فإن قيل: الآية اشتملت على أمرين أحدهما إبطال الشهادة، والثاني إثبات اسم الاسق، وقد علمنا ،ن الفسق مبطل للشهادة، فلو لا أن ذكر إبطال الشهادة أفاد معنى آخر وهو أن الشهادة غير مقبولة أبداً قبل التوبة وبعدها لم يكن لذلك إبطال الشهادة معنىً مع ذكر الفسق.
قيل له: بل لذكر الأمرين فائدة، تواد مذهبك وهو أنَّه تعالى كما قال: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} لم لم يقل مع هذا التأكيد {وَأُلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} نبه على أن المنع من قبل الشهادة لفسقه ليعلم أن فسقه منع أن تقع شهادته مقبولة.
فإن قيل: رد شهادته تعلق بجلدة، وكما أن جلده لا يرتفع كذلك رد شهادته لا ترتفع.
قيل له: هذا غير مسلم لكم، بل نقول: إن رد شهادته تعلق بفسقه كما نقول في المحدود في الزنا والخمر والسريقة،ألا ترى أن شهادة هؤلاء كلهم تتعلق بأفعالهم التي استحقوا بها دون الحد، فكذلك القاذف على أن الحد لا يخلوا من أن يكوهن عقوبة أو تكفيراً ,أيهما كان لم يتعلق بطلان الشهادة به، فيجب أن يكون تعلقه بارتكاب ما ارتكب من المحظور على أن الأصول شاهدة لنا؛ لأن الشهادات يتعلق بطلانها بارتكاب ما يوجب العقوبات.
فإن قيل: إذا قلتم إن الإستثناء راجع إلى جميع ما تقدم فيجب أن يرجع إلى الحد فيسقط الجلد بالتوبة.
قيل له: الظاه يقتضي ذلك، وحكي عن الشعبي وهو أحد قولي الشافعي ونحن نخرجه من حكم الإستثناء بالدلالة وإلا فحكم الإستثناء يوجب ذلك، ووجه دليلنا أن الجلد حق لبني آدم، فلا يجب أن يسقط بالتوبة، وليس كذلك الشهادة؛ لأنها ليست حقاً ثابتاً لأحد؛ لأن حق الشهادة إنَّما هو للمشهود له وإبطال الشهادة هو إسقاط الحق دون قبولها.
فإن قيل: إذا قيل لفلان على عشرة دراهم إلاَّ ثلاثة دراهم إلاَّ درهم، فيكون الإستثناء الأخير يرجع إلى الذي يليه دون ما تقدم.(104/3)


قيل له: ليس هذا عروض لما ذهبنا إليه، وذلك أن قوله إلاَّ درهما أمرٌ منفصل عن الجملة الأولى حكماً ولفظاً، ألا ترى أنَّه بقي ما ثبت بالجملة الأولى وما ذهبنا إليه هو أن الإستثناء إذا جاز رجوعه إلى جملة مسماه ولم يكن رجوعه إلى بعضها أولى من رجوعه إلى .... فيجب أن يرجع إلى الجميع وشبهنا بها الشرط، ولو كان ما ذكرتم في الشرط أيضاً لكان كذلك، وإن كان من حكم الشرط أن يرجع إىل الجميع، ألا ترى أن قائلاً لو قال: علي صدقة درهم ويام يوم إن دخلت الدار، فإذا جاء المطر فالشرط الثاني يرجع إلى الشرط الأول دون المشروط؛ لأن الشرط منفصل عن المشروط لفظاص وحكماً، فكذلك الإستثناء.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا يجوز في افسلام شهادة محرب عليه شهادة الزور ولا شهادة مجلود حداً ولا ذي غمرٍ على أخيه>.
قيل له: المراد قبل التوبة، ألا ترى أن ذا الغمر على أخيه إذا ظهرت توبته قبلت شهادته، وكذلك المحرب عليه شهادة زور، وكذلك المجلود حداً علىأن من مذهب أبي حنيفة أن المجلود حداً تقبل شهادته إلاَّ في القذف ويشرط أن يكون جلد في حال الإسلام، فلناأيضاً أن نتأوله على ما دلت الدلالة عليه، ورى سعيد بن المسيب عن عمرأنه قال لأبي بكرة إن إن تبت قبلت شهادتك ولم ينكر ذلك أحد عليه وعلى أن جميع ما تعلقوا به ينقض بقولهم إن الذمي إذا حد في القذف ثُمَّ أسلم قبلت شهادته، ويمكن أنيجعل ذلك أصلاً، ويقاس عليه إذا حد ثُمَّ تاب بأن يقال: إنَّه تاب من قذفه بعد ما أقيم عليه حده فيجب أن يكون مقبول الشهادة كالذمي إذا أسلم وتاب من قذفه بعد حده.
فإن قالوا: اليهود والنصارى عندنا لم يدخل في حكم الآية من جهة اللفظ؛ لأن الله تبارك وتعالى إنَّما حكم بهذا فيمن لزمه اسم الفسق لوقوع حده فالأولى كانوا مستحين اسم الفسق قبل ذلك لكفرهم.(104/4)


