قيل له: لسنا نسلم أن اليمين أحد سببي الكفارة بل سببها الحنث فقط؛ لأن الشيء إنَّما يكون سبباً لغيره إذا كان موجباً له أو موجباً لما أوجبه أو جرى مجرى الموجب وإن كان شرطاً؛ إذ يعتبر عن الشرط بالسبب واليمين لا توجب الكفارة لا خلاف بيننا وبينهم في ذلك؛ لأن الكفارة تجب لزوال حكمها، وما يكون وجوبها لعدمها لا يجوز أن يكون مسبباً له، ألا ترى أن القضاء عندنا والكفارة عند مخالفنا على من أفطر في شهر رمضان لا يجوز أن يكون سببها الصوم؛ لأنهما لا يجبان إلاَّ لزوال الصوم بل سببهما الإفطار، فكذلك لا يجوز أن يكون سببهما اليمين، ولا يجوز أن يكون استثناءاً لسبب الكفارة؛ لأن سبب الكفارة الحنث، وهو مناف للإيمان وما ينافيه لا يجوز أن يكون مسبباً له، كما أن الصوم لا يجوز أن يكون سبباً للردة ولا للقتل، كذلك اليمين، فإذا ثبت ذلك بطل أحد سببي الكفارة، قد حصل وليس كذلك النصاب والحول؛ لأن الزكاة تتعلق بالمال وهما سببان لوجوبها؛ لأنَّه ليس بينها تناف، وذلك جرح الصيد سبب لقتله وقتله سبب لوجوب الكفارة فحصول الجرح حصول أحد سببي الكفارة ، ألا ترى أنَّه لا تنافي بين شيء منها وحكم الكفارة حكم القتل وحكم الحنث حكم الردة وحكم الأيمان، فكما أن الأيمان لا تكون سبباً للقتل كذلك اليمين لا يكون سبباً للكفارة على أن بقاء حكم اليمين عندنا أو عندهم بالإجماع مانع لوجوب الكفارة فكيف يكون سبباً لوجوبها والله أعلم وأحكم بالصواب.(101/17)


كتاب الحدود
ينبغي للإمام أن يجرد المحدود من وجميع ثيابه بل ويترك عليه ثوباً واحداً ولا ينبغي أن يشد يده إلى عنقه، ويجب أن يكون السوط بين الدقيق والغليظ، وينبغي أن يكون إيجاب المحدود بحسب إطاقته له ولا بد فيه من المبالغة على قدر احتماله، ولا ينبغي، فصار ذلك أصلاً لكل مقتول بحق؛ لأنَّه لا دية له ولا قود وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام: من مات في حد الزنا والقذف فلا دية له، كتاب الله قتله> فأما التغرير فذهب الشافعي إلى من مات في فكت ديته، وشببه بمن رمى صيداً فأصاب غيره إن رميه لما كان مباحاً ولم يكن واجباً ضمن الرامي ما يتولد عنه، وذلك لا معنى له؛ لأن التعزير ليس بمباح، بلهو واجب؛ لأن شيئاً من الواجبات لا يكون مباحاً؛ لأنها إذا لم تجب قبحت فلو لم يكن التغرير واجباً لكان ظلماً وقبيحاً فبطل ما اعتمدوه على أن الإصابة يضمنها، وإن لم يتعمد في سببها والسراية ليست فعله فلم يجب أن يضمنها إلاَّ أن يتعدى في سببها، والأصل فيه ما بيناه في الحدود من أنَّه قتل بحق والتغرير حق، والفرق بينه وبين الحد أن الحد لا اجتهاد في عدده وموضعه أعني ما يجتهده الإمام بحسب ما يراه صلاحاً في الحد ولا مشرح فيه للعفو والتغرير فيه هذا القبيل من الاجتهاد، فأما أن يكون مباحاً فذلك لا معنى له.
فإن قيل: التعزيز مباح بدلالة ما روي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أعدل، وفي بعض الأخبار أنَّه قال: ما عدلت، فقال: <فمن يعدل إذا لم أعدل> ولم يعزره.(102/1)


قيل: هذا لا يدل على أن التعزير غير واجب بل يدل على أنَّه يجوز فيه العفو، ألا ترى أن الحقوق الواجبة يصح فيها العفو كالقصاص والديون وما أشبهها وجواز العفو في الشيء لا يدل على أنَّه لم يكن واجباً في الأصل، فأما إذا أخطأ الإمام فالدية أن بلغ ذلك القتل والأرش إن لم يبلغ القتل يجب أن تكون في بيت المال عند أبي حنيفة مثل قولنا: وهو أحد قولي الشافعي وقوله الثاني أنَّه على عاقلة الإمام ووجه ما ذهبنا إليه من أنَّه يجب في بيت المال أن المسلمين له كالعاقلة فيما يتعلق بالدين والمصالح والأمور التي تعلق بالإمامة؛ لأنَّه هو على النصرة والإمام ينضر المسلمون في هذا الوجوه كنضرة العاقلة وهو عليهم يعتمد وإليهم يلتجئ وهم عليه يعتمدون وإليه يلتجئون في الأحول التي ذكرناها، فصاروا له في حكم العاقلة فوجب أن يكون خطأه فيما يتعلق بإقامة ماله نصب من الإصلاح والحدود وما جرى مجرى ذلك يكون في بيت مال المسلمين لما بيناه، وما روي أن عمر جعل ما لزمه الدية على عاقلته، فيجوز أن يكون رأياً رآه، ولا ننكر أن هذا مما للرأي والإجهاد فيه مشرح، وإن كان الأصح عندما ما ذكرناه، ولعله فعل ذلك؛ لأنَّه الحدود، ولأنا قد بينا أنها لم تكن واجبة قبل ولاية الإمام، فلا تجب بولاية الإمام، وإذا لم تجب لم يجز له أن يستوفيها.
مسألة(102/2)


