قال: ولو أن رجلاً قال لعبد من اشتراك زانٍ أو قال أم من اشتراك زانية أو أم من باعك زانية لزمه الحد للمقذوف، وذلك إذا كان العبد قد جرى عليه الشراء من المسلمين، فإن كان لم يجز عليه لك بأن يكون صاحبه سباه أو وهبه له من سباه أو ورثه فلا حد على أحد؛ لأنَّه قذف لا مقذوف له، فأما إذا كان اشتراه جماعة من المسلمين من جماعة من المسلمين فالأقرب أن يجب الحد لأقربهم شراءا وبيعاً؛ لأن من هاهنا هو بمعنى الذمي وليس بمعنى المجاداة الذي يكون للعموم، فلم يجز أن يحد إلاَّ لواحد، فكان الأولى هو الأخير؛ لأن شراؤف هو القائم في الحال، وإذا ثبت ذلك في المشتري ثبت في البائع؛ لأن الأخير هو البائع له، إن قال: من يشتريك زانٍ، أو أم من يشتريك، أو أم من يبيحك زانية، لم يلزم الحد؛ لأنَّه ليس هناك مقذوف يشار إليه فقذفه قذف لا مقذوف له.
مسألة(104/18)
قال: ولو أنرجلاً قال لابن أم ولد من غير سيدها يا زاني أو قال: يا ابن الزانية لم يلزمه الحد، وذلك لأنهما جميعاً مملوكان ولا حد للمملوك، قال: وإن قال له: يا زاني يا ابن الزانية وأمه قد عتقت لزمه لها الحد ولم يلزمه لابنها، وذلك إذا كانت عتقت بإعتقا مولاها لها ولم يكن عتقها بموه إذا عتقت بموته فيجب أن يعتق معها ابنها، وإذا كانت عتقت بإعتقا مولاها أباها فهي حرة، فوجب لها على القاذف الحد ولم يجب لابنها؛ لأنَّه مملوك بعد، فإن كان الإبن أيضاً عتق لزمه أيضاً حد، قال: وكذلك إذا قال الصبي هو ابن أم ولد من سيدها يا ابن الزانية لزمه الحد؛ لأم الصبي إذا كانت الأم قد عتقت فإن لم تكن قد عتقت لا حد لها، وذلك لما بيناه من أن الحد لا يجب إلاَّ للحر، قال: فإن كان الصبي قد بلغ والأم قد عتقت فقال له: يا زاني يا ابن الزانية لزمه لكل واحد منهما حد؛ وذلك أنهما حران بالغان فقد فهما قاذفٌ فلزم لكل واحد منهما حدٌ قال: ولو أن رجلاً قال لرجل: يا زاني يابن الزانيين لزمه ثلاثة حدود؛ وذلك أنَّه قذف ثلاثة فلزم لكل واحد منهم حد.
مسألة
قال: ولو أن رجلاص قال لابن الملاعنة لست ابن فلان ـ يعني الملاعن ـ لزمه الحد لأن الصبي؛ وذلك أن قوله: لست ابن فلان الملاعن تحقيق أنها زنت ولم يثبت عليها الزنا فوجب أن يحد لها إلاَّ أن يكون أراد لست ابنه حكماً فيجب أن لا يلزمه شيء؛ لأنَّه لم يقذفها بالزنا والله أعلم.
