قيل له: هذا معناه على أحد الوجهين: أحدهما أنَّه نزلت في أصحاب الإفك على عائشة وسياق الآية علىذلك يدل لأنها في جملة القصة، والثاني أنها لو كانت عامة فالمراد أنهم في الحكم عند الله كذل إلاَّ أن يتوبوا، ألا ترى أنَّه جائز أن يكن فيهم من هو صادق في الحقيقة على أن من شهد الله عليه بالكذب إذا تاب قبلت شهادته؛ لأنَّه عز وجل قال في قصة الذي باهلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {فَنَجْعَلْ لَّعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِيْنَ} يعني الذين باهلوا ولو أسلموا وتابوا قبلت شهادته، وكذلك الذي قال الله فيهم: {وَأَكْثَرُهُمُ الْكَاذِبُونَ} والقياس فيه على وجوه نقيسه على سائر الفسقة في جواز قبول شهادتهم إذا تابوا ونقيسه على سائر المجلودين إذا تابوا ونقيسه على النصراني إذا حد في القذف ثُمَّ أسلم وتاب، وحكى أبو بكر الجصاص مثل قولنا عن مالك وعثمان البتي، حكى عن الأوزاعي وأظنه عن الحسن بن صالح بن حي أن كل من حد في الإسلام في قذف أو غيره لم تقبل شهادته، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه أن كل محدود تقبل شهادته غير المحدود في القذف، قال: ولا فصل بين أن يكون القاذف مسلماً أو ذمياً، وهذا لا خلاف فيه لعموم قوله: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} فعم ولم يخص؛ ولأن سائر الحدود لا تخصيص فيه بين أهل الملة.
مسألة(104/8)


قال القاسم عليه السلام: إذا ادعى القاذف بينة غيباً على صحة قذفه انتظر أجل مثله، قال: أجل مثله ولم يذكر شيئاً معيناً، قال يحيى بن الحيسن عليه السلام: يؤجل أجلاً يمكنه فيه المجيء ببينة وحكي عن أبي حنيفة أنَّه يؤجل إلى قيام القاضي، وروي عن أبي يوسف أنَّه قال: أحبسه وإيائي به ولا أعجل، وعن محمد مقدار جلوس القاضي، وعن محمد فيمن ادعى على آخر أنَّه قذفه فادعى بكينة حاضر كفلناه ثلاثة أيام كل ذلك حكاه أبو الحسن الكرخي في المخصتر والولى عندي والله أعلم أن أضيق الآجال بعد أجل المجلس الذي يكون بين المتعاقدين إنَّما هو ثلاثة أيام الذي جعل للشفيع وهو أجل حسن على ما بيناه في الشفعة، فلا يبعد أن يحمل أجل القاذف عليه ويتأول عليه قول القاسم عليه السلام: والله أعلم، وذلك أنَّه لا خلاف أن أجله أوسع منأجل المتعاقدين، وليس يبعد أني قال أيضاً بقول أبي حنيفة قياساً على أجل المتصارفين وهو إلى التفرق عن المجلس، قال: ولا فصل في جميع ذلك بين أن يكون القاذف والمقذوف ذكراً أو أنثى، وذلك مما لا خلاف فيه؛ لأن الذكوة والأنوثة سواء فيما يجب له أو عليه في باب الحدود لا خلاف فيه.
مسألة(104/9)


قال: ولا فصل بين أن يصرح القول فيقول: يا زاني أو يكنى عنه في لزوم الحد الكناية نحو أن يقول: لست ابن فلان ـ يعني من نسب إليه، أو يقول: يا فاعل بأمه، جميع ذلك وما جرى مجراه كناية عن الزنا، فيجب فيه الحد، ولا أحفظ فيه خلافاً، لقوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} وهذا قد رمي، فأما التعريض فلا حد فيه، والفصل بينه وبين الكناية أن الكناية هي التي تكون موضوعة للرمي بالزنا وإن احتمل غيره، والتعريض ما يكون موضوعه لغير الرمي بالزنا وإن احتمل ذلك، فأما أصحاب أبي حنيفة فإنهم قالوا: لا حد في الكناية والتعريض، ويشبه أن يكون خلافهم لنا في العبارة دون المعنى؛ لأنهم قد نصوا على من قال: لست ابن فلان ـ يعني من ينسب إليه ـ وهذا الجنس يعني بالكناية، فأما التعريض فكقول الرجل: إني لست ابن زنا أو يقول: نتبين من الزاني مني ومنك وما أشبه ذلك، وحكي عن مالك أن في جميعه حد القاذف، وذلك لا معنى له؛ لأنَّه لم يأتي بلفظ موضوع الزنا، قلنا في قوله: لست ابن فلان، أنَّه كان كناية؛ لأنَّه يحتمل أن يكون أراد الإستفهام وأراد بذلك لست بشبهة في حال كذا، ويبطل قول مالك أن الله تعالى فرق بين التعريض والتصريح بقوله: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيْمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} ثُمَّ قال: {وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِراً}.
فإن قيل: روي أن عمر أتي برجلين تسابا، فقال أحدهما للآخر: ما أنا بزان ولا أمي بزانية. واستشار عمر في ذلك فقال قائل: مدح نفسه وأباه. وقال آخرون: قد كان لأبيه مدح. غير هذا يرى أن عليه الجلد فجلده عمر ثمانين.
قيل له: في المخر أنهم اختلفوا، فإذا اختلفوا وجب علينا أن نتبع الأصح، والأصح ما بيناه، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه كان يعزر في التعريض.
مسألة(104/10)


