قال: والمملوك لا رجم عليه محصناً كان أو غير محصن، وعلي خمسون جلدة، وكذا القول في المدبر وأم الولد، وهذا ما لا خلاف فيه، وقد دل عليه قول الله عز وجل: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} وحكى عن صاحب الظاهر أنَّه فرق بين العبد والأمة فأوجب على العبد تمام الحد مائة ويحجه ما روي عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام في عبد عتق نصفه فجلد خمساً وسبعين جلدة نصف حد الحر ونصف حد العبد، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: حد العبد نصف حد الحر ولم يرد خلافه عن أحد فجرى ذلك جرى الإجماع وأيضاً لا خلاف في الحدود بين الرجال والنساء فوجب أن لا يفرق فيها بين العبد والإماء، قال: والمكاتب إذا زنى يقام عليه الحد بحساب ما أدى من مكاتبة وإن لم يكن أدى شيئاً كان حده حد العبد وهذا قد مضى الكلام فيه في باب المكاتب فلا يحتاج إلى إعادته، وحديث علي عليه السلام أنَّه حد عبداً عتق نصفه خمساً وسبعين جلدة حجة فيه، وروى محمد بن منصور بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: <إذا أصاب المكاتب ميراثاً أو حداً فإنه يرث على قدر ما عتق منه، ويقام عليه على مقدار ما عتق منه>.
قلنا: إنَّه لم يكن أدَّى من مكاتبته شيئاً فحده حد المملوك؛ لأنَّه لا خلاف في أن عقد الكتابة لا يتغير أحكام الحدود فيه.
مسألة(103/6)
قال: ولا فصل بين أن يكون زنا بالمرأة في قبلها أو في دبرها في جميع ما ذكرناه إذا كان قد أولج، وكذلك لا فصل بين أن تكون مكنت من دبرها أو من قبلها لمن زنا بها في جميع ذلك، والقول في الرجلين إذا أدعى أحدهما صاحبه في دبره أو من كالقول في الزانيين، وبه قال أبو يوسف ومحمد، قال أبو حنيفة: ليس في إتيان الدبر على الفاعل والمفعول إلاَّ التعزير، وللشافعي في إتيان الذكران قولان أحدهما أن ذلك بمنزلة الزناء مثل قولنا، والثاني أنهما يقتلان على كل حال، قال الحاكم فيه الرجم، وكذى ذلك عن مالك والأصل في ذلك أن الصحابة أجمعوا على قتل الذكرين إذا أتى أحدهما، وإنما اختلفوا في كبقية القتل، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام في الذكرين ينكح أحدهما صاحبه، أن حدهما حد الزاني إن كان أحصنا رجما وإن كان لم يحصنا جلدا، وروى محمد بن منصور بإسناده عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن شبرة، عن علي عليه السلام اللوطي بمنزلة الزاني وهو أعظمهما جرماً، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <اقتلوا الفاعل والمفعول به>، وروى بإسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: أتى عمر بفاعل أو مفعول به فاستشار علياً وأمره أن يضرب عنقه، ثُمَّ قال: قد بقي عليه حد آخر، قال: وما هو؟ قال: نحرقه بالنار. وقد روي عن محمد بن المنكدر فيما ذكره الجصاص في شرحه أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر: وجدت رجلاً في بعض ضواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، فجمع أبو بكر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن يحرقوه فأمر به أبو بكر فأحرق بالنار، وروي عن ابن عباس أنَّه قال: يلقى عليه من أعلى بناء في القرية، وعن علي أنَّه يلقى عليه الحائط، وذكر عن عثمان أنَّه يلقى عليه حائط، فصار القتل إجماعاً من الصحابة، فسقط بذلك ما ذهب إليه أبو حنيفة من القول بالتعزير؛ لأنَّه خلاف قول الصحابة؛ لأنهم أجمعوا على القتل واختلفوا في كيفية(103/7)
القتل، وهذا كما قلنا نحن وأصحاب أبي حنيفة أن الصحابة أجمعوا على تضمين الرهن واختلفوا في كيفية التضمين، فوجب أن يسقط قول من جعله أمانة وأسقط التضمين؛ لمخالفته الإجماع، فكذلك قول أبي حنيفة في التعزير في هذه المسألة، فإذا ثبت القتل قلنا به حيث أجمعوا عليه وهو المحصن ولم يقل به في غير المحصن للاختلاف فيه؛ لأن الذي روى فيه فتوى وقولاً على جهة التفصيل وهو ما رواه زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السلام، ورواه ابن سبرة، فأما ما عداهما مما روي عن أبي بكر وعمر فهو فعل ويجوز أن يكون صحيحاً عندهم في ذلك الشخص أنَّه لو كان محصناً، فلذلك اتفقوا فيه على القتل، ومما يدل على ما قلناه قوله: {وَاللاتِيْ يَأْتِيْنَ الْفَاحِشَةَ مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} ثُمَّ قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر والثيب بالثيب> فكأنه قال: من أتى الفاحشة فسبيله البكر بالبكر والثيب بالثيب، وبعد فبين الله أن أيان الذكران فاحشة في غير موضع من القرآن، فمن أتاها فسبيله البكر بالبكر والثيب بالثيب، وما روي عن عثمان