مسألة
قال: وإذا قذف العبد زوجته وهي مملوكة حد لها أربعين جلدة.(104/19)
اعلم أن يحيى بن الحسين عليه السلام ذكر حكم العبد إذا قذف زوجته وهي حرة وجب بينهما اللعان، وذكر حكمه إذا قذف زوجته وهي مملوكة ونفي اللعان بينهما ثُمَّ قال: ويحد لها أربعين جلدة واحتمل أن يكون المراد به إذا قذف زوجته الحرة ونكل عن اللعان؛ لأنَّه يحتمل أن يكون رجع به إلى أول الكلام؛ لأنَّه قد نص على جواز أن الحر إذا قذف زوجته المملوكة لم يلاعنها؛ لأنَّه لو أكذب نفسه لم يحد لها، فدل ذلك من مذهبه على أنَّه إذا لميوجب اللعان لم يوجب الحد، فكان الأولى ما قلنا وعليه دل قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ}؛ لأنَّه لا خلاف أن الحرية من شرط الإحصان فلا يلزم الحد للمملوكة.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لامرأته: لم أجدك عذراء لم يلزمه في ذلك حدٌ، فإن كونها في ذلك زنا كان قاذفاً، وذلك أن العذرة قد تذهب بالوثبة والعلة وغيرها فلم يكن ذلك قذفاً، فإن صرح بذكر الزنا لزمه حد القاذف.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قذف رجلاً فضرب بعض الحد فثنى قذفه وهو في العقاب لم يلزمه حد آخر وإن قذف في تلك الحال غيره لزمه حد آخر وذلك لما بينا من أنَّه إذا قذف رجلاص واحداً مراراً لم يلزمه إلاَّ حد واحد؛ لأن ما يلزمه سقط بعفو واحد؛ ولأن الله أوجب على من قذف حداً للمقذوف ولم يشترط أن يكون القذف مرة أو مرتين، فإذا ثبت ذلك فإذا قذفه وهو بعد لم يستكمل الحد فإنه قذف وهو بعد لم يحد، فإذا أكمل الحد صار محدوداً لما بينا أنَّه لو قذف رجلين أو ثلاثة لزمه لكل واحد منهم حد، فلا فصل بين أن يقذف غيره في حال الجلد أو قبله أو بعد.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لعبده: يابن الزانية وأم العبدكانت قد ماتت وهي حرة كان الأمر في ذلك إلى الإمام ولم يكن للعبد أن يطالب مولاه بحدها، وذلك أن مولاه يملك جميع تصرفه، فلا يصح له أن يطالبه بحد أمه.
فإن قيل: أليس له أن يطالبه بنفقته وكسوته؟(104/20)
قيل له: إنَّما ينتهي إلى الحاكم حاله والحاكم هو الذي يلزمه ذلك وله أيضاً أن ينهى حال قذفه إلى الإمام ليطالب به الإمام يكشف ما قلناه أن الإمام لو رأى أن يؤاجره وينفق عليه من كسبه كان ذلك له، وأيضاً قد بينا أن المطالبة بالحد تكون إلى الوالي الذي يليه ولاية طلب الحد، فأما الإمام فهو ولي من لا ولي له، فلذلك قلنا أن ذلك إلى الإمام كما قلناه في باب النكاح، ألا ترى أن أمه لو أرادت أن تتزوج كان وليها الإمام وعلى هذا يجيء أن يكون من يقتل ولا ولي له أن دمه يكون إلى الإمام، قال: ولو قال لابنه: يا ابن الزانية، وقد ماتت الأم كان الأمر فيه إلى الإمام إذا لم يكن لها ولي غير الإبن، وذلك أن الابن ممنوعٌ من إدخال الضرر على أبيه لقول الله عز وجل: {وَلا تَقُلْ لَّهُمَا أُفٍّ} ولأنه لما وجد من يطالب عنها وهو ولي سواه، أو الإمام لم تترك مطالبة، وليس كمطالبته إياه بحد قذفه إن قذفه؛ لأنَّه لو لم يطالب لضك حقه وليس كذلك خدامه.(104/21)
مسألة وحد الشارب الخمر والمسكر
مثل حد القاذف، وقول أبي حنيفة واصحابه مثل قولنا أن حه ثمانون جلدة، وقال قوم: أربعون، وقال قوم:فيه العزير بدون الحد، والأصل فيه ما رواه ابن لهيعة يرفعه إلى محمد بن علي عليهما السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه جلد رجلاً في الخمر ثمانين وأيضاً عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه جلد رجلاً في الخمر ثمانين وأيضاً عن عبدالله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيمن شرب الخمر: <اجلدوه ثمانين>، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين أربعين فجعل عمر لكل نعمل سوطاً، وذلك يكون ثمانين.
فإن قيل: روي عن علي أنَّه قال: جلد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخمر أبعين وأبوبكر أربعين وكمل عمر ثمانين وكل سنة.
قيل له: يحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضرب شارباً أربعين سوطاً له رأسان فيكون ذلك ثمانين، وقولهكملها عمر ثمانين يجوز أن يكون لفظ راوي الحديث عن علي دون لفظ علي عليه السلام.
فإن قيل: فقد روي عن علي عليه السلام أنَّه قال: ما حددت أحداً فوجدت في نفسي منه شيئاً إلاَّ الخمر فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبين لنا فيها شيئاً،وروي فإنه شيء صنعناه، وروي ورأي رأيناه.(105/1)