قال: ولو أن رجلاً زنا بنساء عدة ثُمَّ رفع إلى الإمام أقام عليه حداً واحداً، فإن عاود الزنا بعد الحد أعيد عليه الحد، وكذلك إن زنا بامرأة واحدة فعادت ثُمَّ رفع إلى الإمام لم يكن عليه إلاَّ حد واحد، وذلك لقول الله عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِيْ فَاجْلُدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}، ولم يشترط أن يكون الزنا مرة واحدة أو مراراً والمزني بها واحدة أو أكثر، فوجب بحكم الظاهر أن على كل زانٍ وزانية مائة جلدة من غير اعتبار ما ذكرناه، أيضاً لزمه الحد لكونه زنياً كما لزمت الطهارة لكون الإنسان محدثاً، فلم يجب أن يكون تعدد الزنا معتبراً كما لم يجب أن يكون تعدد الأحداث معتبراً؛ لأن الحكم تعلق بالصفة في الموضعين لا تعدد الأفعال، فإن عاد توجه الحكم عليه. ثانياً كما يتوجه في الحد، وهكذا القول في كفارة الظهار وكفارة اليمين.
مسألة
قال: وأقل من يحضر الحد الإمام والجلاد وثلاثة وذلك لقول الله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ}، وأقلهم خمسة، الإمام أو من يقوم مقامه والشهود الأربعة ويجلد أحدهم.
باب القول في الشهادة على الزنا(103/21)


لا يجب الحد على من لم يعترف بالزنا حتى يشهد عليه أربعة بالإيلاج، وهذا ما لا خلاف فيه، لقول الله تعالى: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتُ} الآية، فلم يثبت صحة ما رمي إلاَّ بأربعة شهداء، وقال الله تعالى: {وَاللائِيْ يَأْتِيْنَ الفَاحِشَةَ مِنْ نَسَائِكُمْ} إلى قوله: {فَامْسِكُوهُنَّ فِيْ الْبُيُوتِ} فنسخ الإمساك بالجلد والرجم وبقي حكم الشهادة على ما كان لا ناسخ له، ويجب أن يشهدوا على المعاينة للإيلاج لا خلاف فيه لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه استفسر المقر بالزنا على هذا الحد وعلى مذهب يحيى عليه السلام وما نبه عليه في المنتخب يجب أن تكون الشهادة على إتيان الذكران أربعة كالشهادة على الزنا، وكذلك على تمكين المرأة من دبرها، وذلك أنَّه عز وجل لما قال: {وَاللاتِيْ يَأْتِيْنَ الْفَاحِشَةَ} وقد ثبت أن التمكين من الدبر من الفاحشة؛ لأن الله عز وجل سماه فاحشة في غير موضع من القرآن عند ذكر قوم لوط ولم يستثن عز وجل فاحشة من فاحشة فوجب أن يكون الجميع لا يصح إثباته إلاَّ بأربعة، وكذا لما قال الله: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتُ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ}، فكذلك إتيان الذكران، والعلة أن كل واحد منهما فاحشة لا تتم إلاَّ بنفسين، وقد نبه على هذا في المنتخب إن تقول، قد ثبت عندنا أن للرجم مدخلاً في إتيان الذكران، فأشبه الزنا في هذا فوجب أن لا يثبت إلاَّ بشهادة أربعة، وبه قال الشافعي.
مسألة(103/22)


قال: وإذا شهد أربعة بذلك وجب على الإمام أن يسأل عن إسلام الشهود وعدالتهم وعقولهم وحصة أبصارهم، وذلك لأن الشهادة لا تتم إلاَّ بذلك؛ لان من ليس بعدل ولا بعاقل لا تقبل شهادته في شيء من الحقوق، فأولى أن لا يقبل في الحدود، كذلك من كان في بصره آفة تمنعه من الإدراك لا يصح أن يشهد على المعاينة، قال: وإذا ثبت عنده وجب أن يسأل هل بينهم وبين المشهود عليه عداوة، فإن لم يعرف بينهم عداوة وجب أن يسأل عن المشهود عليه هل هو عاقل، ثُمَّ يسأل عنه، هل هو حر أو عبد محسن أو غير محصن، فإذا ابن له جميع ذلك أقام عليه حد مثله وجب أن يسأل هبل بين الشهود والمشهود عليه عداوة؛ لأن العداوة توجب أشبهه لما يعرض فيها من التهمة، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: <ادرؤوا الحدود بالشبهات، وكذلك يسأل عن الحرية الرق والإحصان؛ لأن الحكم في جميع ذلك يتغير وعلى الإمام أن لا يجاوز في الحد ما أمر به ولا يقصر دونه وذلك لا يتم إلاَّ بما ذكرنا.
مسألة
قال: وتثبت العدالة والحرية بشاهدين ويجيء على قوله برجل وامرأتين؛ لأنها كسائر الحقوق من النكاح والطلاق والديون وما أشبه ذلك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأظن أن قول الشافعي أنهما يثبتان بشاهدين فقط.
مسألة(103/23)


