باب القول في حد الزنا
يجب الحد على من زنا من المسلمين والذميين إذا كان عاقلاً بالغاص سواء كانت المزني بها عاقلة أو غير عاقلة بالغة أو غير بالغة، وكذلك يجب الحد على من زنت من المسلمات والذميات إذا كانت بالغة عاقلة سواء كان الذمي زنى بها عاقلاً أو غير عاقل بالغاً أو غير بالغ، وذلك لقول الله عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِيْ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ولم يخص ذمياً من ملي على أن ذلك لا خلاف فيه واشترطنا أن يكون من يلزمه الحد عاقلاً وبالغاص لقوله: <رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيقن وعن النائم حتى يستيقظ> وذلك مما لا خلاف فيه.
مسألة
قال: فإن كان الذي زنى من رجل أو امرأة بكر كان حده جلد مائة، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي وتغريب عام والدليل على أن التغريب ليس بحد حديثه زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سئل عن الأمة إذا زنت فقال: إذا زنت فاجلدوها ثُمَّ إن زنت فاجلدوها، ثُمَّ إن زنت فاجلدوها، ثُمَّ بيعوها، وروى ذلك عبد الله بن مالك الأوسي وأبو هريرة، ورواه عباد بن ... عن عمه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمة فجرت فأرسلني إليها، فقال اذهب فأقم عليها الحد فإن طلقت فوجدتها لم تجف من دمها فعرفت ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال إذا هي جفت من دمها فاجلدها فاقتصر بها على الحد دون التغريب، فدل ذلك على صحة قولنا على أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم أمر ببيعها، وليس البيع من جملة الحد، فلا يمتنع أن يكون النفي كذلك.(103/1)


فإن قيل: ففي حديث عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: <خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر والثيب بالثيب تجلد وتنفى، والثيب تجلد وترجم، وفي حديث من جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: ابني كان عشيقاً على هذا فزنى بامرأته، فقال: على ابنك مائة جلدة وتغريب عام، فاغد يا أني على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فغدى عليها فاعترفت فرجمها.
قيل له: التغريب يجوز أن يكون النبي صلى اله عليه وآله وسلم أمر به على طريق التأديب؛ لأنَّه لو كان من جملة الحد لم يسقط على الأمة، وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه قال فيه جلد مائة وحبس سنة، فبان على هذا أن ما زاد على المائة من التغريب والحبس على جهة التأديب على أنَّه حد موظف وهو قياس على المحصن أنَّه لا تغريب عليه وقياس على سائر الحقوق ن القذف والسرقة والشرب في أنَّه لا تغريب في شيء منه، وروي أن عمر غرب في الشرب، فإن إنَّه تأديب، ولو كان حداً لوجب أن تكون المسافة فيه مقدرة؛ إذ الحد لا يجوز أن يكون مجهول القدر فيما يصح ضبطه دليله سائر الحدود، وروي أن عمر لما نفى ربيعة في الحد لحق بالقوم فقال: لا أنفي بعه أحداً ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة صح أنهم لم يكن نوى يرونه حداً، وروي عن علي عليه السلام، قال: كفى بالنفي فتنة، فجرى مجرى الإجماع من الصحابة أه ليس من الحد، وأن الإمام يأتيه على سبيل التأديب بحسب اجتهاده.
مسألة(103/2)


قال: فإن كان محصناً فإنه يجلد مائة جلدة، ثُمَّ يرجم، أما الرجم فثابت بالإجماع، وأما الجلد فإنه واجب لقول الله عز وجل:{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِيْ فَاجْلُدُوا كُلَّ وَاحَدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} فعم ولم يخص بكراً من ثيب، فوجب أن يكون ثابتاً على البكر والمحصن ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} فبين أن على المحصنات عذاباً يتنصف، وليس ذلك إلاَّ الجلد؛ لأن الرجم لا يتنصف فثبت أن المحصن يجلد ويدل على ذلك حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <الثيب تجلد مائة والرجم والبرك بالبكر جلد مائة وحبس سنة>، وروي عن أبي الزبير عن جابر أن رجلاً زنى فأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجلد ثُمَّ أخبر أنَّه قد كان أحصن فأمر به فرجم، فدل ذلك على أن الجلد كان واجباً عليه مع الرجم؛ لأن ذلك لو لم يكن لكان سهواً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والسهو على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز فيما يؤديه عن الله، وهذا يجري مجرى الأداء عن الله؛ لأنَّه يؤخذ عنه على أنَّه لو كان السهو يجوز منه لوجب أن يعرف المسلمين أن ذلك كان سهواً، ولوجب أن يلتزم أرشه؛ لأنَّه لا خلاف في أن الإمام إذا سهى فأخطأ ضرب من لم يستحق الضرب، كان الأرش إما على عاقلته، وإما على بيت المال.
فإن قيل: فلم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنيساً بالجلد حين قال: أغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ولم يرو أنَّه جلدها.(103/3)


