قيل له: دخول الحرز ليس بسبب عندنا للقطع؛ لأن سارقاً لوأدخل يده إلى الحرز فأخرج منه المال لزمه القطع، علىأنه لو كان سبباً كان بعض السبب والقطع لا يتعلق إلاَّ بمجموع السبب، ألا ترى أن رجلين لواشتركا في مال فكان لأحدهما نصاب وللآخر دون ذلك أوحال الحول على مال أحدهما ولم يحلعلى مال الآخر لم تلزمه الزكاة كما لزمت شريكه؛ لأنَّه يشاركه في بعض السبب، كذلك ما اختلفنا فيه وقلنا يؤدب الباقون؛ لأن جنايتهم عظمت فاستحقوا التعزير.
مسألة(106/16)


قال: ولو أن رجلين اجتمعا على سرق شيء، فدخل أحدهما ووقف الآخر عند الباب فتناول المسروق من يد من في الدار نظر في أمرهما، فإن كان الداخل خرج المتاع من الباب ثُمَّ تناوله الخارج كان القطع على الداخل دون الخاج، وإن كان الخارج أدخل يده إلى الداخل فأخرج المتاع من الداخل وأخرجه من الباب كان القطع على الخارج دون الداخل، وعلى من لا قطع عليه منهما الأدب، الأصل في هذا أن القطع يتعلق بهتك الحرز بمقدار معلوم من المال، ومعنا تناوله مال الغير على وجه الظلم إذا كان له قدر مخصوص وأخرجه من الحرز يبين ذلك أنَّه لو دخل الحرز وخرج من دون تناول المال لم يلزم القطع، وكذلك لو دخل وأخذ المال ثُمَّ تركه اضطراراً أو اختياراً بعد أن لا يكون مخرجاً له من الحرز لم يلزمه القطع، وكذلك لو أخذه من غير الحرز أو أخرج وأخذ من الحرز وحمله في الطريق غيره لم يلزم الحامل القطع فبان بهذه الأصول التي بيناها ما قلنا من أن القطع يجب بهتك الحرز على الوجه الذي بيناه، وإذا ثبت ذلك صح ماقلناه فيالرجلين إذا ثبت أحدهمابالباب ودخل الآخر، أن القطع منهما على من تولى إخراجذلك من الحرز داخلاً كان المخرج أو خارجاً وجه التأديب ما بيناه من من عظم جرمه وإن لم يستحق القطع، قال: ولو أن الداخل كور المتاع ثُمَّ حمله إلى الباب ثُمَّ تناول جانباً منه، وتناول الخارج الجانب الآخر فأخرجاه لزمهما جميعاً القطع، وذلك أن كل واحد منهما هاتك للحرز بإخراج ما أخرجناه على الوجه الذي بينا، فوجب أن يلزم كل واحد منهما القطع، قال: ولا فصل في وجوب القطع بين من يخرج لمتاع من الباب أو يرميه من فوق الجدار أو يخرجه من الثقب، وذلك لما بيناه منأن القطع يتعلق بإخراجه من الحرز، وكل من ذكرناه مخرج له من الحرز، فوجب أن يستوي الأمر في جميعهم في لزوم القطع.
مسألة(106/17)


قال: ولو أن سارقاً دخل الدار ومعه صبي أو مجنون وأخذ المتاع ودفعه إلى الصبي أو المجنون فأخذه وأخرجه من الحرز ثُمَّ تناول السارق منه المتاع خارج الدار وحمله فلا قطع على واحد منهما، وذلك أن المخرج للمتاع من الحرز هو المجنون أو الصبي وهما لا قطع عليهما؛ لأن القطع عقاب ولا خلاف أنَّه لا يلزم من لم يبلغ أو لم يعقل، والسارق لم يخرجه من الحرز، فلذلك قلنا إنَّه لا قطع على واحد منهما.
مسألة
قال: وإذا أخذ السارق وقد تناول المتاع ولم يخرجه من الحرز فلا قطع عليه وإن أخرجه ثُمَّ رده إلى الحرز فعليه القطع، قال أبو حنيفة: إذا رده لم يقطع والذي يدل على ما قلناه قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} وهذا سارق، فوجب أن يقطع وأيضاً قد ثبت فيمن شرب خمراً ثُمَّ قاءها أو غصب جارية ثُمَّ زنا بها ثُمَّ ردها على ما لكها أنَّه لا يسقط عنهما الحدن كانت العلة فيه أن كل ما فعل بعد ذلك لم يخرج الجناية من أن تكون وقعت كذلكمن سرق شيئاً ثُمَّ رده لم يسقط عنه القطع؛ لأن رده لم يخرج الجناية عن أن تكون قد وقعت، والأصلو كلها شاهدة لنا؛ لأن الجناية التي تقع ما يحصل بعدها لا يغير حكمها ما لم يكن ذلك توبة إلى الله عز وجل.
فإن قيل: فما تقولون فيمن قذف رجلاً فأقر المقذوف عليه أليس يسقط عنه الحد.
قيل له: لأن ذلك يكشف لنا عن أن يكون القذف لم يكن جناية، مثاله أن يقر المسروق منه أنَّه ملك للسارق أو يقر أنَّه كان إذن له في أخذه فسقط عنه القطع لأن ذلك يكشف لنا أن ما فعله لم يكن جناية.
فإن قيل: فالقطع لا يجب إلاَّ بخصومة المسروق منه، وإذا رده عليه لم يثبت له خصومة.(106/18)