وابن عباس فيجوز أن يكون أيضاً أراد به المحصن، فثبت وجوب القتل في المحصن بما بيناه، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: <اقتلوا الفاعل والمفعول به> وذلك إذا كانا محصنين، والقتل هو بالرجم ولم يثبت في غيره، فلذلك لم نقل به، وقلنا: إنَّما صح عن علي عليه السلام من طريق زيد بن علي عليهما السلام، وما رواه عن ابن سبرة؛ لأنَّه مفسر، وأما إلقاء الحائظ فيجوز أن يكون القوم اتفقوا على القتل لدلالة دلتهم عليه من توقيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما جرى مجراه فأطبقوا على القول به، ولم يكن ثبت عندهم كيفية القتل فاختلفوا فيها فمن قال بإلقاء الحائظ أي أنَّه من جنس الرجم؛ لأن الرجم هو قتله بالحجر والمدر وإلقاء الحائظ عليه من ذلك الجنس؛ لأنهم راد الفعل من جنس الزنا،(103/8)
فأوجبوا يه ما هو من جنس الرجم، إلاَّ أن الرجم بعينه هو أولى؛ لأن إلقاء الحائظ وجهه أنَّه مشبهة به، فكان الأصل أولى سما وقد روي مفصلاً ومفسراً عن بعضهم وهو علي عليه السلام، وأما ضرب العنق فيجوز أن يكون على عرف النص أو ما يجري مجراه في القتل ولم يعرف في كيفية القتل فيجوز أن يعدل الإمام في كيفية القتل عن رأي إلى رأي إلاَّ أن الأولى هو الرحم لما بيناه ولأنه قد صح عنه ذلك وثبت من طريق زيد بن علي عليهم السلام، وأما الإحراق فيجوز أن يكون أراد به بعد القتل في حديث أبي بكر وما كتب إليه خالد إذ فسر ذلك في حديث عمر حسين استشاره فيه، ووجه أن الفاسق قد ثبت عندنا أنَّه لا يصلي عليه ولا يغسل، وإنما يواري جسمه، فكان للإمام أن يحرقه إذا رأى أنَّه أودع للناس وأزجر؛ لأنَّه لم يلزم فيه الغسل والتكفين والصلاة فأشبه جثة البهيمة هذا إذا كان قتل وهو على غير التوبة، وإن كان قتل تائباً لم يجز ذلك ووجب غسله ودفنه والصلاة عليه، ويدل على أن ما ذهبنا إليه من الرجم هو الأولى أنا وجدنا القتل في الشرع على ضربين قتلٌ بالسيف وهو قتل المرتد والمقتص منه وقاطع الطريق، وقتل هو الرجم وهو قتل من زنى محصناً، ووجدنا فعل الذكرين إذا أتى أحدهما صاحبه من جنس الزنا أو هو الزنا بعينه، فكان الأولى أن يكون القتل المستحق عليه رجماً، سيما وقد نقل عن علي عليه السلام وثبت عنه فصح بهذه الجملة ما ذهبنا إليه، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحد قولي الشافعي، وحكاه أبو بكر الجصاص عن الحسن بن صالح، قال: وروي مثله عن الحسن وعطاء وبطل ما ذهب إليه أبو حنيفة لإجماع الصحاب على خلافه، قال أبو بكر: هو قول إبراهيم والحكم، وكذلك ما ذهب إليه القاسم من إيجاب الرجم على كل حال؛ لأنا قد بينا أنَّه لا وجه له، ولا يصح لاختلاف الصحابة فيه مع أنَّه لا دليل عليه، قال أبو بكر: وهو قول مالك والليث، وبه قال الناصر عليه السلام: ومما يدل على صحة ما ذهبنا إليه(103/9)
أنَّه وطئ في فرج له حرمة ويتعلق به الغسل، فأشبه وطئ المرأة في قبلها، فوجب أن يجري على فاعله رجمه محصناً أو غير محصن، ويدل على ذلك قول الله: {والَّذِيْنَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ} ولم يفصل بين أن يكون الزنا في القبل أو الدبر، فصار الحكم عاماً، فإذا دخل الزنا في الدين تحت ذلك وجب أن يكون الزنا في القبل حكم القبل والدبر فيذلك سواء، أعني في باب القذف وجه إقامة الشهود الأربعة، ولم يجعله أحدٌ قاذفاً إلاَّ وأوجب في المقذوف به الحد.
مسألة
قال القاسم عليه السلام: ومن أتى البهيمة فحكمه حكم من أتى الرجل، وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: لأنَّه يوجب في أحدهما القتل، والثاني: أنَّه كالزنا، والثالث التعزيز، وحكى الطحاوي أنَّه يعزر ولم يحك فيه خلافاً ولا نص فيه ليحيى عليه السلام، ووجه ما ذهب إليه القاسم أنَّه روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بقتله وإن صح الخبر، وثبت القتل كان الرجم أولى؛ لأن الفعل من جنس الزنا على ما ذهب إليه القاسم وإن لم يصح الخبر كان الأولى التعزيز؛ لأن فرج البهيمة لا حرمة له، ولا تتعلق به دواعي النفس، فتكون الحال فيه دون الحال فيمن أتى ذكراً أو أنثى دون الفرجين، كان الأولى التعزيز؛ لأن فرج البهيمة.......، ولفظ الحديث فيه: <من أتى البهيمة فاقتلوه واقتلوها> والله أعلم.
مسألة
قال: وإحصان الرجل إن يكون متزوج امرأة حرة أو مملوكة عاقلة يجوز أن يجامع مثلها في الفرج تزويجاً صحيحاً، ويكون وجامعها أو خلا بها خلوة توجب المهر، فإن كانت المرأة مجنونة أو صغيرة لا يجامع مثلها أو كان التزويج فاسداً سواء كان فساده من طريق الاجتهاد أو غيره أو لم يكن الرجل جامعها ولا خلا بها لم يكن محصناً.(103/10)