قال: ويحفر للمرجوم إلى سرته وللمرجومة إلى ثدييها، ويترك لهما أيديهما يتوقيان بهما، والأصل في ذلك ما روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى الشدوة، ثُمَّ رماها بحصاة مثل الحمصة، ثُمَّ قال: ارموا واتقوا الوجه، وروي عن أبي ذر، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعترف رجل عنده بالزنا فرده أربع مرات ثُمَّ أمر فحفر له حفرة ليست بالطويلة فرجم، وروي إنَّه صلى الله عليه وآله وسلم حفر للغامدية حين رجمها ويترك لهما أيديهما؛ لأن الوثاق لم يؤمر به فيكون ذلك زيادة في العقاب غير مستحقه، قال يحيى بن الحسين: وتضرب الأعضاء كلها إلاَّ الوجه فيكون ترك اليدين ليبقي الوجه بهما، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: <ارموا واتقوا الوجه> فدل ذلك على أن الوجه لا يضرب في شيء من الحدود، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أن امرأة أتته فاعترفت بالزنا فردها حتى فعلت ذلك أربع مرات ثُمَّ حبسها حتى وضعت ما في بطنها فلما وضعت لم يرجمها حتى وجد من يكفل ولدها ثُمَّ أمر بها فجلدت، ثُمَّ حفر لها بئراً إلى ثدييها، ثُمَّ رجم ثُمَّ أمر الناس فرجموا.
مسألة
قال والمرحوم بالإقرار يبتدئه الإمام بالرجم، ثُمَّ المسلمون والمرجوم بالشهادة يبتدئه الشهود بالرجم، ثُمَّ الإمام ثُمَّ المسلمون، وذلك لما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه لما رجم المرأة قال: أيما حد أقامه الإمام بالإقرار رجم الإمام ورجم الناس وأيما حد أقامه الإمام بالشهود فالشهود يرجمون ثُمَّ يرجم الإمام ثُمَّ المسلمون؛ ولأن ذلك أبعد من التهمة، ولا أحفظ في ذلك خلافاً وذكره الطحاوي في مختصره.
مسألة(103/16)


قال: ومن وطئ مستأجرة أو مستعارة وجب عليه الحد، وكذلك من وطئ امرأة تزوج بها وهي ممن لا يجوز له التزوج بها عالماً بالتحريم لزمه الحد، أما المستعارة والمستأجرة إذا وطئها المستعير والمستأجر، فإنا نوجب عليه الحد؛ لأنَّه زنا محصن، ألا ترى أنَّه لم يقع مع عقد نكاح ولا شبهة من عقد ولا مع ملك ولا شبهة ملك فلم يكن وجه لدفع الحد عنه، فأما من تزوج عن لا يحل له التزويج بها بالإجماع، كذات رحم محرم أو ما أشبهه، فإن أبا حنيفة يقول لأحد أو لم يعلم وعندنا وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي يلزمه الحد إن علم أنَّه حرام، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما أجمع المسلمون عليه أن ما جرى بينهما من الإيجاب والقبول لا حكم له وإن وجودهما كدمهما فكان سبيله سبيل من وطئها بغير عقد في وجوب الحد عليه؛ لأنَّه يجز بينهما حد عقد له حرمة، فأشبه أن يجزي هذا الحد بين الذكرين أو بين الانثيين؛ لأنَّه عقد مجمع على أنَّه لا يقع، فوجب أن لا يكون له حكم درء الحد عقد؛ لأنَّه عقدٌ مجمع على أنَّه لا يقع عنه، وأيضاً يدل على ذلك قول الله عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِيْ} وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر تجلد وتنفى والثيب بالثيب تجلد وترجم> فأجمعوا أن قوله: <خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا> أراد به السبيل الذي قال الله عز وجل: {اللاتِيْ يَأْتِيْنَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِّسَاءِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ..} إلى قوله: {سَبِيْلاً}، فجعل ذلك صلى الله عليه وآله وسلم من أتى الفاحشة وقد سمى الله نكاح ذات المحرم فاحشة بقوله ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلاَّ ما قد سلف إنَّه كان فاحشة} فبين أن وطئهن فاحشة على كل حال فوجب أن يثبت الحد.
فإن قيل: استدلالكم بالآية لا يصح؛ لأنا لا نسلم أنَّه يسمى زنا؛ لأن العرب لم تكن تعرفه بالزنا.(103/17)


