قيل له: هذا الحديث روي مفسراً وفيه ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفعل ذلك للسرقة فقط، وروي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: جيء بسارق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله إنَّما سرق، قال: فقاطعوه، قال: فقطع على هذا إلى أن أتي به في الخامسة، فقال: اقتلوه، قال جابر فانطلقنا به فقتلناه، وروي فخرجنا به إلى مربدالنعم فحملنا عليه النعم فأشار بيده ورجليه فتنافرت الإقبل عنا قال: فلقيناه بالحجارة حتى قتلناه، فدل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرف منه حالاً استحق بها ذلك، فإنه لم يكن للسرقة وأنه كان في حال لم يكن ورد النهي عن المثلة فقصد به صلى الله عليه وآله وسلم تغليظ العقوبة؛ لأنحمل النعم ليس في شيء من الحدود، وهذا كما روي عنالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة العرنين أنَّه قطع أيديهم وأرجلهم وسملهم وألقاهم في الشمس، وذلك ليس في شيء من الحدود، فلما نهى عن المثلة صار مثل ذلك أجمع منسوخاص وأيضاً لا خلاف بين المسلمين أنَّه لا يقطع في الثانية يده اليسرى بل يعدل عنها إلىالرجل اليسرى فلو كان إليه اليسرى تقطع بعد قطع اليمنى لكانت تقطع في الثانية ومجرد العلة في ذلك بأن يقال: لا خلاف أن اليد اليسرى لا تقطع في الثانية، فكذلك في الثالثة؛ والعلة أنَّه يؤدي إلى إبطال منافع اليدين لحد السرقة وايضاً لا خلاف أن الرجل اليمنى لا تقطع في الثالثة، فكذلك في الرابعة، والعلة أنَّه يبطل منافع الرجلين بحد السرقة، وكذل كأن الله تعالى لما غلظ حكم المحاربين لم يأمر إلاَّ بقطع يد ورجل منخلاف فلم تفته منافع يديه ولا منافع رجليه؛ لوأنما ذهبنا إليه أدفع لمعرفة المسلمين؛ لأنا إذا حبسناه الثالثة فقد كففنا عن المسلمين في الثالثة والرابعة، وأن لا نجعل حداً ما لا دليل عليه من النص والإتفاق أنَّه حدٌ وقطع اليد اليسرى واليد اليمنى لم يرد(106/11)


بكونه حداً نص ولا حصل عليه إجماع، فصار فعله محظوراً كقطع الأذن والأنف وغيرها من الأعضاء على سبيل الحد، وهذا عهد الله ظاهر على أن الشيء إذا ثبت أنَّه حد فيجوز أن يختلف في موضع ويختلف في موضع دون موضع بالإجتهاد، فأما ما لم يثبت فيه أنَّه حد بتة فكيف يثبت من طريق الإجتهاد بكونه حداً، وهذا خلاف دين المسلمين وقطع الرجل اليمنى من ذلك، وكذلك قطع اليد اليسرى إلاَّ أنَّه في الرجل اليمنى أظهر.
مسألة
قال: ولو أن جلاً قطعت أصابع يده فسرق قطع ما بقي من يده إلى الكوع، وذلك أنَّه يستحق بالسرقة إتلاف يمينه إلى المفصل، فتلف ما تلف منها لا يمنع من إفاتة الباقي المستحق ويشهد لذلك سائر الحقوق، الا ترى أن رجلاً لو قتل رجلاً فقطعت يدالقاتل قبل القصاص أو قبل الجناية لم يمنع ذلك من استيفاء القود في الباقي، وكذلك من باع عبدين في صفقة فتلف أحدهما قبل التسليم لم يمنع ذلك من تسليم الباقي، ولا فصل في هذا بين أن تكون أصابعه قطعت قبل السرقة أو بعدها للوجه الذي بيناه.
مسألة(106/12)


قال: ولو أن سارقاً قطعت يده اليسرى غلطاً لم تقطع يده اليمنى، وكلك إن قطعت رجله اليمنى غلطاً؛ وذلك لما بيناه من أنَّه لا يجوز أن تفوت منافع يديه جميعاً لحد السارقة، فلو قطعنا يمناه كنا فوتنا منافع يديه، لهذا قلنا إنَّه لا تقطع رجله اليسرى؛ لأنَّه يؤدي إلى تفويته منافع رجليه لحد السرقة، وذلك مما لا يجوز على ما مضى، وليس على السارق بعد ذلك شيء، هذا معنى قوله في الأحكام، ولا يلحق في ذلك شيء، ومعنى قوله فيه مضى الحد بما فيه أنَّه في حكم المضي وإلا فليس ذلك حداً؛ لان الحد لا يتعلق بقطع السيار من اليد، ومعنى قوله في الأحكام أن الله لم يذكر يميناً ولا يساراً هو لتجويز صحة ما يديعه القاطع من الغلط ليسقط عنه القصاص، وقله في المنتخب فمن قطع سارقاً أدخل عليه ظناً منه أن يجوز له ذلك أن عليه الدية يقتضي قياسه على أن من قطع يساره غلطاً الدية يتحمل عنه عائلته.
فإن قيل: فهلا قطعتم.... اليسرى.
قيل له: لأنَّه لم يستحق السرقة إلاَّ قطع يده اليمى، فلما عرض ما يمنع من قطعها لم يجز أن يقطع مالا يستحق قطعه.
مسألة(106/13)


