قيل له: هذا غلط وذلك أن الجناية لم تثبت باعترافه؛ لأن جنايته قد عرفها الإمام والمسلمون؛ لأن جنايته كانت هي الشهادة، وتلك لم تعرف من جهته، والرجوع ليس بجناية، وادعاء الخطأ ليس بجناية، فصح ما قلناه، فأما إذا قال: تعمدت لزمه القود؛ لأنَّه أقر بإتلاف النفس على وجه العمد على وجه يوجب القتل؛ لأن القتل بالرجم يوجب القود إذا وقع ظلماً؛ لأن رجوعه عن الشهادة مع قوله تعمدت وقد نفذ الفعل يجري مجرى إقراره بأنه فعل الفعل الذي فعله الحاكم على سبيل العمد، فكأنه قال: رجمته متعمداً، فوجب أن يقتل ويدل عليه قول أمير المؤمنين، ولو علمت أنكما تعمدتما لقطعت أيديكما، فبين أنَّما ثبت عليه أنَّه تعمد بشهادته مما يؤدي إلى التلف يلزمه فيه العمد، قال: أو صالح أو لياء الميت من خاصة ماله لا خلاف فيه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم <لا تعقل العاقلة عمداً>.
مسألة
قال: وإذا شهد بالزنا شاهدٌ واحد ثُمَّ نكل الثاني أو شهد شاهدان ثُمَّ نكل الثالث أو شهد ثلاثة ثُمَّ نكل الرابع وجب على من شهد حد القاذف ولم يلزم المشهود عليه ولا الناكل شيء، وبه قال أبو حنيفة وأحد قولي الشافعي لزمهم الحد؛ لأنهم لما لم تعم شهادتهم صاروا قذفه فلزم كل واحد حداً يقذف، وروي أن ثلاثة منهم أبو بكرة شهدوا عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنا ونكل زياد بن أبيه فحد عمر الثلاثة ولم يلزم زياداً في نكوله ولا المغيرة بشهادة الثلاثة عليه شيئاً وذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكره أحد، فجرى مجرى الإجماع، وإنما لم يلزم المشهود عليه شيء؛ لأن الشهادة عليه لم تتم ولم يلزم الناكل شيء؛ لأنَّه لم يدخل في أمره فهو كسائر الأجانب.
مسألة(103/26)


قال: ولا تثبت الشهادة على الزنا حتى يشهدوا أنهم رأوه يزني في وقت واحد ومكان واحدٍ فإذا اختلفت الشهود في الموضع الذي وقع فيه الزنا درئ عنه الحد، وعنهم جميعاً، وهذه الجملة لا خلاف فيها إلاَّ في موضع أذكره؛ لأن الشهادة على الإيلاج لا تتم إلاَّ بالرؤية والمعاينة، وإذا اختلفوا في المكان أو الوقت لم تثبت شهادتهم؛ لأن شهادة كل واحد منهم تكون على غير ما شهد به الآخر؛ لأن الأفعال تتغاير بتغاير الأزمنة والأمكنة، فلا تكون شهادتهم متناولة أمراً واحداً، قال أبو حنيفة: إن اختلف الشهود في زوايا البيت قبلت شهادتهم وبه قال أبو يوسف ومحمد، قال: والقياس يوجب ألا تقبل لكنها قبلت استحساناً، وعن زفر والشافعي أنها لا تقبل وهو الصَّحيح للوجه الذي بينا أن تغاير الأمكنة يقتضي تغاير الأفعال وإن شهادتهم لا تكون واقعة على أمر واحد، ألا ترى أنهم لو اختلفوا في البيوت لبطلت شهادتهم، فكذلك إذا اختلفوا في الزوايا للعلة التي ذكرناها وأصحابه خرجوا ذلك على البيت الصغير الذي تتقارب زواياه فيراه بعض الشهود فيقدر أنَّه أقرب إلى بعض الزوايا وبعضهم يقدره إلى الزوايا الأخرى أو الحركات تقضي به من زاوية إلى زاوية، وكل ذلك بعيد وأقل ما فيه أن شبهه، ويدرا بها الحدود، وأما الشهود لا يحدون؛ لأن عدد الشهادة قد حصل فيدرأ عنهم الحد لذلك أو لأن أقل ما فيه أنَّه شبهة فيدرأ بها عنهم حد القذف، وهذا مما لست أحفظ عن غير أصحابنا.
فصل(103/27)


