قال: وإذا شهدوا بالإحصان ثُمَّ تبين للإمام خلاف ذلك، كان القول فيه كالقول فيمن شهد بالحرية ثُمَّ تبين للإمام خلاف ذلك، وذلك أن الحرية في هذا الباب كالإحصان، وتعلق الحد به كتعلقها، فلذلك قلنا أن حكمها في هذا الباب واحدٌ، وقال: ولو أن أربعة شهدوا على رجل بالزنا فوجد أحدهم ذمياً أو .... أو مجنوناً، وروي عنه الحد، وعن الشهود جميعاً، أما درء الحد عن المشهود عليه، فإن الشهادة لم تحصل على وجه يوجب الحد؛ لأن الشهادة مفتقرة إلى العدالة والإسلام، ثُمَّ إلى صحة البصر؛ لأن هذه شهادة عن معانيه وأوجبنا سقوط الحد عن الشهود؛ لأن الشهادة قد تمت من جهة العدد، فصار ذلك شبهة في درء الحد عن الشهود، قال: وإن كان الإمام قد أمضى الحد بشهادتهم ثُمَّ عرف ذلك من حالهم كان عليه إخراج ما يجب فيه من بيت مال المسلمين، وذلك أن هذا من خطأ الإمام وقد بينا أن الإمام إذا أخطأ فيما هذا سبيله فيجب أن يكون ضمانه من بيت مال المسلمين.
مسألة
قال: ولا تجوز شهادة النساء في شيء من الحدود وسواء كن وحدهن أو كان معهن رجال، وهذا مما لا أحفظ فيه خلافاً، وروى الزهري قال: قد مضت السنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخليفتين من بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود، ولا في القصاص.
مسألة(103/31)
قال: ومن اعترف بالزنا من رجل أو امرأة فلا حد عليه حتى يقر عند الإمام أربع مرات، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه قال الشافعي: يحد بإقراره مرة واحدة، والأصل فيه ما روي عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن رجلاً من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع مرات فلما أن جاء في الخامسة، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <أتدري ما الزنا>؟ قال: نعم أتيتها حراماً حتى غاب ذاك منني في ذاك منها كما تغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجمه فرجم، وعن سماك بن حرب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاء ماعز إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعترف بالزنا مرتين، فقال: شهدت نفسك أربع مرات، فاذهبوا فارجموه، وروى نحوه عن سماك، عن جابر بن سمرة، وعن يزيد بن نعيم بن هزال، عن أبيه ذكر قصة ماعز، وأنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأقم علي حد الله، فأعرض عنه فعاد حتى قال أربع مرات، وذكر الحديث، وعن جابر بن عبد الله أن رجلاً من أسلم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد فناداه فحدثه أنَّه زنا فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتنحا لشقه الذي أعرض فأخبره أنَّه زنا وشهد على نفسه أنَّه زنا أربع مرات، فقال: هل بك جنونٌ؟ قال: لا. قال: فهل حصنت؟ قال: نعم: فأمر به أن يرجم بالمصلى، وعن ابن شداد عن أبي ذر، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأتاه رجل فأقر عنده بالزنا فرده أربعاً، ثُمَّ نزل فأمرنا فحضرنا له حفرة ليست بالطويلة، فأمر به فرجم، وروي عن الشعبي، عن أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رد ماعزاً أربع مرات، وروي نحوه عن هريرة فدل طاهر هذه الأخبار على أن الحد وجب بعد الرابع.(103/32)
فإن قيل: إنَّما كان الترديد لأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم استراب بعقله ولم يصرح بالزنا، وروي أنَّه جاء كاسر الرأس محمر العينين.
