مسألة قال: ولو أنَّه قال لجماعة: يا بني الزواني. لزمه لكل واحدة من أمهات المشتومين حد إن طالبن به، وإن كان بعضهن ميتة كان أولياؤها الطالبين بما يجب لها، قال أبو حنيفة: من قذف جماعة بكلمة واحدة فعليه حد واحد لجماعتهم، وهذا أحد قولي الشافعي، وله قول آخر أنَّه يحد بعدد المقذوفين مثل قولنا، ووجه ما ذهبنا إليه أن الله تعالى أوجب على كل من قذف محصنة حداً، فإذا قذف عدة من المحصنات لزمه لكل واحدة منهم حد، كما أنَّه تعالى لما أوجب الدية على كل من قتل مسلماً خطأ لو قتل عدة من المسلمين خطأ فعليه لكل واحد منهم؛ لأن الحد حق للمقذوفين، وإن كان حقاً لله فلا يجب أن يتداخل كما لا تتداخل سائر الحقوق، لعله أنَّه حق للآدمي، يدل على ذلك أن له أن يعفو عنه، وأن له أن يطالبه كسائر الحقوق.
فإن قيل: قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} فكان الواجب بظاهر الآية على قاذف المحصنات ثمانين جلدة، فصح قولنا.
قيل له: إنك تأملت شطر الآية ولم تتأمل كلها؛ لأن الله تعالى قال: روالذي يرمون} فجعل الرماة عدة، ثُمَّ قال: المحصنات، فجعل الرميات عدة، ثُمَّ حقق الرماة عدة بقوله: {ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ} فجعلهم جماعة، فبان أن الآية لم ترد في قاذف واحد، وأنها وردت في جماعتهم، فلا بد من أن يكون تقدير الآية فاجلدوا كل كاذف.
فإن قيل: تقدير الآية الذي يرمي كل واحد منهم المحصنات.
قيل له: ليس ذلك كذلك، لكنا لا نحد بظاهر الآية من قذف محصنة حتى تقذف المحصنات، وهذا خلاف الإجماع.
فإن قيل:روي أن هلال بن أمية لما قذف امرأته برشيك بن سمحا قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ائت بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك>، فأوجب لهما جميعاً حداً واحداً.(104/13)


قيل له: ليس هذا الكلام على ظاهره بل تقديره، وإلا فحد في ظهرك لمن طلب منهما، ألا ترى أنهما لو أقرا لم يلزمه حد، وكذلك إن لم يطلبا لم يجب، فكشف بذلك على أن الغرض ما ذكرناه.
فإن قيل: إذا كان عندكم أنَّه لو قذف واحداً مراراً فليس عليه إلاَّ حد واحد، فما تنكرون أن يكون ذلك كذلك وإن قذف جماعة.
قيل له: الفرق بينهما أن من قذف رجلاً واحداً مراراً فعفى عنه سقط بعفو واحد جميع ما لزمه بقذفه، ومن قذف عدة من الناس فعفى عنه بعض المقوذف فإن لم يسقط عنه جميع ما لزمه بقذفه، فثبت أن لكل واحد منهم حقاً على القاذف في الحد، وإذا ثبت ذلك ثبت أنَّه يجب أن يحد بعددهم؛ وذلك كأن يكون المقوذف الواحد يقذفه عدة من القاذفين أنَّه يلزم كل واحد منهم له حد؛ لأنَّه لو عفى عن واحد منهم لم يسقط حقه من الباقين بالعفو الواحد، فبان أنَّه حدودٌ شتى، كذلك ما اختلفنا فيه بعلة أنَّه لا يسقط بالعفو الواحد وأيضاً قد ثبت أن اللعان يجري مجرى الحد وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال في امرأة هلال بن أمية حين جاءت بالولد على الصفة المكروهة: <لولا ما مضى من الحد لكان لي ولها شأن> يعني صلى الله عليه وآله وسلم بالحد اللعان، وقد علمنا أن رجلاً لو قذف أربع نسوة له بلفظة واحدة لزمه لكل واحدة منهم لعان، فكذلك إذا قذف الأجنبيات، والعلة أنَّه تعلق القذف بمقذوفين شتى، فأما المقذوف فلا خلاف أنها المطالبة بحقها من الحد إن كانت حية وإن كانت ميتة، فقد اختلفت فيه، قال أبو حنيفة: هو إلى الوالد والحد أبي الأب والولد، ولد الابن دون الخوة والأخوات، واختلفت أصحاب الشافعي فمنهم من قال: إنَّه إلى الورثة، منهم من قال: إنَّه إلى الولياء النكاح، هذا قول يحيى عليه السلام؛ لأنَّه ذكر الأولياء ولم يذكر غيرهم، والدليل على أنَّه ليس إلى الورثة: أنَّه لا يدخل فيه الزوج والزوجة، لو كان ذلك بحسب المواريث كان الزوج والزوجة فيه لسائر الورثة.(104/14)


