قال: وإذا ثبت عند الإمام بإقراره على نفسه مرتين أو بشهادة شاهدين أما إذا ثبت بالشهادة فلا خلاف أنَّه أنَّه لا يثبت إلاَّ بشهادة شاهدين، وأما الإقرار فقد اختلف في، قال أبو حنيفة ومحمد يقطع إذا أقر مرة واحدة، وقال أبو يوسف مثل قولنا لا يقطع حتى يقر مرتين، وحكاه أبو الحسن عن ابن أبي ليلى، وحكي عن أبي يوسف الرجوع إلى قول أبي حنيفة، والأصل يه ما روي عن أبي أمية المخزومي أن رسول الله صلى الله عليه وآله ولم أتى بلص اعترف اعترافاً ولم يوجد معه المتاع فقالصلى الله عليه وآله وسلم: ما أخالك سرقت، قال: بلى يا رسول الله، فأعادها عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرتين أو ثلاثاً، فأمر به فقطع فثبت بهذا الحديث أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقطع بإقراره مرة واحدة حتى أتي بها ثانية، وروى أيضاً الطحاوي بإسناده عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن علي لعيه لاسلام أن رجلاً أقر عنده بسرقة مرتين، فقال: شهدت على نفسك شهادتين، فأمر به يقطع.
فإن قيل: فقد روي عن أبي هريرة أنَّه أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسارق، فقالوا: يا رسول الله، هذا سرق، فقال: ما أخاله سرق، فقالوا: بلى يا رسول الله، قال: اذهبوا به فاقطعواه فقطعه بإقراره مرة واحدة.(106/6)
قيل له: يحتمل أن يكون الراوي اختصر ولم يذكره بحد الإقرار والأقرب أنهما حديث واحد فيهما أنرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما أخاله سرق وأنه قال صلى الله عليه وآله له: تب إلى الله، فقال: أنا تائب إلى الله، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا لهبقبول التوبة وعلى هذا يتأول ما روي أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال يا رسول الله، إني سرقت جملاً لبني فلان فأرسل إلهيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: فقدنا جملاً لنا، فأمر به فقطعت يده على أن هذا الخبر مما يؤكد مذهبنا؛ لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقطعه بإقراره أول مرة، وليس يمكن للمخالف أن يقول: انتظر دعوى من يدعيه؛ لأنَّه أمر به فقطع من غير دعوى كانت؛ لئن القوم ما زادوا على أن قالوا: فقدنا جملنا، وذلك القدر ليس بدعى،ويدل على ذلك أنَّه قدثبت فيالإقرار بالزنا أنَّه لا يوجب الحد حتى ينكر رابع مرات، فيجب أن يكونالإقرار بالسرقة لا يوجب الحد حتى يتكرر مرتين، والعلة أن كل واحد منالحدين حقلله لا يتعلق به حق الآدميين، فوجب أن يكون عده اقرار به معتبراً بعده الشهادة عليه، وليس يلزم عليه الردة؛ لأنَّه يرتد بنفس الإقرار؛ لأنَّه لو قال: إنَّه كافر بالله لكفر بهذا القول، وليس كذلك في قوله: سرقت أو زنيت؛ لأنَّه بالقول لا يصير زانياً ولا سارقاً وإنما يبني هو عن فعل قد وقعهذا اقرار عليه وإن شئت زدت في العلة فقلت والإقرار ليس سبباً له، وإنما هو دلالة عليه، فأما الإقرار بشرب الخمر فلا أحفظ فيه نصاً عن أصحابنا لكن قياس قوله أنَّه لا يحد حتى يتكرر مرتين، وأما القذف فهو حق لله تعالى متعلق بالآدمي، فهو بالقصاص أشبه،وذكر أبو بكر الجصاص عن أبي الحسن الكرخي على غالب ظن أبي بكر أنَّه قال: وجد عن أبي يوسف في شرب الخمر أنَّه قال: لا يحد حتى يقر مرتين.
مسألة(106/7)
قال: وعلى الإمام أن يقطع يده اليمين من مفصل الكف من الساعد، أما وجوب قطع اليمين أول ما سرقت فلا خلاف بين الأمة، وروي أن عبد الله كان يقرأ {فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا} وأما موضع القطع فالظاهر الذي عليه المسلمون أنَّه المفصل، وحكي عن قوم من الخوارج أنَّه من الإبط، وعن بعض أهل البيت منهم أحمد بن عيسى أنَّه من أصول الأصابع، وكل ذلك فاسدٌ بما ظهر من تعامل المسلمين؛ لأن اليد إذا أطلقت فهم إلى الرسغ، وذكر محمد بن منصور، عن عباد بن يعقوب، عن عمرو بن ثابت، قال: رأيت أبا فلان رجلاً كان قطعه علي عليه لاسلام من رأس الكوع ولم يذكر عن أحد من الصحابة خلافه فثبت ذلك.
فإن قيل: فقد روي عن علي قطع الأصابع.
قيل له: ذلك من روايات الإمامية التي لا نثبتها ولا نعمل بها لما ثبت عنهم من التساهل في الحديث وانقل بالوهم وبحسب الإعتقاد على أن كل من قطعت أصابعه لا يقال إنَّه قطعت يده ولا أحفظ خلافاً أن الرجل تقطع من المفصل، فكذلك اليد؛ والعلة أنها عضو تقطع للسرقة فوجب أن يكون قطعه من المفصل ويريد بالمفصل المفصل الذي يلي مفصل الأصابع.