قيل له: كل ذلك كان ممكناً في دفعة واحدة لولا أن الحد وجب بعد الرابع على أن علياً ذكر أن رجلاً من أشلح جاء فشهد على نفسه بالزنا وفيما روي عن ابن عباس أنَّه صلى الله عليه آله وسلم قال: شهدت على نفسك أربع مرات، فدل ذلك على أن إقراره كان قد صح في كل مرة، فلو كان الحد يجب بإقراره مرة واحدة لم يجز أن يردده، ألا ترى إلى ما روى عنه أنَّه قال: ما ينبغي لوالٍ أن يؤتى بحدٍ إلاَّ أقامه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: <تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد> ويدل على ذلك ما روي أن أبا بكر، قال له: إنك إن اعترفت الرابعة رجمك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وروي عن بريدة أنا كنا نتحدث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الغامدية وماعز بن مالك لو ارجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما وإنما رجمهما بعد الرابعة، فدل ذلك على أن حكم الإقرار كان معلوماً عندهم وإن الحد لا يجب إلاَّ بعد الرابع.
فإن قيل: فقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <اغد يا أنيس على امرأته فإن أقرت فارجمها> دليلٌ على أن الرجم يجب بإقراره من مرة واحدة.(103/33)
قيل له: ليس في ذلك بيان عدا الإقرار، هذا كما يقول إن أقام البينة فافعل لا يفعل من هذا عدد البينة ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أطلق ذلك القول لأنيس؛ لأنَّه كان عرف حكم عدد الإقرار، ألا ترى أنَّه لم يقل له سئل عن عقلها، وإن كان لابد منه، وروي عن علي رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن امرأة أتته فاعترفت عنده بالزنا، فرددها حتى فعلت ذلك أربع مرات ثُمَّ رجم ولا يحفظ عن أحد من الصحابة أنَّه خالفه، فجرى مجرى الإجماع منهم، ويؤكد ذلك أن الحدود لا يجب إقامتها إلاَّ توقيفاً لا توقيف في الإقرار دون أربع مرات؛ لأن معنىً يثبت به حد هو حق لله خالصاً، فوجب أن يعتبر فيه العدد .... الشهادة أكد حكماً من الإقرار لإمكان أن يسقط الحد عن نفسه بعد الإقرار، فلما روعي في الشهادة من التأكيد ما لم يراع في سائر الشهادات كان الإقرار أولى بذلك.
فإن قيل: فقد روي يبدلنا صفحته نقم عليه حد الله.(103/34)
قيل له: الخلاف فيما تبدأ به الصفحة وعلي الإمام أن يزجره عند كل إقرارةٍ زجرة خفيفة، وذلك لما روي أن ابن عباس قال: إن ماعزاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقر بالزنا مرتين فطرده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي غيره من الأحاديث أنَّه أعرض عنه، قال: وإذا أقر أربع مرات سأله عن الزنا ماهو؟ وكيف هو؟ فإن عرف سأل عن عقله، إذا أصح له عقله عرفه أنَّه إن يثبت على إقراره أقام عليه حد مثله لما روي عن علي عليه السلام أنَّه قال في الخامسة أتدري ما الزنا؟ فقال: نعم أتيتها حراماً حتى غاب ذلك مني في ذاك منها كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر، وروي أنَّه قال لما عز إنك مجنون، قال: لا. ولما روي عن أبي بكر أنَّه قال: إن أقررت الرابعة رجمك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويكون إقامه في الثبات على الإقرار على بصيرة، قال: فإن وقع في إقراره شيء يوجب درء الحد درأه عنه؛ لأن الإقرار لا يكون قدتم ووقع على وجه يوجب الحد وبقوله، ادرؤوا الحد بالشبهات، ولما روي عن علي عليه السلام أنَّه قال: لأن أخطئ في العفو أحب إليَّ من أن أخطي في العقوبة.
مسألة
قال: فإن رجع عن إقراره بعد ذلك كله قبل الإمام رجوعه ودرأ عنه الحد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وحكي عن مالك وصاحب الظاهري أنَّه لا يقبل رجوعه، والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ما روي عن أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومي أن النبي صلى الله عليه عليه وآله وسلم أتي بلص قد اعترف اعترافاً ولم يوجد معه متاعاً فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <ما أخالك شرقت> قال: بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً فأمر به فقطع، فدل هذا الحديث على أن الرجوع بعد الاعتراف صحيح لو لا ذلك لم يكن في تلقين النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياه فائدة.
فإن قيل: عندكم القطع لا يجب إلاَّ بعد إقرار مرتين، فما أنكرتم أن يكون لفن؛ لأن الإقرار لم يكن استقر بعد.(103/35)