قيل له: هذا يوجب عليكم أن يجيزوا قبول شهادة التائب من القذف بعد الجلد إذاكان في حال قذفه، وقيل: ..... مرتكباً للكبائر؛ لأنَّه يكون مستحقاًاسم الفسق لارتكابه الكبائر قبل القذف، وقيل: الحدود هذا لهدم ما اعتمدتموه؛ لأنَّه نكتة التي بها تقولون.
فإن قيل: الشاهد يجب أن يكون عدلاً في دينه وعدلاً فيفعله لهذا ترد شهادة الفاسق، فإنه كان من أهل الإسلام، فإقامة الحد عليه تبطل عدالته من جهة الدين والفعل جميعاً، فإذا تاب فأن توبته أوجبت عدالته من جهة الفعل؛ لأن دينه هو الذي كان من قبل، واليهودي إذا حد فإنما بطلت عدالته من جهة الفعل ومنجهة الدين، فإذاأسلم وتاب حصلت له عدالة من جهة الدين الفعل، فوجب أن تقبل شهادته.(104/5)


قيل له: هذا كله تمويه وتحكم، فأول ذلك أنا لا نسلم أن المطبل لعدالته هو إقامة الحد؛ لأن المبطل لعدالته هو القذف متى تعرى عن إكمال الشهادة، وبه استحق الجلد، وإذا كان ذلك كذلك فتعليلهم يوجب أن لا تبل شهادته وإن تاب قبل الجلد وشهادته إذا تاب قبل الحد عندهم مقبولة، ومنها أن القذف أو إقامة الحد عليه لم تسقط عدالته من جهة الدين وإنما أسقط عدالته من جهة الفعل، وإنما لا يطلق عليه اسم العدالة؛ لأن العدالة التامة تكون من جهة الإعتقاد ومن جهة الفعل، فنقول: إه عدل من جهة الإعتقاد كما نقول في الذمي هو عدل من جهة الأفعال يكشف ذلك أن المحدود في القذف عدل في اعتقاده؛ لأن تكلمها يتعلق بالإعتقاد، فهو والعدل سواء كمناكحتة وأكل ذبيحته وإجزاء صلاته وصيامه زكاته وحجه إلى غير ذلك مما يكثر عده، فبان أنعدالته من جهة الدين ثابتة، فإذا وافقتمونا على أن توبته تعيد إليه عدالته من جهة الفعل فقد صار عدلاً مطلقاص، فيجب أن يصح قبول شهادته يكشف ذلك أن العدالة ليست غير صحة الإعتقاد، فإذا كان الإنسان صحيح الإعتقاد وجب أن يكون عدلاً في اعتقاده، كما أنَّه إذا كان صحيح الأفعال كان عدلاً في أفعاله على أن الجلد لو اسقط عدالة الدين لكان الواجب على ما أصلتموه أن يكون كل من فسق لا تقبل شهادته أبداً أي فسق كان؛ لأن فسقه عندكم يكون قد أزال عدلة دنه وفعله وتوبته إنَّما تحصل عندكم عدالة فعله دون عدالة دينه، وهذا ظاهر البطلان.
فإن قيل: رد الشهادة لا يتعلق بالقذف بل يتعلق بالجلد؛ لأن القاذف يحتمل أن يكون صادقاً ويحتمل أن يكون كاذباً.
قيل له: فمن أقيم عليه الشهادة أنَّه زنا بجارية غيره يجوز أن يكون ملكها على صاحبها فاحتمل أن يكون وطئه حلالاً، واحتمل أن يكون زناً، فلا يجب أن يتعلق رد شهادته بالزنا.(104/6)


فإن قيل: فالحكم إذا حكم برد شهادة فاسق قد حكم الحاكم بإطبالها يعينها فلم يجز أن تقبل وليس كذلك وشهادة القاذف بعد التوبة؛ لأن الحاكم لم يحكم بإبطالها بعينها وعلى أن الفاسق إذا أعاد شهادته بعد التوبة كان متهماً أنَّه أراد بها تصديق نفسه، وليس كذلك القاذف.
قيل له: لسي الأمر الأمر كذلك؛ لأنَّه ليست هناك شهداة تبطلها بعينها، فأما إن كان الحاكم من يرى إبطال شهادة القاذف بعد التوبة فحكم عليه بذلك ففيه نظر وليس هو منصوصاً عن أصحابنا ولا يبعد عندي أن لا تقبل شهادته هذا إن صح الحكم به والقرب أن لا يصح الحكم به؛ لأنَّه لا يصح أن تكون هناك دعوى مدع وجملة الأمر فيه نظر.
فإن قيل: فقد قال الله عز وجل: {فَأُلَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} ومن ثبت عند الله من الكاذبين لم تقبل شهادته.(104/7)

132 / 149
ع
En
A+
A-