كلامه في الأحكام يقتضي أن الشهود لو حضروا الحاكم مفترقين بطلت شهادتهم وبه قال الشافعي: وقال أبو حنيفة إن حضروا مفترقين بطلت شهادتهم وكانوا قذفه، ويدل على صحة قولنا قول الله تعالى: {فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةٌ مِنْكُمْ}، وقال: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتُ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءِ}، فعلق الحكم على عدد الشهود ولم يشترط فيه الاجتماع ولا الافتراق فعلى أي وجه حضروا وأدوا الشهادة تكون شهادتهم ثابتة، وروي أن هلال بن أمية لما رمى زوجته بالزنا، قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <ائتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك> ولم يشترط أن يكونوا مجتمعين وأيضاً لا خلاف بيننا وبينهم أنهم إذا اجتمعوا عند الحاكم، ثم شهدوا مفترقين؛ لأن شهادة الأربعة قد تمت، وأيضاً سائر الشهادات لا فرق بين اجتماع الشهود عليها أو افتراقهم إذا تم العدد، فكذلك شهود الزنا إذا تم العدد، إن قالوا: إذا جاء واحداً في الشهادة على أنا لا نسلم لهم أنهم يصيرون قذفه بعد أن تم الشهادة أربع.
فإن قيل: لو جاز انتظار الواحد بعد الواحد لم يجب إقامة حد القاذف على الشاهدين أو الثلاثة لجواز أن يجيء من تتم بهم الشهادة.
قيل له: هذا يلزمكم فيما لتزمتموه؛ لأنَّه كان يجب ألا يقام الحد لجواز أن لا يحضروا أربعة مجتمعين.
مسألة(103/28)


قال: ولو أن شاهدين شهدا بالإحسان على الزاني ثُمَّ رجع أحدهما قبل إمضاء الحد لم يلزم الذي لم يرجع شيء، وكان للإمام أن يؤدب الراجع أن بأن له منه تخليط وإذا رجع أحدهما بطل الإحصان؛ لأن الحد لم يمض والمقيم على الشهادة لا شيء عليه؛ لأنَّه لم يكذب نفسه وللإمام أن يرى رأيه في تأديب الراجع أن بأن له منه ما يجري مجرى الخيانة في إقامة الشهادة أو الرجوع عنها لجنايته في أمر يتعلق بذم المسلم أو بإبطال حد لله عز وجل، قال، فإن رجع بعدما مضى الحد أن القول في إلزامه الدية أو القتل كالقول فيمن شهد بالزنا ثُمَّ رجع، قال أبو حنيفة: أن الشهود إذا شهدوا بالزناء والإحسان ثُمَّ زكاهم المزكون حتى أمضى الحد ورجع المزكون عن التزكية أنهم يضمنون قال أبو يوسف ومحمد لا يضمنون ووجه ما ذهبنا إليه أن الرجم ثبت بشهادة شهود الإحصان مع شهود الزنا، ألا ترى أن شهود الزنا شهدوا لم تشهد شهود الإحصان، كان لا يرجم، فإذا ثبت ذلك جرى مجرى شهود الزنا في انهم يضمنون إذا رجعوا، وليس كذلك المزكون؛ لأنهم لم يشهدوا على محصن بالزنا فرجم ثُمَّ علم الإمام أنَّه كان مجنوناً لزم الإمام أن يؤدي ديته من بيت مال المسلمين، وذلك أنَّه خطأ وقع من جهة الإمام، فوجب أن يكون ضمانه راجعاً إلى بيت مال المسلمين على ما سلف القول فيه، قال: وإن وجده الإمام مملوكاً عبد الرجم وجب عليه إخراج قيمته من بيت المال، فإن كان الشهود شهدوا بحريته ثُمَّ وجد مملوكاًً كانت قيمته لمولاه على الشهود والوجه في هذا ما تقدم، فلا معنى لإعادته.
مسألة(103/29)


قال: ولو أن امرأة قامت عليها الشهادة بالزنا، وأقيم عليها الحد ثُمَّ شهد نسوة أنها رتقاً لم يكن على الإمام ولا على الشهود شيء، وذلك أن الأموال لا تضمن بشهادة النساء وحدهن، وأما الحدود فلا تقبل فيها شهادة النساء أصلاً ولو لزم الشهود شيئاً لكان هو الأرش أو حد القاذف وأيضاً لا يجب أن ينقض حكم قد أمضي بشهادة لشهادة مثلها، كما أن الحكم إذا مضى بشيء من الاجتهاد مل ينقض باجتهاد مثله هذا لو تساوت الشهادتان، فكيف وقد بينا أن هذه الشهادة الأخيرة لا تقع موقعها، قال: وإن شهد نسوة بذلك قبل إقامة الحد سقط عن الشهود عليها أيضاً الحد، وذلك أن شهادتهن وإن لم توجب حد القذف على الشهود فأقل ما فيها أن تصير شبهة في درء الحد عن التي قامت عليها الشاهدة بالزنا فسقط عنها الحد، وروى محمد بن منصور بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السلام أنه أتى بامرأة بكر زعموا أنها زنت فأمر النساء فنظرت إليها قلنا هي عذراء، فقال علي عليه السلام: ما كنت لأضرب من عليها خاتم الله، وكان يجيز شهادة النساء في مثل هذا فأجاز شهادتهن لإسقاط الحد ووجهه أنَّه جعلها شبهة في الحديث.
مسألة(103/30)

129 / 149
ع
En
A+
A-