قيل له: لأن الواجب لا يصير واجباً إلاَّ وهناك من يجب ذلك عليه فلو وجب الحد لم يحل من أن يجب على الجاني نفسه أو على المسلمين أو على الإمام ولا يجوز أن تقول إنَّه يجب إقامتها على الجاني نفسه؛ لأن الإنسان لم يجب عليه أن يقيم الحد على نفسه بل لا يجوز ذلك ولا يجب إقامتها على المسلمين لا خلاف في ذلك، ولا يجوز أن يجب على الإمام إذ لا إمام، فإذا صح ذلك صح أنَّه لم يجب على وجه من الوجوه يوم وقعت الجناية، ألا ترى أن واحداً مما ذكرنا لا يحسن منه أن يقيم عليه الحد، الوجوب صفة زائدة على الحسن فكيف يجوز أن يجب ما لا يجوز أن يحسن.
فإن قيل: فهل تقولون في الزكوات والعشور إذا لم تؤد قبل ولاية الإمام أن للإمام أن يستوفيها إذا تولى أوليس له ذلك كما قلتم في الحدود.(102/5)
قيل له: نقول إنَّه للإمام أن يستوفيها؛ لأن الزكوات والعشور قد ثبت وجوبها على أرباب الأموال؛ لان أرباب الأموال يجب عليهم أداؤها إلى الفقراء إذا لم يكن إمام فقد كان ذلك واجباً عليهم قبل ظهور الإمام، فلما وجبت كأن له أن يستوفيها عليهم وليس كذلك تجريده من جميع ثيابه؛ لأن ذلك يبدي عورته، ولا يحل ذلك إلاَّ عند الضرورة ولا ضرورة هنا؛ لأن الثوب الواحد لا يخفف من الألم شيئاً، فلا فائدة في تجريده من جميع ثيابه، فوجب أن يكون ذلك محرماً، وروى زيد، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: يجلد القاذف وعليه ثيابه، وتنزع عنه الحشو والجلد ولا ينبغي أن تشده يده إلى عنقه؛ لأن ذلك تعذيب لم يجب وما زاد من الإيلام على الواجب أذى لم يتعلق به غرض صحيح يكون ظلماً، ولهذا قال الله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشَرَ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا} فنبه على أن الزيادة من الألم في العقاب على المستح لا يجوز كما يجوز ذلك في اللذة والنعمة، ويجب أن يكون السوط بين الدقيق والغليظ؛ لأن الغليظ ربما أدى إلى التلف وذلك ما لا يجوز فيجب أن يتوقى سببه، ويحترز منه، والدقيق لا يؤلم كما يجب، فاختار الوسط، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: <خير الأمور أوسطها> ولابد من المبالغة على قدر احتماله، وذلك لما بيناه من أنَّه يجب أن يوصل إليه الألم الشديد، ولا يجوز أن يبلغ ما يغلب في الظن أنَّه يتلفه أو يتلف عضواً منه، أما مقدار ما يحتمله فلا بد منه وقد نبه الله عز وجل على ذلك بقوله: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِيْ دِيْنِ اللهِ} وقال: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ} ولا يسمى عذاباً حتى يكون شديداً.
مسألة(102/6)
قال: وإذا رفع إلى الإمام من وجب عليه الحد أقامه، وإن كان قد تقادم عهد جنايته بعد أن تكون جنايته وقعت في ولاية الإمام، وإن كانت جناية وقعت في غير ولايته لم يقم عليه الحد، قال أبو حنيفة في الحد: إذا تقادم عهده لا يقام ولم يحد في ذلك حداً وحد أبو يوسف ومحمد شهراً وذلك إذا أقيم بالشهادة دون الإقرار، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِيْ فَاجْلُدُوا كَلَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ولم يشترط فيه قرب العهد، وكذلك في قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما} فوجب أن يستوفي الحد قرب عهد أم بعد وأيضاً لا خلاف في أن الحد إذا ثبت بالإقرار يقام مع تقادم عهده، فكذلك إذا ثبت بالشهادة، والمعنى أنَّه يثبت عليه فعل أوجب الحد وأيضاً، كما أن الحقوق تثبت بالشهادة كما تثبت بالإقرار.
