باب القول في حد السارق
أي بالغ عاقل سرق عشرة دراهم أو ما تكون قيمته عشرة دراهم وأخرجه من الحرز وجب عليه القطع، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، قال الشافعي: يقطع في ربع دينار ولا يقطع في أقل منه، وعن قوم في ثلاثة دراهم، وعن أحمد بن عيسى في ربع دينار، وحكى عن قوم القطع فيما قل وكثر، أما القول بإيجاب القطع في القليل والكثير فهو محكي عن الحسن البصري والخلاف فيه منقوض لا يعرف به قائلاً والذي نجح القائل به والشافعي ما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا قطع فيما دون عشرة دراهم> وقد كثرت الأخبار في ذكر قيمة المخن فمنها ما روي عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <لا تقطع يد السارق إلاَّ في ثمن المخن فما فوقه>، وعن عطاء، عن أيمن الحبشي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <أدنى ما يقطع فيه السارق ثمن مخن>، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: <لا تقطع يد السارق في دون ثمن مخن>، وكل ذلك يبين أنَّه لا بد فيه من المقدار وسقط قول من أوجب القطع في القليل والكثير، فأما ما يدل على أنَّه لا يقطع يما دون عشرة دراهم فحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحديث زفر، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحديث زيد، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، ويدل على ذلك أنهم اختلفوا في قيمة المخن، فمنهم من قال: قيمته ثلاثة دراهم، وهو قول ابن عمر، قال: قطع رسول الله صلى الله عليه وآله في مخن قيمته ثلاثة دراهم، وبه احتج من قال: يقطع في ثلاثة دراهم، وهذا لا دليل فيه؛ لأنَّه تقويم ابن عمر، وقد خولف فيه ولم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروي عن ابن عباس، قال: كان قيمة المخن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة دراهم،(106/1)


وروي عن عمر بن شعيب، عن أبيه، عن جده مثله، وعن أيمن الحبشي، قال: كان يقوم المخن يومئذ دينار، وروى محمد بن منصور بإسناده عن الحكم، عن أبي جعفر، قال: قيمة المخن الذي يقطع فيه دينار، وعن أم أيمن قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تقطع يد السارق إلاَّ في جحفة وقومت يؤمئذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وىله وسلم ديناراً أو عشرة دراهم، وذكر الجصاص أنَّه روى عن أنس وعروة والزهري أن قيمته خمسة دراهم، وعن عائشة أن يمة المخن ربعدينار، فلما ثبت أنهم اختلفوا في ثمن المخن كان ذلك الإختلاف أحوال المخان؛ إذ فيها الأعلى والأوسط والأدنى لاختلاف اجتهادهم، فكان تقويمه بعشرة دراهم إذ لا تعلق القطع به على اليقين على أنَّه قد ثبت بما أجمعوا عليه أن القطع لا يكون إلاَّ في مقدار من المال والتقدير له أحد الطريقين إما الإجماع وإما النص ما وجدا ووجدنا النص قد اختلف فيه؛ لأنَّه روي عن عائشة بألفاظ مختلفة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن السارق يقطع في ربع دينار على أن ما روي عنها يحتمل أن يكون قالت بتقويمها وعرفت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوجب القطع في المخن وقومت هي المخن؛ لأن كثيراً من الأخبار جاءت منوقوفة عليها غير مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروي أن يحيى بن سعيد كان يرفع حتى قال له عبد الرحمن بن القاسم أنها لم تكن ترفعه فترك يحيى الرفع بعد ذلك على أنَّه إن صح ذلك فأكثر ما فيه يعارض ما رويناه من النص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو حديث عمرو وحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيعدل عنه إلى الإتفاق وهو القطع في عشرة ويؤكد به ما رويناه من النص على أن دون العشرة قد حصل فيه الإشتباه، فوجب ألا نقيم به الحد لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <ادرؤا الحدود بالشبهات>.(106/2)