قيل له: العرب كانت تسمي الزنا كل وطئ جرى بين الرجل والمرأة من غير أمر يبيحه في الأصل فإذا علمنا أن هذا الوطء جرى وليس هناك أمرٌ يبيحه في الأصل علمنا أنَّه زنا فإن غلطوا هم في بعض الأمور، فاعتقدوا أنها مبيحة فالخلاف بيننا وبينهم يكون في المعنى لا في الاسم ومثال هذا أنهم سموا الأصنام آلهة حين اعتقدوا أن الإله اسم لمن يستحق العبادة، فكانوا مصيبين، ثُمَّ لما اعتقدوا أن الأصنام نستحق العبادة فأخطئوا في هذا الاعتقاد الثاني وحصل الخلاف بيننا وبينهم في المعنى والقصد لا في الاسم، فإذا ثبت ذلك وعرفنا حال هذا الوطء أنَّه لم يعرض أمر يبيحه في الأصل علمنا أنَّه زنا.
فإن قيل: روي أن رجلاً تزوج على عهد عمر بامرأة وهي في عدة فأوجب فيه المهر هو وعلي ولم يوجب الحد واختلفنا في المهر فجعله علي عليه السلام لها وجعله عمر لبيت مال المسلمين.
قيل له: لأن ذلك وقع والرجل غير عالم بالتحريم، ونحن لا ننكر أنَّه لو لم يعلم التحريم لم يلزمه الحد، فلا حجة لكم فيه.
فإن قيل: هو وطء وقع عن نكاح فاسد فأشبه النكاح بغير شهود.(103/18)


قيل له: هذا الأقرب على أصولنا أنَّه إذا تزوج بغير شهود مع العلم بتحريمه أنَّه نكاح باطلٌ وفرق عندنا بين الباطل والفاسد؛ لأن النكاح الفاسد هو الذي يجوز أن يصح على وجه من الوجوه، فأما الذي لا يجوز ذلك فيه بتة فهو نكاح باطل مثل نكاح الذكرين أو نكاح الانثيين، ويوضح ذلك ما حكيناه عن العرب في باب الاسم أنهم لا يسمون المأخوذ من الجواري في الغارات إذا وطئن زنا؛ لأنهم اعتقدوا أن ذلك سببٌ يبيح ونحن نعلم أنَّه زنا، وكذلك ما اختلفنا فيه على أن هذا الوطء عندهم حرام، وإنما يدرؤون الحد للشبهة، والشبهة، أما أن يكون داخله على الواطئ أو يكون الشيء من رجمه أن تكون فيه شبهة ولم يحصل واحد من الأمرين فيه؛ لأن الواطئ لا شبهة عليه في أنه حرام والوطء الذي فيه شبهة كالوطء يقع في ملك غير تام أو في نكاح فاسد مختلف فيه يجوز أن يصححه حاكم من الحكام، أو في ملك فاسد.
مسألة
قال: وإذا أقامت الشهادة بالزنا على امرأة فادعت الإكراه ولم تقم الشهادة بالمطاوعة درئ عنها الحد، وذلك أن الحد لا يجب مع كونها مكرهة على الزنا، لا خلاف فيه قال الله عز وجل: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفَوْرٌ رَحِيْمٌ}، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: <رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه>، فإذا لم تقم البينة على المطاوعة فالقول قولها في أنها لم ترض.
مسألة(103/19)


قال: ومن زنا بذات رحم محرم أقيم عليه حد مثله، ثُمَّ كان للإمام تأديبه بحسب رأيه، وهكذا القول في الذمي إذا زنا بمسلمة سواء كانت مستكرهة أو مطاوعة، الأصل في هذا ما روى محمد بن منصور بإسناده عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن علي أنَّه أتى برجل سكران من الخمر في شهر رمضان فتركه حتى صحى، ثُمَّ ضربه ثمانين جلدة، ثُمَّ أمر به إلى السجن، ثُمَّ أخرجه من الحد فضربه عشرين، فقال: ثمانون للخمر وعشرون لجرأتك على الله في رمضان، فمن زنا بذات رحم حرم لزمه حد الزنا، ثُمَّ لزمه من التعزير ما يراه الإمام لهتكه حرمة الرحم التي عظمها الله بقوله: {وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِيْ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ}، فكما فعل أمير المؤمنين بمن هتك حرمة شهر رمضان في شرب الخمر فيه، وكذا الذمي إذا زنا بمسلمة أقيم عليه حد مثله وعزره الإمام لاستحقاقه بتعظيم الإسلام.
فإن قيل: روي عن علي عليه السلام إذا زنا الذمي بالمسلمين قتلناه.
قيل له: لم يثبت ذلك عن علي؛ لأن زيداً روى عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام: من شتم نبياً قتلناه، ثُمَّ قال: ومن زنا من الذميين بمسلمة قتلناه. فيحتمل أن يكون ذلك قول زيد أدرجه في الكلام، فلم يثبت عن علي وإن كان المستحق هو الرجم قدم التعزير لئلا يفوت بتقديم الرجم.
مسألة(103/20)

127 / 149
ع
En
A+
A-