قيل له: أما قوله وارجمها فيجوز أن يكون اقتصر على ذلك القدر لعلم المخاطب أن الرجم من شرطه أن يتقدمه الجلد فأجمل، ألا ترى أن للإقرار شرائط من صحتها العقل واستفسار الزنا، وعندنا وعند أبي حنيفة لا بد من التكرير أربع مرات، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر شيئاً من ذلك, واقتصر على قوله: <فإن اعترفت فارجمها>، تعويلاً على ما ذكرت من علم أنيس بذلك، فكذلك الجلد وقولهم أنَّه لم يرو أنَّه جلد فهو كالمرير وكيف تثبته وسؤاله وكيف وقع الرجم وأين وقع وعلى هذا النحو يجري الكلام فيما روي من رجم ماعز أنَّه لم يرو أنَّه جلد والشافعي يوجب النفي على الأمة إذا زنت ستة أشهر، وإن لم يرو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر به تعويلاً على أنَّه معلوم، فليس له أن ينكر ما ذهبنا إليه ويدل على ذلك ما ما روى عبد الرحمن بن أبي ليلى أن شراحة الهمدانية جاءت إلى علي عليه السلام، فقالت: إني زنيت فردها حتى شهدت على نفسها أربع مرات فأمر بها فجلدت فأمر بها فرجمت، وروى الرضراض بن سعيد هذا الحديث إلاَّ أنَّه لم يذكر فيه أنَّه ردها حتى شهدت على نفسها أربع مرات، وروى ذلك حبة عن علي ولم يذكر الترديد وزاد أنَّه عليه السلام قال لها: لعلك غضبت نفسك فقالت: أتيت طائفة غير مكرهة فأخرجا حتى ولدت وفطمت، ثُمَّ جلدها الحد، ثُمَّ دفنها في الرحبة إلى منكبها ثُمَّ رماها هو أول الناس ثُمَّ قال: ارموا ثُمَّ قال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعن الشعبي أن علياً عليه السلام جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله، وهذا يدل على صحة ما ذهبنا غليه من وجوه أحدها على أصلنا أن قوله حجة والثاني أن الجلد لو كان نسخ عن المحصن وجرى أمر الامرأة التي قال صلى الله عليه وآله وسلم لأنيس أعد عليها فإن اعترفت فارجمها وأمر ماعز على ما يدعيه المخالف من أنهما لم(103/4)


يجلدا، لم يكن يجوز أن يخفي عليه من شهرتهما ولو عرف ذلك لم يكن يخالف حاشاه من ذلك عليه السلام، والثالث أنَّه لم ينكر ذلك ولم يرو عن أحد أنَّه قال: لأجلد على المحصن فصار ذلك إجماعاً.
فإن قيل: روي عن عمر أن رجلاً أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، إن امرأتي زنت فهي هذه تعترف بذلك فأمرني عمر يقول ذلك راوي الحديث وهو أبو واقد الليثي ثُمَّ الأشجعي في رهط نسألها عن ذلك فجئناها فاعترفت بذلك فأمر عمر برجمها.
قيل له: الكلام في هذا كما قلناه في رجم ما عز وفعل أنيس يجوز أن يكون ذكر الرجم ولم يذكر الجلد فلا يمكن أن يجعل ذلك خلافاً لقول علي وأيضاً هو قياس على البكر بعلة أنَّه زنا فوجب أن يجلد وأيضاً شارك البكر في فعله، فيجب أن يشاركه في حده، دليله العبد المحصن لما شارك العبد البكر في الزنا شاركه في الحد، قال مالك مثل قولنا: وحكى ذلك عن صاحب الظاهر وعند أبي حنيفة والشافعي لا جلد عليه.
مسألة(103/5)

124 / 149
ع
En
A+
A-