واعلم أن الإحصان اسم يقع من وجوه شتى، قد الإحصان بمعنى التزويج لقول الله تعالى: {الْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانِكُمْ} أراد ذوات الزواج وقد يكون بمعنى الإسلام والعفاف عن الزنا والحرية لقول الله عز وجل: {وَالَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} يعني الحرائر المسلمات العفائف عن الزنا فيكون بمعنى العفاف والدين لقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} يريد المسلمات العفائف، ويكون بمعنى الصفة التي إذا كان عليها الزاني استحق الرجم، وهنا الأثر هو الذي نقصده في هذا الفصل، وله شرائط منها ما يتعلق بالمحصن، فهو الحرية والبلوغ والعقل والتزويج، اشترطنا الحرية لا خلاف بين المسلمين أن الرجم لا يجب إلاَّ على الحر وأن المملوك على أي وجه زنى فلا رجم عليه واشترطنا البلوغ والعقل ليصح استحقاقه العقاب؛ لأن من فاتته أحد الصفتين البلوغ أو العقل يم جز أن يستحق العقاب واشترطنا التزويج؛ لأنَّه لا خلاف فيه أنَّه شرط في استحقاق الرجم وما يتعلق بما يكون به محصناً فالتزويج والعقل وصحة الجماع منه أو منها؛ لأن الإحصان لا يتم إلاَّ بالجماع لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <البكر تجلد والثيب ترجم، فأوجب الرجم على الثيب والثيبوبة لا تصح إلاَّ بالجماع، وما يتعلق بالنكاح أن يكون النكاح نكاحاً صحيحاً يحصل معه الجماع، أما الجماغ فقد بينا أنَّه لا بد منه لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <الثيب ترجم> والثيبوبة لا تكون إلاَّ بجماع، واشترطنا صحة النكاح؛ لأنَّه لا خلاف أنَّه لا يكون بملك اليمين، فأولى أن لا يصير محصناً بالنكاح الفاسد واشترط أبو حنيفة أن تكون المرأة التي يصيرها الرجل محصناً حرة بالغة، وذلك لا دليل عليه؛ لأن شرائط الإحصان التي دلت الدلالة عليها يتم مع كونها مملوكة وممن يجامع مثلها في الفرج وإن لم تكن بلغت مبلغ النساء فلم يكن لذلك(103/11)
معنى وصح أن الشرط هو ما شرطناه.
فإن قيل: إذا فقد ما ذكرناه من الشروط فإن الاسم يكون مختلفاً فيه فلا يجب أن ننقله عن الجلد إلى الرجم.
قيل له: إنَّما يجب أن يثبت الاسم بحسب الصفات الموجبة لذلك، والاسم تابعٌ للصفات لا الصفات تابعة للاسم، ولا يمكن إثبات صفات لا دليل عليه، والرجم وجب بظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم: <والثيب ترجم>، فكل ما أثبتناه من الصفات سوى الثيبوبة، فهو لقيام الدليل، فما لم يقم دليله من الصفات لا يثبت؛ لأنا لو خلينا فظاهر الخير لم يجب أن يطلب مع الثبوت صفة أخرى، وكان الرجم يجب على كل ثيب لعموم اللفظ فبطل ما تعلقوا به، قال أبو حنيفة: لا يرجم إلاَّ المسلم، وبه قال محمد: فجعل الإسلام شرطاً للإحصان، وعندنا أهل الذمة يرجمون ولا يكون الإسلام عندنا من شرائط الإحصان، وبه قال أبو يوسف والشافعي: والدليل على صحة ما ذهبنا إليه من وجوب الرجم على أهل الذمة، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <خذوا عني فقد جعل الله لهنَّ سبيلاً البكر بالبكر تجلد وتنفى والثيب بالثيب تجلد وترجم، فلم يشترط الإسلام، فوجب الرجم على كل ثيب، فوجب الرجم على كل ثيب، فوجب ذلك لعمومه على أهل الذمة والملة، يؤكد ذلك قول الله عز وجل: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ}، فإذا كان من الحكم الرجم فيجب أن يحكم به على الذميين، ويدل على ذلك أيضاً وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، والرجم من القسط، فيجب أن يحكم به بينهم، وهذه الآية نزلت في الذميين، يدل على ذلك صدر الآية، ويدل على صحة ذلك ما ثبت بالأخبار المتظاهرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجم يهوديين زنيا محصين، فثبت بذلك أجمع أن الإسلام لا يكون شرطاً في الإحصان.
فإن قيل: إنَّه لم يثبت أن الإحصان كان من شرائط الرجم حين رجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليهوديين.(103/12)
قيل له: هذا يسقط من وجهين، أحدهما ما بينا أن الاسم يتبع الصفات أعني اسم الإحصان، فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم اليهوديين ولم يثبت نسخه، فقد ثبت أن الصفة التي معها استحق الرجم حاصلة لليهود، فوجب أن يكون الاسم تابعاً لها، فبطل قولكم أن الإحصان لم يكن شرطاً فيه، والثاني ما روي أن اليهود لما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه عن حد الزاني، فقال: الرجم إن كان محصناً فأوجب الرجم بشرط الإحسان، وفي بعض الأخبار أنهم سألوا عن حد المحصن إذا زنا فبطل قولهم أن الإحصان لم يكن شرطاً إذ ذاك.