قالوا: ولو أن أربعة شهدوا على رجل بالزنا عند الإمام ثُمَّ رجع بعضهم، كان على الراجع حد القاذف، ولم يجب الحد على باقي الشهود ولا على المشهود عليه عند أبي حنيفة وأبي يوسف أنَّه رجع قبل أن يضرب، وقبل أن يكمل الحد حد الجميع حد القاذف، وإن رجع بعد تكميل الحد حد الراجع وحده، وعند زفر لأحد على الراجع، وعند محمد إن رجع قبل الحكم حدوا جميعاً وإن رجع بعد الحكم حد الراجع وحده ووجه ما ذهبنا إليه أن الشهادة بالوقوع قد تمت فرجع من يرجع لا يمنع من صحة وقوعها فيجب أن يدرأ عنهم الحد؛ لأن الله تعالى أوجب حد القاذف بشرط أن لا يشهد أربعة على ذلك، فإذا شهدوا لم يجب الحد وأيضاً لا خلاف بيننا وبينهم أن بعد تكميل الحد لا يحد من لم يرجع، فكذلك قبل ذلك، والمعنى أن شهادة الأربعة قد حصلت فلا معتبر برجوع من يرجع بعد ذلك.
فإن قيل: الشهادة ما لم يقع بها الحكم أو يقع بها الحد في حكم ما لم يكن.
قيل له: ليس ذلك كذلك؛ لأن الشهادة إذا حصلت لو كانت في حكم ما لم تحصل لم تجب أن تقع بها حكم ولا أن يقام بها حد وفي صحة ذلك دليل على أنها إذا حصلت كانت حاصلة وسقط حكم القذف على أن الحدود تدرأ بالشبهات، وحصل شهادة الأربعة أقل ما فيها أن تكون شبهة في درء الحد، فأما الراجع فيلزمه الحد خلافاً لما ذهب إليه زفر؛ لأنَّه أقر على نفسه بالقذف، ولا ينفعه حصول الشهادة؛ لأنَّه مكذب بها، وقلنا: لا شيء على المشهود عليه؛ لأن الشهادة قد اختلت وصارت غير تامة؛ لأنَّه لا خلاف فيه؛ لأنا لو حددناه لحددناه شهادة ثلاثة، وذلك خلاف ما أمرنا به.
مسألة(103/24)


قال: وإن رجع بعد أن أقيم الحد على المشهود عليه لزمه بقسط شهادته من أرش الضرب وإن كان رجماً لزمه من الدية بقسطها وهو الربع، فإن كان جلد ورجم في دفعة فالواجب أن يضمن ربع الدية؛ لأن الأرش يدخل في الدية، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا أرش عليه ولا دية، والدليل على ما قلناه أنَّه أقر بإتلاف العضو والنفس، فوجب أن يضمن؛ لأن ما فعله الإمام بشهادته في حكم ما فعله دليله لو شهد بمال فحكم بشهادته وسلم المال إلى المدعي ثُمَّ رجع أنها يضمن؛ لأنَّه أقر بإتلاف ما تلف بشهادته، ويدل على ذلك ما رواه زيد، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهما السلام أن شاهدين شهدا عنده على رجل أنَّه سرق فقطع يده ثُمَّ جاء بالآخر فقالا: يا أمير المؤمنين غلطنا هذا الذي سرق، والأول بريء، فقال عليه السلام عليكما دية الأول ولا أصدقكما على هذا الآخر، ولو أعلم أنكما تعمدتما قطع يديه لقطعت أيديكما ولم يرو عن غيره من الصحابة خلاف فجرى مجرى أجملهم على أن قوله عندنا حجة.
مسألة
قال: وإن ادعى الراجع خطأ كان ذلك عالته، وإن ادعى التعمد قتله به، وذلك أن الخطأ في الجناية على بني آدم يلزم العاقلة لا خلاف فيه.
فإن قيل: فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <لا تعقل العاقلة عمداً إلى قوله: <ولا اعترافاً، وهذا أقرب بالخطأ، فيجب أن لا يلزم العاقلة.(103/25)

128 / 149
ع
En
A+
A-