيه، فأما وجه ما في المنتخب فهو التعلق بظاهر الآية ولا يمتنع أن يقال فيه أن الدية تجري مجرى القيمة.
مسألة(106/23)
قال: ولو أن رجلاً سرق فاكه من أشجارها أو ثمر زروق قبل حدادها لم يلزمه القطع، وإن سرقها من حرزها، وكذلك إن قطع غصناً من شجرة فلا قطع عليه فيه، وذلك كله يقول به أبو حنيفة، قال الشافعي في جميعة القطع: إذا كان في حرز ووجهه ما ذهبنا إيه ما رواه رافع بن خديج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا قطع في ثمرٍ ولا كثر والكثر الجمار، وقيل النخل، وما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن الثمر المعلق، قال: لا قطع فيه إلاَّ ما أواه الجرين وبلغ ثمن المخن ففيه القطع فصار ذلك أصلاً في كل ما كان من الثمر معلقاً على شجرة أو قائماً على منبته ومن رعيه أنَّه لا قطع في سواء كان في حرز أو غير حرز؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير نفي القطع عنه، قال: فإن سرق من فواكه قد قطعت ووضعت في الحرز ففيها القطع وال فصل بين أن تكون الفواكه رطبة أو يابسة، وكذلك إذا كان زرعاً سرق منه بعد ما حصد أ جذعاً أو حطباً بعد ما قطع، ووضع في الحرز لزم فيه القطع، ويجب القطع في اللحم إذا سرق وفي كلما يجوز للمسلمين تملكه إذا سرق القطع إلاَّ ما بيناه من الثمار وما كان في حكمهما من الجمار ووغيره من البصل والجزر والقثاء والبطيخ وما أشبه ذلك ما دام في مزرعة، ذهب اشافعي إلى غيجاب القطع في كل ما قلنا إنَّه يقطع فيه، فأما أبو حنيفة فإنه منع القطع في الفواكه الرطبة واللحم وكل ما يسرع إليه الفساد لم يكن معداً للتبعية وفي الخشب إلاَّ الساج، وروي عنه أيضاً أنَّه قال: لا قطع في النورة والزرنيخ وما أشبهها، والدليل على وجوب القطع في كل ما ذكرناه قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} فلم يخص جنساً من جنس، فاقتضى عموم الآية قطع جميع ما قلنا أن فيه القطع، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا تقطع يد إلاَّ فيما بلغ ثمن المخن، وروي إلاَّ في ثمن المخن، فاعتبر صلى الله(106/24)
عليه وآله وسلم المقدار ولم يعتبر الأجناس، وقال: فإذا أواه الجرين وبلغ ثمن المخن فيه القطع فاعتبر المقدار والحرز، وأن لا يكون مأخوذاً عن شجرة ولم يعتبر كونه رطباً أو يابساً ولم يعتبر الجنس فكل ذلك يدل على صحة ما قلناه من إيجاب القطع في ذلك أجمع.
فإن قيل: روي عن عائشة أنها قالت: لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشيء التافه اليسير.
قيل له: كذلك تقول ويعتبر أن تكون قيمته عشرة دراهم وما بلغت قيمته عشرة دراهم، فليس بتافه على أن الفواكه الرطبة وسائر ما اختلفنا فيه مما يتمول ويتنافس عليه ويرغب فيه فلا وجه لقول من قال: إنها من الأشياء التافهة وأيضاً لا يختلف في أن القطع يجب في الفواكه اليابسة وفي خشب الساج إذا بلغت قيمته عشرة دراهم، فكذلك سائر ما اختلفنا فيه؛ والعلة أنَّه مما يصح للمسلمين تملكه وبلغت قيمتهعشرة دراهم، وأيضاً لا خلاف بيننا وبينهم في أنالفواكه الرطبة إذا بلغت قيمتها عشرة دراهم يجوز أن يجعل مهراً، فكذلك يجب القطع بها، والعلة أن كل واحد منهما استباحة عضو يتعلق بمال.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا قطع في طعام>.
قيل له: إن ثبت الخبر كان مخصوصاً بما ذكرناه وكان محمولاً على الثمار المعلقة على الأشجار وعلى اليسير منه وحكى أبو بكر عن أبي يوسف أنَّه يقطع في كل شيء إلاَّ التراب والسرقين والطين والذي على أصولنا أن يكون الطين الذي يعد مالاً كالطين الأرضي والطين المختومالذي يتداوى به، والخراساني منه يجب فيه القطع؛ لأن كل ذلك مما يتمول ويعد ديباج وزناً.
مسألة(106/25)