قيل له: يحتمل أن يكون عليه السلام أراد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبين لنا شيئاً في سقوط الضمان، فإن إسقاط الضمان رأي رأيناه وشيء صنعناه؛ إذ من الجائز أن يكون عليه السلام أراد يحفظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سقوط الضمان لمن مات في حد الزنا وحدالقذف، ولم يحفظ ذلك في حد الخمر؛ لأن حد الخمر قد روي فلأن يحمل قوله لم يبين لنا شيئاًعلى ما لم يرو أولى من أن نحمله على ماروي عنه فيه النص، ويدل على صحة تأويلنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب فيها أربعين أنَّه كان بسوط له طرفانن ما روى عمرو بن دينار، عن محمد بن علي، عن علي أنَّه ضرب الوليد بن عقبة أربعين سوطاً بسوط له مطرفان، وذلك حين كان شرب الوليد بالكوفة وصلى بالناس سكراناً، وقال أزيدكم؟
فإن قيل: فقد روي أنَّه حين جلده أربعين قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلد أربعين وجلد عمر ثمانين، وكل سنة.
قيل له: يحتمل أن يكون عليه السلام ضرب أربعين بسوط له رأسان وضرب ثمانين بسوط له رأس واحد أيضاً سنة.
فإن قيل: روي أن يوم حنين أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل قد شرب الخمر فقال للناس: <اضربوه> فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضبه بالعصي، ومنهم من ضربه بالحديد ثُمَّ أخذ رسولاله صلى الله عليه وآله وسلم تراباً من الأرض فرمى به في وجهه.
قيل له: يحتمل أن يكون بلغ غاية ضرب الجميع ثمانين فلا يكون فيه خلاف لسائر ما روي عنه، ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول حده، على هذا يحتمل ما روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم أتي بشارب فقال: <اضربوه> فمنهم من ضبه بثوبه وبيده ومنهم من ضربه بنعليه، ويدل على ذلك أيضاً أن عمر حين استشار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأشار علي وعبد الرحمن بن عوف بحد المفتري، وروي أن عمر حين استشار كان في الجماعة علي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف، وكانوا في المسجد فجرى ذلك منهم على سبيل الإجماع.(105/2)


فإن قيل: لو كان ما ذكرتموه مبنياً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجمح عمر إلى الإستشارة.
قيل له: يجوز أن يكون عمر لم يرفعه أولاً يكون ظهر عنده ظهوراً تاماً ولا عند أكثر الصحابة فاعملوا الرأي، فأداهم ذلك إلى موافقة ما حفظ عن رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم فأجمعوا عليه فتأكد النقل بما يضاف إليه من إجماع الصحابة، ويؤكد ما ذهبنا غليه ما روي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وىله وسلم أتي برجل شرب الخمر فأمر به فضرب بحد أبين نحواً من أربعين، فدل ذلك أيضاً على ثمانين، ويدل على ذلك ما رواه عطاء بن مروان، عن أبيه، أن علياً أتي بالنجاسي قد ضرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين ثُمَّ أمر به إلىالسجن، ثُمَّ أخرجه من الغد فضربه عشرين ثمقال له: إنَّما جلدتك هذه العشرين لإفطارك في شهر رمضان وجرأتك على الله عز وجل، ويقال فيه أنَّه حد مقدر على الحر، فوجب ألا يقدر بأقل من ثمانين قياساً على سائر الحدود، ويقال لا يجب أن يقتصر به على أربعين وأيضاً وجدنا الأربعين حدالً للعبيد فوجب أن لا يكون ذلك حد الخمر والمسكر؛ لأنَّه لا يفق أحد بين حديهما؛ ولأن المسكر عندنا حرام كالخمر والمسكر لا يفرق؛ ولأناسم الخر يتناوله عندنا؛ لأنَّه أيضاً يخامر العقل، وروي عن بعض الصحابة أنَّه قال: لا أشرب نبيذ الخر بعد أن أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسكران، فقال: يا رسول الله، ما شربت الخمر إنَّما شربت نبيذ التمر والزبيب في وعاء، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهن بالأيدي وخصف بالنعال، قال: وسواء شرب منه قليلاً أو كثيراً، أما قليل الخمر فلا خلاف فيه وأما قليل المسكر فهو عندنا مثل قليل الخمر؛ إذ قد دل الدليل على تحريم المسكر على ما نبينه في كتاب الأشربة على أن كل من قال تحريم قليل ما أسكر كثيره أوجب الحد وقد صح ذلك وثبت فوجب أن يحد في قليلهكما يحد في كثيره، وذكر يحيى أنَّه بلغه أن علياً عليه السلام كان يجلد(105/3)