مسألة
قال: ويجب على الإمام أن يتثبت في إقراره، والشهادة عليه فإن جرى فيها ما يوجب درء القطع درأه وضمنه ما سرق، وذلك لقول: <ادرأوا الحدود بالشبهات> ولئن يخطي الإمام في العفو خير من أن يخطئ ي العقوبة، فأما تضمين المال فلا يجب فيه ذلك؛ لأن الضمان لا يسقط بالشبهة ولا يسقطه الرجوع بل يحكم فيه بما يحكم في سائر الأموال والحقوق.
مسألة
قال: ولو أنَّه أقر على نفسه إقراراً يوجب القطع ثُمَّ رجع عنه وأكذب نفسه سقط عنه القطع الوجه فيه ما مضى في رجوع المقر بالزنا، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن اعترف بالسرقة: ما أخالك سرقت، فلقنه بالرجوع، فدل ذلك علىأن الرجوع يسقط بالسرقة القطع؛ ولأنه حق من حقوق الله لا حق فيه لآدمي فوجب أن يقبل الرجوع فيه كحد الزنا.
مسألة(106/8)
قال: فإن عاد بعد ما قطعت يده فسرق ثانية وثبت ذلك عند الإمام قطع رجله اليسرى من مفصل القدم من الساق، فإن عاد بعد ذلك حبسه الإمام إلاَّ أن يظهر توبته ولم يقطع يده اليسرى ولا رجله اليمنى، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وهو قول أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال الشافعي يقطع في الثالثة يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى وحكى أنَّه قول أبي بكر، وقال الشافعي: إن عاد بعد الرابعةحبس وحكي عن أبي بكر مثل قولنا، فأما كون ما ذهبنا إليه أولى فهو قول علي عليه السلام، روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه كان يقطع يمين السارق، فإن عاد قطع رجله اليسرى فإن عاد يسرق واستوعه السجن، وقال: إني أستحي من الله أن أتركه ليس له شيء يأكل به، ولا يشرب ولا يستنجي إن أراد أن يستنجي، وروى أبو الحسن الكرخي بإسناده عن شعبة عن عمرو بن مرة، قال: سمعت عبد الله بن مسلمة يحدث أن علياً أتي بسارق فقطع يده ثُمَّ ساق الحديث، وروى أيضاً بإسناده عنعبد الرحمن بن عابد، قال: أتي عمر برجل أقطع يد ورجل فحبسه عمر ولم يقطعه، وروي عن مكحول أنعمر قال: لا تقطعوا يده بعد اليد والرجل، وروي أن عمر استشارهم في السارق فأجمعوا أنها تقطع يده اليمنى فإن عاد فرجله اليسرى ثُمَّ لا يقطع أكثر من ذلك، وروي نحوه عن ابن عباس فدل ما ذكرناه على أن الصحابة مجمعة على ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: عموم قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} يدل على خلاف ذلك؛ لأن الآية تقتضي قطع يده اليسرى.
قيل له: قد اشتهر أن ابن مسعود قرأ: {فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا} وأقل ما فيه أن يكونذلك يجري مجرى الرواية وإن لم تثبت قرآءته، روي عن ابن عباس والحسن في قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا} بلفظ الجمع ثبت أن المراد به من كل واحد اليدين.(106/9)
قيل له: لا يمتنع العرب من إضافة العضو الواحد إلى شخصين بلفظ الجمعكأنه عبارة بلفظ الجمع عن عضوين، وقد قال الله عز وجل: {إِنْ تَتَوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبَكُمَا} وإنما لكل واحد منهما قلب واحد.
فإن قيل: فكيف تدعون الإجماع من الصحابة وقد روي عن أبي بكر أنَّه قطع اليد والرجل في قصةالأسود الذي نزل بأبي بكر ثُمَّ سرق حلي أسماء رواه سفين عن عبد الرحمن بن القاسم.
قيل له: هذا الحديث معارض بما روي عنابن شهاب عن عروة أن رجلاً خدم أبا بكر فبعثه مع مصدق وأوصاه به فلبث قريباً من شهر ثُمَّ جاء وقد قطعه المصدق، فلما رآه أبو بكر قال: ما لك؟ قال: وجدني خنت فريضة فقطع يدي، فقال أبو بكر لأراه يجوز أكثر من ثلاثين فريضة والذي نفسي بيده لئن كنت صادقاً لأقيدنك منه ثُمَّ سرق حلي أسماء بنت عميس فقطعه أبو بكر فأخبرت عائشة أنَّه قطع بعد قطع المصدق ولايكون ذلك إلاقطع الرجل اليسرى.
فإن قيل:روي أن أبا بكر قطع يداً بعد يدٍ ورجل بعد رجل.
قيل له: لميثبت أنَّه قطع في السرقة، ويجوز أن يكون قطع قصاصاً، وفي الحديث أنَّه ضب عنقه والسرقة لا يستحق بها ضرب العنق.
فإن قيل: روي في سارق أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بطقع أربعة في أربع مرات.(106/10)