قيل له: لسنا نسلم نسلم ذلك بل عندنا يجب القطع بحصول السرقة خوصم أو لم يخاصم؛ لأنَّه حق لله عز وجل كحد الزنا والشرب وليس هو كحد القذفن يدل على ذلك ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطع من اعترف عند بالسرقة بعد قوله: <ما أخالك سرقت> مرتين أو ثلاثاً ولم يرو أنَّه كان هناك مخاصم، وكذلك ما روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: إني سرقت جملاً لبني فلان فبعث إليهم، فقالوا: فقدنا جملاً لنا فقطعه وقولهم، فقدنا جملاً لنا ليس بدعوى ولا خصومة فثبت أن القطع يجب من غير خصومة مثل حد الخمر والزنا.
مسألة
قال: ولو أن صاحب السرقة والشهود عفوا عن السارق ولم يرفعوه إلى الإمام كان ذلك لهم ولم يكن للإمام أن يتبعهم وإن وهب صاحب السرقة من السارق ما سرقه بعد ما رفعه إلى الإمام لم يسقط القطع، أما عفوهم وسترهم عليه قبل رفعهم إلى الإمام فلا خلاف في أنَّه جائز ومندوب إليه، ويدل عليه ما روي في من سرق رداء صفوان فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما أراد قطعه، قال: وهبته له، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: هلا كان قبل أن يرفعه إليَّ،وهذا يدل على أن هبته له بعد ما رفع لا يسقط عنه القطع، وبه قال الشافعي: وروي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال لهزال، لو سترته بثوبك كان خيراً لك مما صنعت، وكان هزال أمر ما عزاً أن يعترف، وقوله من أتى شيئاً من هذه القاذورات فليستر بستر الله إلى آخر الحديث، قال أبو حنيفة: يسقط عنه القطع ووجهه ما قد بينا أن الجناية قد حصلت واليست هبته له مما يزيل الجناية كمن زنا بجارية ثُمَّ ملكها أو بامرأة ثُمَّ نكحها أن ذلك لا يسقط عنه الزنا، كذلك من سرق ثُمَّ وهبت منه السرقة وإن كان هذا لا يلزم أبا يوسف فإنه يذهب إلى أن يسقط حد الزنا عن الرجلين ويلزمه سائر ما قدمنا.
مسألة(106/19)


قال: والنباش إذا نبش القبر وأخرج من أكفان الميت ما يبلغ قيمته عشرة دراهم لزمه القطع، وبه قال أبو يوسف والشافعي: ليس بحرز وأنه يحتاج إلى ما يجوز به، قال: والكم لا يكون حرزاً، وهذا قد مضى الكلام فيه، قال: وكذلك الخيمة وما أشبهها لا يكون حرزاً تخريجاً.
كنا قلنا أن الخيمة ليس بحرز ثُمَّ رأينا الأقر على أصوله أن يكن حرزاً؛ لأنها تشبه بيت الشعر عموم قوله: الحرز بيت الرجل يوجب أن يكون بيت السعر عنده حرزاً والخيمة تشبهه.
فإن قيل: فقد قال الحرز ما يمنع الدخول والخروج والخيمة لا تمنع.
قيل له: لا يمكن الدخول في المنازل والقصور على أن أمر الخيمة فيه نظر، ولا نص فيه، وقد قلنا ما رأيناه، قال: والبيادر التي يكون عليها شرائح القصب تكون حرزاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا أواه الحرس ففيه القطع.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً سرق باب دار في درب لم يكن عليه القطع، وإن سرق باب حجرة في دار وجب عليه القطع، قلنا إنَّه إذا سرق باب دار في درب فلا قطع عليه؛ لأن الباب لم يكن في حرز؛ لأن الحرز ينتهي إلى الباب، والباب ليس في حرزه، وقلنا: إنَّه إن سرق باب حجرة في دار قطع؛ لأن الدار كلها حرز، وباب الحجرة فيها فصار سارقها سارقاً من الحرز، فلذلك أوجب فيه القطع.
مسألة(106/20)

140 / 149
ع
En
A+
A-