قيل له: في الحديث ما يبطل هذا التأويل؛ لأن فيه أنَّه اعترف ثُمَّ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرتين أو ثلاثاً، ولو كان الأمر على ما قلتم لكان يقول ذلك مرة واحدة، وقد روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال لماعز حين أقر بالرابعة: لعلك لمست، لعلك قبلت، فلقنه ما يجوز أن يكون رجوعاً، وكذلك قوله: أتدري ما الزنا، قال: نعم، يدل على ذلك، وروي عن علي عليه السلام أنَّه قال للتي أقرت عنده بالزنا، لعلك اعتصبت لعلك زوجك من عدونا، فكان ذلك كله تلقين الرجوع، فلو لا أن رجوع المقر كان صحيحاً كان لا معنى لذلك، وروي في قصة ماعز بن مالك أنَّه لما أخذه حر الحجارة واشتد فهرب فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز.... فرماه بلحي جمل فقتله فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: هلا تركتموه، وكذلك فيما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام في قصة المعترف بالزنا لما أمر برجمه فرَّ فأخذه حر الحجارة

، ثُمَّ مؤخر صلى عليه، فلما منع نفسه من بذله ن القول، قال صلى الله عليه وآله وسلم: <هلا مقدم تركتموه> فلقيه رجلبلحي جمل فقتله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <صلى الله عليه وآله وسلم: <هلا ترتموه إلى..> إذا ثبت أن هربه يوجب تركه مع احتماله ألا يكون الهرب للرجوع بل لأغراض كثيرة كان الرجوع عن الأقوال بذلك أولى.
فإن قيل: كيف يجوز أن يقول لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وهم لو تركوه لكانوا عصاة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أمرهم به.(103/36)


قيل له: لا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرفهم أن الرجوع عن الإقرار يوجب سقوط الحد، فهلا اعتبروا أمر الهرب وهلا ردوه إلى الرجوع فيتركوه إلى أن يعود أولى إن ارتابوا به، فإن هذا القدر من الإجتهاد جائز في حال غيبتهم عن مشاهدة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <من أبدا لنا صفحته أقمنا عليه حد الله>.
قيل له: معناه من أقام على ذلك، فأما من رجع فليس هو في تلك الحال مبدياً صفحته.
فإن قيل: فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لأنيس: <إن اعترفت فارجمها>.
قيل له: معناه أن إقامت على الإعتراف كما تقول إن أقام البينة فاحكم له معناه إن ثبت الشهود على الشهادة، ألا ترى أنَّه لو رجمها وقد رجعت عن الإعتراف يكون قد رجمها وهي غير معترفة.
فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <فما بلغني من حد وجب>.
قيل له: لا يختلف في الوجوب، وإنما اختلفنا في السقوط إذا رجع عن الإقرار، ألا ترى أنَّه قد يجب بالشهادة، ثُمَّ يسقط برجوع الشهود، قال الجصاص: روي عن علي عليه السلام أنَّه أمر بضرب عبد أقر عنده بالزنا، وقال: للضارب أضربه حتى يقول أمسكه ولا يحتمل ذلك إلاَّ معنى الرجوع عن الإقرار، وأيضاً هو معنى يثبت ........... الزنا، فيجب أن يسقطه الرجوع كالشهادة على أن الحود مبنية على التسهيل، على أنها تدرأ بالشبهات وعلى أنَّه يستحب للإمام طلب وجه موصل إلى إسقاطها، فخالف في ذكر القصاص وحد القاذف وحقوق الأموال؛ لأن هذه الأشياء من حقوق بني آدم، فكان ذلك شاهداً لما هبنا إليه ومؤكداً له، قال: وإن أقام على اعترافه أقام عليه حد مثله، وذلك مما لا خلاف فيه؛ لأن إقراره جائز عليه، وإنما الخلاف في الرجوع منه؛ ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم من أقام على إقراع وقع، وكذا فعل أمير المؤمنين.
مسألة(103/37)


قال: ويقام على المملوك الحد إذا قر على نفسه بالزنا أربع مرات وعمل في أمره ما وصفنا وذلك أن حكم المملوك حكم الحر إلاَّ في الرجم وفي عدد الجلد، فأما في غير ذلك من اعترافه والشهادة عليه فحكمه حكم الحر.(103/38)