فإن قيل: يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم اليهوديين بحكم التورية وإن لم يكن ذاك من شريعة له.
قيل له: يجوز أن يكون أراد غير الإحصان للدلة التي بيناها، فقد بينا فيما تقدم أن الإحصان ينصرف على وجوه.
فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لكعب بن مالك حين استأذن وفي نكاح الكتابية أنها لا تحصنك.
قيل له: المراد عندنا هو تحريم نكاحهن على المسلمين، قال: ولا يكون الرجل محصناً بملك اليمين، وهذا إجماعٌ لا خلاف فيه بين المسلمين، والقول في إحصان المرأة كالقول في إحصان الرجل، لا فصل بينهما في ذلك، وهذا أيضاً لا خلاف فيه.
مسألة(103/13)
قال: وإذا زنا المريض، وكان محصناً جلد ورجم، وإن لم يكن محصناً انتظر برئة، ثُمَّ جلد وإن رأى الإمام أن يجمع بين عشرة أسواط ويجمعها ويضربه بها في حال .... دفنه عشر ضربات، كان ذلك له ولا خلاف عرفته أن المحصن الذي من سبيله أن يرجم إذا كان مريضاً أقيم عليه الحد؛ لأن الذي يوجب ترك إقامة الحد عليه وتأخيره إلى حيز برئه إنَّما هو خشية التلف، فإذا كان الحد للتلف فالمبتغى به هو القتل، فلا وجه للتربص فيه وانتظار برئه، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي أنهم قالوا: يرجم بإقراره وإن كان مريضاً انتظر البرء، ولعله يرجع عن إقراره إذا أخذته الحجارة، وهذا بعيداً؛ لأن هذا يوجب في من يرجم بالشهود؛ لأن الشهود أيضاً يجوز منهم الرجوع، لو وجب ذلك في المريض وجب في الصَّحيح لمثل ما عللوا، فأما إن كان المريض غير محصن، وكان حده الجلد فلا خلاف أنَّه يجب أن ينتظر به البرء لئلا يؤدي ذلك إلى التلف؛ لأن إتلافه غير مقصود إليه، وما رويناه عن علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى جارية زنت ليقيم عليها الحد، فوجدها لم يجف دمها فرجع وعرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: <دعها حتى ينقطع دمها، ثُمَّ أقم عليها، فأمر بتأخيرها لما خشي عليها لنفاسها، وعلى هذا لو كان زمان شديد الحر أو شديد البرد وخيف على المضروب وجب تأخير حده إلى أن يخف ذلك لا خلاف في ذلك، ومما يؤكد ما قلناه من طريق النظر أن للعقاب الذي يستحقه قدراً معلوماً، وإذا كان حاله يخشى معه يتلفها والتلف مما لم يستحق لم يجز أن يقدم فيها على الجلد لئلا يؤدي إلى ما لا يكون مستحقاً له.
فإن قيل: فذلك يخشى مع سلامة الأحوال أيضاً.(103/14)
قيل له: تلك خشية لا أمارة معها، فلا يكون لها حكم، وروي أن مريضاً زنى على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذوا عثكولاً فيه مائة شمراخ فضربه بها ضربة واحدة، وهذا الحديث ذكرها يحيى في الأحكام، وذكره الجصاص في شرحه وقوله إن رأى الإمام أن يفعل ذلك بالمريض فعل، وهذا معناه إذا كان المريض لا يُرجى برؤه وخيف عليه أن يموت ولم يقم عليه حد الله فللإمام أن يفعل ذلك، وبه قال أصحاب الشافعي ذكره ابن أبي هريرة.
مسألة
قال: وإذا زنت المرأة وجب أن يستبرئ زوجها هل هي حامل أو حائل، فإن كانت حائلاً أقيم عليها الحد، وإن كانت حاملاً انتظر وضعها، فإن كانت المرأة محصنة لم ترجع حتى يستغني عنها ولدها، إلاَّ أن يكون للولد من يكفله ولا أعرف في ذلك خلافاً، والأصل في ذلك حديث الغامدية أنها لما أقرت بالزنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ردها إلى أن تصنع ما في بطنها، ثُمَّ جاءت إليه بعد ذلك فردها إلى أن تكفل ولدها، وروي نحوه عن علي عليه السلام، وأنه حين ردها إلى أن تكفل ولدها، قال رجل: يا أمي المؤمنين، أنا أكفل ولدها فتغير وجه علي وظهر عليه الكراهة لذلك، فقال الرجل: أما إذا كرهت فلا، فقال بعد أن بذلت ذلك من نفسك فلا، فكفله إياه وأقام عليها حكم الله، وروي أن عمر اعترفت عنده امرأة بالزنا وهي حامل، فأمر بها أن ترجم، فقال له علي عليه السلام: هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها فتركها عمر، وقال: لو لا علي لهلك عمر، وقال: لا أبقاني الله لمعضلة لا أرى فيها ابن أبي طالب، وروي أيضاً أن معاذاً قال له ذلك وأنه قال: لو لا معاذ لهلك عمر.
مسألة(103/15)