قال: والأصل في الحدود كلها أنها تدرأ بالشبهات، فكل من فعل فعلاً يوجب الحد لشبهة دخلت عليه درئ عنه الحد، وذلك لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <ادرؤوا الحدود بالشبهات>، ولأن الواجب في الحدود والدرء ما أمكن للروايات الواردة في ذلك منها ما ورد أن ماعزاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقر على نفسه بالزنا، فكان يعرض عنه وفي بعض الأخبار أنَّه كان يطرده كلما حضره معترفاً إلى أن تم إقراره أربع مرات وفي بعضها أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال في الرابعة: أبك جنونٌ، فأخبر أنَّه ليس بمجنون، فقال له: أشربت خمراً فقام رجل فاستنكهه فلم يجد معه ريح خمر، وروي أن امرأة جاءته صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني زنيت فأقم علي الحد، قال ارجعي فاستتري بستر الله، فعاودته مراراً، فلما كان في الباعة أمرها أن ترجع فتضع ما في بطنها ثُمَّ تركها حتى طهرت فعند ذلك أمر بها فرجمت وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بسارق فقال له: ما أخالك سرقت، كأنه يدرأ عنه الحد، قال: نعم. قال اذهبوا فاقطعوا يده، وهكذا فعل أمير المؤمنين عليه السلام بمن أته تقر على نفسها بالزناء، وروى زيداً بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام أنَّه أتته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي وقع على وليدتي، فقال: إن تكوني صادقة رجمناه، وإن تكوني كاذبة جلدناكِ، قال: ثُمَّ أقيمت الصلاة فذهبت، وروى الكرخي بإسناده أن رجلاً زنا بربة منزله، فكتب إلى عمر فكتب فيه عمر إن كان يعلم أن الله تبارك وتعالى حرم الزنا فاجلدوه، وإن كان لا يعلم فعلموه، وإن عاد فاجلدوه، فدل كل ذلك على أن الواجب درء الحدود بالشبهات بما أمكن، ولا خلاف في هذه الجملة وإن اختلفت في أعيان المسائل وما يجوز أن يكون شبهة، وما لا يجوز، وري عن علي عليه السلام: لأن أخطي في العفو أحب إليَّ من أن أخطئ في العقوبة.
مسألة(102/3)


قال: ومن أقام عليه الإمام حداً أو تعزيراً فتلف فلا دية له إلاَّ أن يكن الإمام أخطأ في إقامة الحد أو التغرير عليه فيكون ديته من بيت المال إن مات أو أرشه إن لم يمت ولا أحفظ خلافاً في أن من مات في الحد لا دية له، ولا قود؛ لأن الحق قتله كما أن أهل العدل إذا قتلوا أهل البغي أو قطاع الطريق لم يكن لهم قود ولا دية؛ لأنهم قتلوا بالحق، وكذلك المرجوم للوجه الثاني، فأقامهم للشهادة بعد السكوت عنها يدل على أنهم يقيمونها للضغن والحقد.
قيل له: كل ذلك إساءة للظن بالعدول، وذلك محرم؛ لأنَّه يجوز خلاف ما ذهبتم إليه؛ لأنَّه يجوز أن يكون تركوها في الأول استهانة بالجد ومحاباة ثُمَّ تابوا من بعد ذلك وأنابوا والشهادة تعتبر فيها العدالة في حال الأداء لا في حال التحمل ويجوز أن يكونوا تركوها ويجوز أن يكونوا تركوها خوفاً من فساد أعظم من ذلك يجري من ظالم أو متغلب ونحوه، ويجوز أن يكونوا تركوها ستراً عليه حتى ظنوا أنَّه يزداد عتواً ونفوراً وضلالاً، فأقاموها إذا لم يرو الصلاح في الستر فإذا احتمل ذلك لكه لم يجز إسقاط الشهادة وترك الحد، وقد قال الله تعالى: {وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِيْ دِيْنِ اللهِ} وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: ما ينبغي لوالٍ أن يؤتى بحد الإقامة، وروي عنه تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغي من حد وجب، فأما من كانت جنايته قبل ولاية الإمام، فإن الإمام إذا تولى لم يجده؛ لأنَّه جنى جناية لم يجب فيها حد حين جنى لفقد الإمام ولا ينبغي أن يحصل الوجوب، إلاَّ إذا وجد الإمام كالمعتوه إذا جنى ولم يجب في جناية الحد لفقده العقل إذا عقل لم يحصل وجوب الحد، وكالصغير إذا جنى كذلك، والمجوسي إذا لم يجب أن يحد لشربة الخمر لفقد الإمام لم يلزمه؛ لأن جنايته وقعت يوم وقعت ولا يجب فيها الحد قياساً على ما ذكرناه.
فإن قيل: ولم قلتم أن الحد لا يجب إذا جنى.(102/4)

122 / 149
ع
En
A+
A-