فإن قيل: إذا لم يؤدوا الشهادة حين عرفوا أدى ذلك إلى التهمة؛ لأنهم إذا لم يقيموها لم يحل أمرهم من شيئين، إما أن يكونوا تركوا أقامتها استهانة بالحد وإضاعة للشهادة؛ ولأنهم اختاروا الستر على الجاني، فإن كانوا تركوا إقامتها للوجه الأول أوجب ذلك سقوط شهادتهم، وإن تركوا لم يكن في ذلك الوقت بيت مال، على أنا لو ألزمنا ذلك عاقلة الإمام لأدى الإجحاف فيه؛ لأنَّه يجوز أن يكثر ذلك، فإن من يباشر مثل الإقامة لم يبعد أن يكثر خطأه؛ لأن كثرته بحسب كثرة الأعمال التي ينظر فيها ولأدى ذلك عواقله، وهذا يؤدي إلى الضرر بالمسلمين، فلا يجوز على أن أفعال الإمام في هذا الباب كأنها تقع عن المسلمين؛ لأنهما تقع لمصالحهم، فكأنها في الكم أفعال جميعهم، وكان الأولى أن يكون ما يضمنه في بيت مالهم.
مسألة
قال: وإذا زنا المملوك كانت إقامة الحد على الحر إليه للعلة التي ذكرنا، فأما إذا لم يكن إمام فليجلدها، فدل ذلك على أن له أن يجلد.
فإن قيل: فالجد يعبر به عن التعزير.(102/7)
قيل له: الجلد وإن كان في اللغة مصدر جلد، فإنه من طريق العرف، بل عرف الشرع قد صار عبارة عن الحد، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <الثيب تجلد وترجم>، وروي: <أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم على أن يحيى بن الحسين عليه السلام استضعف هذا الحديث ولم يعتمده وأيضاً هو ما له يجب أن يجوز له التصرف فيه فيما كان حقاً لله عز وجل إذا لم يكن إمام كما أن له أن يزكي ماله، العلة أنَّه يتصرف فيه بحقوق نفسه الجارية هذا المجرى، ألا ترى أنَّه يعزرها بحقوق نفسه، كما أنَّه يتصرف في المال بالهبة بحقوق نفسه، فكذلك بحقوق الله عز وجل، وإذا لم يكن إمام فلا يبعد أن يحمل القطع في السرقة عليه؛ لأن مولاه قطع يده بحق نفسه، كما أنَّه يتصرف في المال بالهبة بحقوق نفسه، فكذلك بحقوق الله عز وجل، وإذا لم يكن إمام فلا يبعد أن يحمل القطع في السرقة عليه؛ لأن مولاه قطع يده بحق نفسه، كما ظهرت به الأكلة لا بد منه، وما روي أن رجلاً أتى أمير المؤمنين، فقال: إن أمتي زنت، فقال: أجلدها نصف الحد خمسين، إن عادت فعد، فقال: أدفعها إلى السلطان، فقال: أنت سلطان فإن يحيى بن الحسين توقف في تصحيحه أيضاً فيحتمل أن يكون ذلك كان أمراً له بإقامة الحد عليها؛ لأن للإمام أن يأمر بإقامة الحد من يراه.
مسألة
قال القاسم عليه السلام: فيمن سرق وشرب الخمر، وقتل يقام عليه حد السارق والشارب الخمر، ثُمَّ يقتل أوجب عليه تأخير القتل؛ لأن القتل يؤدي إلى إبطال الحدود، وإقامة سائر الحدود من القتل، فأما حد السارق والشارب، فإنه يبدأ بأيهما شاء؛ أن أحدهما لا يمنع من الآخر والأولى أن يبدأ عباداً الجاني بجنايته.
فصل(102/8)
والذي يجيء على مذهب يحيى عليه السلام بظاهر قوله: إن لسيد العبد إن يقطع عبده إذا سرق كما يجوز له أن يحد إذا زنى وأصحاب الشافعي يختلفون فيه ووجهه أن لمولاه أن يتصرف بذلك لحق نفسه، ألا ترى أنَّه يقطع يده إذا وقعت فيها الآكلة أو مرض يوجب ذلك فكذلك يجب أن يتصرف فيه في ذلك بحق الله إذا لم يكن إمام كالزكاة والختان، والله أعلم.(102/9)