في قليل ما أسكر كثيره كما يجلد في الكثير، وذكر عنه أنَّه كان يقول لا أحد أحداً يشرب الخمر والنبيذ والمسكر إلاَّ جلدته الحد.
فصل
قال يحيى بن الحسين عليه السلام: ويحد إذا شمت رائحتها من نكهته وحكى ذلك عن مالك وعند أبي حنيفة والشافعي لا يحد، وكذلك إن كان قاء خمراً لم يحد عند أبي حنيفة ووجهه ما ذهبنا إليه أنها لا تحصل الرائحة في نكهته إلاَّ من شربها فجرى ذلك مجرى المعاينة لشربها فإن قيل في بعض الفواكه والأشب المحللة ما يكون رائحتها مثل رائحة الخمر.
قيل له: لا يمتنع أن يتحامل ذلك ومتى كان ذلك كذلك لم يوجب الحد وإنما يحد إذا حصل اليقين بأنه رائحة الخمر، ويدل على صحة ذلك أنا نعلم بالرئاحة أن العين خمراً فنأمر بإراقتها فبان أنالرائحة يفصل بينها وبين غيرها، كذلك يفصل بالرئاحة بين شاربها وشارب غيرها، ويدل على ذلك ما روي أن عثمان أتى بالوليد بن عقبة وقد صلى بأهل الكوفة أربعاً، قال: أزيدكم، فشهد رجل أنَّه رآه يشربها وشهد آخر أنَّه رآه يقيئها، قال: عثمان أنَّه لم يقيئها حتى شربها، فقال عثمان لعلي: أقم عليه الحد، فقال علي لابنه الحسن: اقم عليه الحد، فقال الحسن ولي حارها من تولى قارها، فقال علي لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد، فأخذ السوط فجلده، فقول عثمان لم يقيئها حتى شربها، يدل علىأنه أجرى ما لا يكون إلامع الشرب، فجرى مجرى الشرب، وذلك بمحضرمن علي والحسن عليهما السلام وغيرهما فلم ينكر عليه، وجرى مجرى الإجماع، فثبت ما قلناه من أن اشتمام الرائحة منهيجري مجرى الرائحة المعاينة لشربها؛ لأن الرائحة لا تكون إلاَّ مع الشرب كما أن القيء لا يكون إلاَّ من الشبن لذلك أقام معاينة القيء مقام معاينة الشرب.
فإن قيل: يحتمل أن يكون شرب غلطاً أو مكرهاً.(105/4)


قيل له: ذلك له حجة يدلي بها أن ذكرها سمعت منه كما أن المرأة إذا ادعت الإكراه ي الزناء سمع ذلك منها، ودرئ الحد، وعلى هذا يجب أن يحد من وجد سكراناً، وروي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما استراب بماء عرام أن يستهلك فأكد ذلك ما ذهبنا إليه، وروي أن أبا بكر أتي بسكران فأمر به ضرب ولم ينكره أحد من الصحابة، فدل هذا على ما ذهبنا إليه وذكر الجصاص في شرحه حديث عمرو بن الرشيد، عن أبيه، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: <إذا سكرأحدكم فاضربوه فإن عاد فاضربوه ثُمَّ إن عاد فاضربوه ثُمَّ إن عاد الرابعة فاقتلوه>، وذكر عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: <إذا سكر أحدكم فاجلدوه ثُمَّ إن سكر فاجلدوه إلى أن قال الرابعة فاضربوا عنقه، يقول ذلك كله على أن السكران إذا وجد كذلك أقيم عليه الحد للعلم بأن السكر لا يكون إلاَّ عن الشرب، وذكلك الرائحة والقي.
فصل
اختلفوا في السكران، قال أبو حنيفة: السكر هو الذي لا يعقل صاحبه السماء من الأرض والرجل من المرأة، قال أبو يوسف ومحمد: إذا كان أكثر كلامه الإختلاط فهو سكر، وقال القاسم عليه السلام في السكران: يجوز بيعه وشراؤه، فدل قوله ذلك على أن قوله في السكر مثل قول أبي حنيفة، ووجه ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بسكران، فقال يا رسول الله ما شربت الخمر وإنما شربت نبيذ التمر والزبيب فأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهز بالأيدي وخصف، فدل ذكل علىأن السكر يكن سكراً ,إن كان لا يبلغ إلى حيث لا يعرف السماء من الأرض والناس أيضاً لا يمتنعون من تسمية من يتغير كلامه وحاله للشرب بالسكران عرفاً ولغة، فوجب أن يكون السكرا ما ذهبنا إليه.
فإن قيل: كل اسم جاء على فعلان لا يكاد يسمى به إلاَّ إذا غلبت الصفة أو تنقلت كما يقال في الإناء أنَّه ملآن حتى يمتلي بما فيه، فكذلك السكران.
فصل(105/5)


قال يحيى يمد يداه في الجلد، قال أبو حنيفة لا يمد، ووجه ما ذهبنا إليه أن هذا كيفية في الحد فيجب أن يكون موكولاً إلى رأي الإمام؛ ولأن مد يديه أصلح له؛ لأنَّه لا يؤمن إن حرك يده من أن يقع الضرب بها فتكسر أصابعه ولا يؤمن أن يتناول السوط بيده فلا يصل إليه الحد.(105/6)

136 / 149
ع
En
A+
A-