باب القول في حد القاذف
أيما رجل مسلم بالغ عاقل قذفه بالغ عاقل كان بالخيارين العفو عن القاذف ورفعه إلى الإمام، فإن .... إلى الإمام وثبت عند الإمام قذفه بإقرار القاذف وبينة المقذوف، سأل الإمام القاذف عن بينته بصحة ما قذفه، فإن أقام بينة أقيم على المقذوف حد مثله ولم يجب على القاذف شيء، وإن لم يقم بينة ضربه الإمام ثمانين جلدة إن كانحراً، وإن كان عبداً ضربه ثمانين جلدة، الأصل في ذلك قول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتُ..}الآية، وهذه الجملة لا خلاف فيها بين المسلمين، وقلنا إن المقذوف يجب أن يكون حراً مسلما؛ لأنهلا خلاف أحفظ في أن من قذف ذمياً أو عبداص فلا حدَّ عليه، ويجب أن يكون عاقلاً عفيفاً في الظاهر عن الزنا؛ لأنَّه لا خلاف في أن من قذف مجنوناً فهو في حكم من قذف صبياً في أنَّه لا حد عليه، كذلك ويجب أن يكون عفيفاً؛ أن من ظهر عليه الزنا فلا خلاف أنَّه لا حد على قاذفه، وقد قال الله عز وجل: {وَلَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ} فبان أنَّه إن أقام البينة على صحة ما قذفه به لم يلزمه الحد، فثبت أنَّه لابد من العفاف، فصار معنى الإحصان الذي يلزم به القاذف الحد إن يكون حراً مسلماً بالغاً عاقلاً عفيفاً عن الزنا والقاذف يجب أن يكون بالغاً عاقلاً؛ لأن العقوبة لا تلزم إلاَّ البالغ العاقل، فإن كان حراً قذف جلد ثمانين جلدة، كما نطق به ظاهر القرآن وإن كان عبداً جلد أربعين جلدة؛ إذ الدلالة قد دلت على أن حد العبد على النصف ن حد الحر فيما هو أعظم منالقذف وهو الزنا، فكذلك في حد القذف، والمعنى أنَّه حد يمكن تنصيفه، ولا خلاف أن للمقذوف أن يعفو قبل رفعه إلى الإمام، وأنه ليس له ذلك بعد رفعه؛ لأنَّه ليس كالقصاص في أنَّه حق محض للآدمي.
مسألة(104/1)


قال: ولا يجوز قبول شهادة القاذف بعد ما حد أو لزمه الحد إلاأن يتوب من قذفه، وذلك لقول الله عز وجل: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِيْنَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}، وبه قال: ولست أحفظ فيه خلافاً بين أهل اليبت، قال أبو حنيفة وأصحابه: لا تقبل شهادته ابداً تاب أو لم يتب، فظاهر الآية يدلعلى صحة ما ذهبنا إليه؛ لأن من حكم الإستثناء يصح رجوعه إلى جميع ما تقدم، فإذا صح رجوعه إلى الجميع وجب ذلك ولم يجز تخصيص بواحدة منه دون غيره إلاَّ بالدلالة، ألا ترى أن الشرط يجب أن يرجع إلى جميع ما تقدم؛ لأن قائلاً لو قال: علي صدقة درهم وصيام يوم وإطعام مسكين إن دخلت الدار، كان ذلك راجعاً إلى الجميع، فكذلك الإستثناء؛ لأن صحة رجوع كلواحد منهما إلى الجميع على سواء.
فإنقيل:قول الله تعالى:{وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} يدلعلى ما قلناه، وإلا لم يكن لذكر التأبيد معنى؛ لأن المنع من قبول شهادتهم قد علم بقوله: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} فلا بد من أن يكون لذكر التأبيد فائدة أخرى.
قيل له: ذكرالتأبيد يدخل في الكلام للتأكيد، لا لأن يفيده فائدة أكثر من التأكيد، ألا ترى أن الله تعالى قال: {وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِيْنَ فِيْهَا أَبَداً} ولم نستفد {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ نُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيْهَا}، وقال تعالى في موضع آخر: {وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَّ خَالِدِيْنَ فِيْهَا أَبَداً} فلم نستفد بإحدى الآيتين إلاَّ ما استفدناه بالأحرى ولميكن لذكر التأبيد فائدة أكثر من التأكيد، فكذلك في آية القاذفين.(104/2)

131 / 149
ع
En
A+
A-