فإن قال: سببهما ينقطع ولا يلحقهما العان.
قيل له: فهذا الذي يدل على أنَّه لا يجري مجرى المواريث على أنا لو جعلناه للورثة كان يجب أن يقسم بحسب المواريث، ولا خلاف أن الولد والوالد لهما حق المطالبة به، فوجب أن يكون ذلك مقصوراً على التعصيب كالنكاح بدلالة أنَّه حق لا يدخله المال والمقصد به دفع العار وتحصين الفرح.
فإن قيل: هو لمن يقدح القذف في نسبه من الوالد والولد.
قيل له: وأي قدح يلحق نسب الرجل إذا قذف ابنه بالزنا، وكذلك إذا قذف أبوه، وذلك أن زنا الرجل لا يغير نسب أبيه، فبان أن اعتبار أصحاب أبي حنيفة بالقدح في النسب لا معنى له، وأن الولى أن يجري مجرى ولاية الإنكاح.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لجماعة: يا بني الزانية، وكانت أمهم واحدة أقيم عليه الحد، وإن كانت أمهاتهم متفرقات لم يلزمه الحد؛ وذلك أنها إذا كانت واحدة كانت معينة، فوجب عليه لها الحد كالقاذف لامرأة بعينها، وإن كن متفرقات لم يكن قذف واحة بعينها، ولا يصح أن يقال: أنَّه يحد لأم كل واحد من الجماعة؛ لأنَّه قذف احدة، والواحدة لا تكون جماعة، فيكون ذلك قذفاً لا مقذوف له كمن يقول: يا زاني. غير مخاطب به أحداً يقول: هو زان غير مشير به إلى حد، فوجب ألا يلزمه الحد.
مسألة
قال: ولو أنَّه قال لرجل: يابن الزواني لزمه الحد لأم المقذوف وجداته يلزمه الحد لأمه يطالب به إن كانت حية أو وليها إن كاتن ميتة يطالب عنها أو لياؤها إن كان يمكن الحاكم أن يعرف حالها في الإحصان وشرائطه؛ لأنهن أجمع أمها، ألا ترى أنَّه تعالى قال: {حُرِّمَتْ عَلِيْكُمْ عَلَيْكُمْ أمُّهَاتِكُمْ} دخلت الحدات في التحريم، كما دخلن الأمهات؛ ولأنهم قد ولدنه فهن له أمهات.
فإن قيل: الأم في الحقيقة من ولدته وتسمية الجدة في الأم على ضرب من التوسع كما قلتم ذلك في الجد أن تسمته بالأب توسع.(104/15)


قيل له: هذا وإن كان كذلك فإنه إذا قال: ياابن الزواني، فقد علمنا أنَّه لم يقتصر بالقذف على من ولدته على الحقيقة بل قصد بالقذف م ولدته حقيقة ومجازاً؛ لأن الولادة على التحقيق لا تكون إلاَّ من واحدة، فإاذ صح قصده اليمين وجب ما قلناه، ولا يجب أن يدخل فيه الأمهات من الرضاع؛ لأن إطلاق الأمهات لا يتناولهن لا حقيقة ولا مجازاً، وإنما يقال لها أم من الرضاعة، فأما من غير تقييد بالرضاع فالاسم لا يتناولها والله أعلم.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لذمي أسلمت أمه: يا ابن الزانية. لزمه الحد، وهذا ما لا خلاف فيه؛ لأن أمه هي المقذوفة وهي مسلمة فصح أن يتناولها اسم الإحصان لا معتبر بكون ابنها ذمياً.
مسألة
قال: وإذا قال الرجل للمرأة أو قالت الرأة للرجل: يا زاني. فقال: زنيت بك فلا حد على واحد منهما، وإنما ذلك إقرار منه على نفسه بالزنا ولسي فيه قذف؛ لأنَّه نسب الزنا إلى نفسه ويجوز أن يزني بها وهي نائةم أو مكرهة فلا يجري عليها حكم الزنا.
مسألة(104/16)


قال: ولو أن رجلاً قال لامرأة: يا زانية فقالت: زنيت بي، لزم كل واحد منهما الحد لصاحبه، وذلك أن كل واحد منهما قذف صاحبه بالزنا، فوجب أن يلزم كلواحد منهما لصاحبه الحد، قال: وإن قال لها: يا ابنة الزانية، فقال: زنت بك، لم كل واد منهما ولم يجب الحد لأم المشتومة، وذلك أنهما جميعاً قاذفين لأم المرأة، فلزم كلواحد منهما ولم يجبعلى المرأة ولم يجب للقاذف حد؛ لأنها لم تنسب الزنا إليه وإنما نسبته إلى أمها بقولها زنت بك، وإن قالت: .... له صدقت، لزمه الحد لأم المرأة ولم يلزم المرأة؛ وذلك لأن الرجل قاذف فعليه ما على القاذف والمرأة قالت له: صدقت ولم يتبين فيم ذا صدق، فلم يلزمها شيء، فإن قالت: صدقت إنها زانية لزها أيضاً لأمها ايضاً، وذلك أنهأ ايضاً قد صارت قاذفة لأمها، فلزمها لها الحد أو ذلك أنَّه قال: صار قاذفاً لأبويها فلزمه لكل واحد منهما حدٌ ولم يلزم المرأة شيء؛ لأنها لم تقذف أبوي الرجل قذفاً مطلقاً بل علقته بشرط لا يعلم حصوله وهو كون أبويها زانيين، فلم يحصل القذف فلذلك قلنا إنَّه لا حد عليهما لأبوي الرجل.
مسألة(104/17)

134 / 149
ع
En
A+
A-