قال: ولو أن رجلاً قال لرجل: يا فاسق يا فاجر، سئل عما أراد بقوله، فإن أراد الزنا حد وإن أراد غير ذلك من الفسق أدبن فإنه قال له: لست ابن فلان يعني لست من ينسب إليه كان قاذفاً لم يوجب الحد في قوله: يا فاسق يا فاجر؛ لأنهما لم يوضحا عبارة عن الزنا، وإن كان كل زان فاسقاً فاجراً.
مسألة
قال: ولو قذف ذمياً أو ذمية أو عبداً أو أمة أو صبياً أو صبية لم يلزم الحد، وذلك لما بيناه أنهم غير محصنين؛ لان من شرطالإحصان الحرية والإسلام والبلوغ، قال: وإن بلغ الصبي أو أسلم الذمي أو عتق العبد بعد أن قذف لم يلزم الحد، وذلك أن المراعى فيه حال القذف والقذف لم يصادف محصناً فلم يجب الحد، قال: وأما المدبر وأم الولد فإنهما من جملة الأرقاء في جميع أحكامهم؛ لأنهم لم تثبت الحرية، وإنما استحقاها، وأما المكاتب فإن لم يكن أدَّى شيئاً من مكاتبته فهو كما قال: لا خلاف فيه وغياه عني في هذا الموضع؛ لأنَّه قد نص على ما مضى القول في أنَّه إن كان أدَّى شيئاً من الكتابة لزمه الحد بقدر ما أدَّى شيئاً من مكاتبته، إن كان مقذوف فقياس قوله: أن يحد له بمقدار ما أدَّى على ما سلف القول فيه، قال: وإن قذف مجنوناً أو مجنونة لم يلزمه الحد لما بيناه أن العقل من شرائط الإحصان، لا خلاف فيه، قال: ويلزم في ذلك كله التعزيز، وذلك موكول إلى رأي الإمام إن رأى أن يعزر عزر.
مسألة(104/11)


قال: وإذا قذف الرجل أباه أو انه لزمه الحد كما يلزمه لو قذف الأجنبي، أما إذا قذف أباه فلا خلاف في أنَّه يلزمه الحد، وأما إذا قذف الإبن فقول أبي حنيفة: لا حد عليه، وبه قال كثير من العلماء، وقال القاسم عليه السلام بإيجاب الحد فيه لقول الله عز وجل: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتُ} فعم ولم يخص، وليس يمن أن يرد ذلك إلى القصاص؛ لأنَّه حق محض للإبن يقوم فيه وإرثه بعده، ألا ترى أنَّه يصح فيه العفو بعد رفعه إلى الإمام والقذف حق لله عز وجل، وإن تعلق به حق الآدمي لذلك لا يصح فيه العفو بعد المرافعة، لا يصح رده إلى من سرق من مال ابنه؛ لأن القطع ها هنا درئ لشبهة الملك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <أنت ومالك لإبيك>، ألا ترى أنا ندرأ القطع عمن سرق منشريكه بشبهة الملك، وليس في قذف الابن شبهة،فلا يجب أن يدرأ عنه الحد.
فإن قيل: أليس قال في المنتخب أن رجلاً لو قذف أم ابنه وهي ميتة أن الابن لا يطالب أباه بحدها، فكذلك لا يطالب بحد نفسه.
قيل له: لأن هناك من يطالب به، وإن ترك الإبن المطالبة يقوم غيره من أوليائها والإمام والابن لا يجوز أن يطالب بحده إذا ترك فلم يجز للابن الإقدام على مطالبة أبيه بحدغيره يجوز أن يقوم مقامه.(104/12)

133 / 149
ع
En
A+
A-