قال:ولو أن جماعة اجتمعوا على سرق ما قيمته عشرة دراهم وإخراجه من الحرز قطعوا كلهم، قال أبو حنيفة وأصحابه: لا يقطعون حتى يخص كل واحد منهم المقدار الذي يجب فييه القطع، وبه قال الشافعي وحكي عن مالك مثل قولنا، والدليل على ما ذهبنا إليه أنَّه قد حصل السرق لمقدار يجب فيه القطع، فوجبأن يحصل القطع دليله لو كان السارق واحداً أو كان المسروق ما يخص كل واحد منهم المقدار الذي يتعلق به، وقد الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} فوجب قطعهم بظاهر الآية؛ لكونهم سارقين بمقدار يجب به القطع، فكل واحد منهم سرق ذلك المقدار؛ لأن الجميع إذا سرقوا عشرة فكل واحد سارق لجميعه، كما أن جماعة لو قتلوا واحداً كان كل واحد منم قاتلاً له، فكما يجب أن يقاد من جميعهم، كذلك يجب أن يقطع الجميع.
فإن قيل: إذا كان ذكلك لزم كل واحد منهم الجميع.
قيل له: يلزم ذلك على طريق التخيير؛ لأن صاحب الشيء مخير في تضمين من يشاء منهم إلاَّ أن لهم أن يوزعوا ذلك بينهم على أن ذلك لوكان ذكلك لم يمنع ما قلناه أن عشرة لو قتلوا خطأ لمتهم دية واحد، ولو قتلوا عمداً قتلوا جميعاً.
فإن قيل: أفلستم تقولون أن ثلاثة لو اشتركوا في أربعين شاة لم يلزمهم شيء، فكذلك يلزمهم السرق على ذلك.
قيل له: الفرق بين ذلك وبين السرقة أن كل واحد من الشركاء غير مالك للجميع وكل واحد من السراق سارق للجميع، فيجب أن يلزم كلواحد منهم القطع.
فإن قيل: فقد قال: لا قطع فيما دون عشرة دراهم.(106/14)


قيل له: كذلك يقول وهو صلى الله عليه وآله وسلم لميقل لا قطع حتى يكون ما يسرقه جماعة السراق بحيث يخص كل واحد منهم بعشرة دراهم، وإنما قال: لا قطع فيما دون عشرة ونحن لا نقطع حتى يكون المسروق عشرة دراهم، وهذا جوابنا لمن قال: روي لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشيء التافه؛ لأن القطع لم يحصل في الشيء التافه على ان القطع إنَّما يتعلق بهتك الحرز لمقدار مخصوص، فإذا حصلا وجب القطع، ولا يجب أن يعتبر عدد السراق؛ لأنالطقع لا يتعلق بهم ولأنهم لا حق لهم في المسروق.
مسألة
قال: ولو أن جماعة اجتمعوا في دار المسرق فكور المتاع أحدهم وحمله بعضهم وأخجه من الحرز بعضهم لكان القطع على الذي أخرجوه من الحرز، وأدب الباقون، وبه قال الشافعي: قال أبو حنيفة: يقطع الجميع، ويدل على ما ذهبنا إليه قول الله عز وجل: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وقوله عز وجل: {وَلا تَكْسِبُ كُلَّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا} وقال: {السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ولا سارق في جملتهم إلاَّ من أخرج المسروق من الحرز فوجب أن لا يلزمهم القطع لازماً غيره، وأيضاً الباقون لم يخرجوا المسروق من الحرز، فوجب أن لا يلزمهم القطع دليله لو لم يكونوا دخلوا الحرز يوضح ذلك أن جميعهم لو دخلوا الحز ولم يخرجوا شيئاً لم يلزمهم القطع، والعلة أنهم لن يهتكوا الحرز بإخراج المتاع يكشف ذلك أن جماعة لو اجتمعوا على قتل رجل فولي القتل بعضهم لم يلزم القود إلامن تولى القتل، وكذلك لو اجتمعوا على الزنا بامرأة فزنا بعضهم لم يستحق الحد إلاَّ من زنا، فكذلك في مسألتنا لا يستحق القطع إلاَّ من أخرج ن الحرز والعلة أنَّه هو المتولي للجناية الموجبة للحد.
فإن قيل: إنهم اشتركوا في السب وهو دخول الحرز فوجب أن يشتركوا في القطع.(106/15)

139 / 149
ع
En
A+
A-