فإن قيل: فظاهر قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيْهِمَا} يوجب القطع في القليل والكثير فيخص منه ما ثبت تخصيصه ويجري الباقي على عمومه.
قيل له: قد أجمع الجميع وتظاهرت الآثار علىأن القطع لا بد فيه من التقيدر فصارت الأخبار مع الإجماع النص إلى الآية، فكأنه قال عز وجل: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيْهِمَا} في المقادر الذي يدل الشرع عليه فوجب أن يطلب المقدار في غير الآية على أن في العلماء من قال فيها إنَّه امجملة لا يصح التعلق بظاهرها، وإن كان في ذلك عندنا نظرٌ؛ لأنها تحج بعمومها على إيجاب القطع على سائر الأحوال، وإنام قلنا إنَّه لا يصح معرفة التقدير فيها.
فإن قيل: فأنتم قلتم في الصاع بأقل ما قيل فيه، فهلا قلتم فيما يوجب القطع بذلك.(106/3)


قيل له: لأن الناس قد أجمعوا على أن إخراج الأقل واجبٌ واختلفوا فيما وراء ذلك فأخذنا بالإجماع، وهذه المسألة بالعكس من تلك لأنهم أجمعوا على وجوب القطع في عشرة واختلفوا فيما دون ذلك، فأخذنا بما اتفقوا عليه في هذه المسالة كما أخذنا في تلك فاستوى الأمران ومما يؤكد ما ذكرناه من أن عائشة لم تكن ترفع القطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربع دينار ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة أن يد السارق لم تكن تقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أدنى من ثمن المخن، وكان المخن له يؤمئذ ثمن ولم يقطع في الشيء التافه، فهذا يدل على أنها لم تحفظ فيه نصاً، فأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لعن الله السارق يسرق الحبل فيقطع فيه والبيضة فيقطع فيها> فالمراد بالبيضة بيضة الحديد وهي بيضة المغفرة وقد تساوي عشرة دراهم، وأكثر، وروي عن علي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع في بيضة من حديد قيمتها أحد وعشرون درهماً، وأما الحبل ففيه ما يساوي عشرة وعشرين وثلاثين وأكثر وأقل، ولعل المراد بذلك أنَّه يسرق كلها يجد حتى يقطع واشترط أن يكون السارق بالغغاً عاقلاً؛ لأن القطع عقوبة نكالاً من الله، والعقوبة لا يستحقها إلاَّ البالغ العاقل، وهذا ما لا خلاف فيه، وما روي عن علي عليه السلام أنَّه كان يقرض أنامل الصبي إذا صرق، فلسنا نصححه عنه، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: <رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى ينتبه> وأما الحرز فلا بد من اعتباره عند العلماء منأهل البيت عليهم السلام وغيرهم، وحكي عن قوم ترك اعتباره، والأصل فيه ما روى الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ليس على الخائن ولا على المختلس ولا المنتهب قطع، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عهليم السلام أنَّه قال: لا قطع على خائن ولا مختلس، فقوله: لا قطع على(106/4)


الخائن يدل على نفي كل ما اؤتمن الإنسان فيه كالرجل يأتمن غيره على دخول منزل ولم يجز رميه لم يلزمه القطع إذا سرق من ماله، ومن يؤمن على الودائع والبضائع وانعواري وأموال المضاربة إذا جحدها وخان فيها لم يلزمه القطع لعموم اللفظ، وكذلك من طر أو اغتصب مجاهرة أو مخالسة فلا قطع عليه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ولا على مختلس ولا على منتهب، وأما ما روي عن عائشة أن امرأة كانت تستعيره الحلي، فلا ترده فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقطعت يدها، فحكى عن قوم أنهم تعلقوا بهذا الخبر، وأوجبوا القطع على من جحد العارية ولا حجة لهم في ذلك؛ لأنَّه يحتمل أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم طعها؛ لأنها سرقت مع ذلك وإن ذكر استعارة الحلي لتعريفها فلعلها كانت مشهورة بذلك، ويحتمل أن يكون ذلك منسوخاً بقوله: ليس على الخائن قطع وأن ذلك كان قبل وجوب مراعاة الحرز؛ لأن آية القطع لم تتضمن ذكر الحرز فيجوز أن يكون ذلك متأخراً عنها وقد روي ما يؤكد ذلك عن عائشة أنها قالت: إن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت إلى أن روت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطعها وأيضاً روي عن عمر بن شعيب، عنأبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن التمر المعلق، قال: لا قطع فيه إلاَّ ما أواه الحرين وبلغ ثمن المخن، ففيه القطع وما لم يبلغ ثمن المخن ففيه غرامة وجلدات نكال.
مسألة(106/5)

137 / 149
ع
En
A+
A-