قيل له: لا حق للحصاة ولا حرمة، فلم يكن تعددها معتبر والمساكين لكل واحد نهم حق فوجب أن يعتبر إعدادهم وأيضاً لا خلاف لو أعطى مسكيناً واحداً في يوم واحد ستين صاعاً عن كفارة الظهار أو عشرة أصواع عن كفارة اليمين لم يجز، وكذلك إذا أعطي في ستين يوماً أو عشرة أيام، والعلة أن المعطي مسكين واحد، ويقال: إنَّه لم يستوف عدد المساكين، الدليل على هذا أنَّه لو استوفى عدد المساكين والنص ورد في استيفاء عدد المساكين دون الأيام، فلا يجوز أن يجعل بدل فرض ثابت ما لا دليل على أنَّه بدل له.
فإن قيل: إذا أعطينا المسكين اليوم الثاني كنا عيّنا الباقي في بعض المساكين.
قيل له: ذلك لا يتعين في البعض، وإنما هو لإخراج واحد من الجملة؛ لأنا إذا قلنا لا ندفع إلى هذا الواحد وادفع إلى من شئت لا يكون ذلك تعيناً إليه، هذا يلزمهم في الأول إذا دفع صاعاً إلى مسكين؛ لأن عندهم أن التكرير يجوز عليه ولم يكن ذلك تعيينا، قال: ومن تصدق على بعض الفقراء بذلك ولم يجد تمام العدد، كان عليه أن ينتظر حتى يجد وله أن يبعثها إلى غير بلده الذي هو فيه، وذلك لما بيناه من أنه لا بد من اعتبار العدد في الفقراء، فلا مضى لإعادته، قال: ولا يستحب أن يدفع كفارات أيمان عدة إلى عشرة مساكين، إلاَّ أن لا يوجد غيرهم، وذلك ليشبعوا وليصيب غيرهم النفع الذي أصابهم، وليكون أبعد من الحالة، وكما أنا لا نحب أن نقصر بالزكاة والعشر على الاثنين والثلاثة مع حضور غيرهم، فكذلك في الكفارات للوجوه التي بيناها.
مسألة
قال: ويستحب لمن أراد الإطعام أن يجمع الفقراء في منزله ليأكلوا فيه إن أمكن أو يبعث إليهم الطعام مأدوماً مفروعاً، وقد أجازه أبو حنيفة وحكى عن الشافعي إن استدعاهم وإطعامهم لا يجوز؛ لأنَّه ليس بتلك لهم ووجه أجازه ذلك أن الله تعالى قال: {إِطْعَامُ عَشَرَةَ مَسَاكِيْنَ} ومن استدعاهم وأطعمهم فقد امتثل الظاهر؛ إذ ليس في الظاهر أنَّه يجب تمليكهم.(101/12)


فإن قيل: فهلا جوزتم في الكسوة ألا يكن على وجه التمليك.
قيل له: لأن الكسوة ليس لها غاية تنتهي غليها، ولو لم يملكه صح رجوعه فيها، وليس كذلك الطعام؛ لأنَّه إذا أكله فقد خرج عن مالك الملك ولم يصح الرجوع فيه فيجري مجرى التمليك ووجه الاستحباب فيه أنَّه أشد ملامة لظاهر الآية، وما روي عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: لئن أخرج إلى سوق فأشتري صاعاً من طعام وذراعاً من لحم ثُمَّ أدعو نفراً من إخواني أحب إلى من أعتق رقبة؛ ولأنه قد يكون قد كفى الفقراء مؤنة الصنعة فيصل إليهم ما يصل وهو أهنى لهم.
مسألة
قال: ولا يجزي العبد في كفارة يمينه إلاَّ صيام ثلاثة أيام متتابعة، ولا في كفارة القتل والظهار إلاَّ صيام شهرين متتابعين، وذلك أنَّه لا ملك له فهو أبداً غير واجد، فوجب أن يكن حكمه الصوم ولا أعرف في هذا خلافاً بين من لم يجعل للعبد ملكاً ومن خالف في هذا كان الكلام بيننا وبين ه في ملك العبد.
مسألة(101/13)


قال: ولا تجزي الكفارة إلاَّ بعد الحنث، وبه قال أبو حنيفة ومالك وقال الشافعي يجزي قبل الحنث، وفصل بين الكفارات الثلا وبين الصوم، فلم يجز الصوم وأجاز البواقي والدليل على صحته ما ذهبنا إليَّ قول الله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ} فبين عز وجل أنَّه يؤاخذنا بها وبين أن المؤاخذة هي المؤاخذة بالكفارة، فدلت الآية على وجوب الكفارة، فليس يخلوا الوجوب من أن يكون متعلقاً باليمين أو بالحنث أو بهما جميعاً، فلو كان متعلقاً باليمين لوجبت الكفارة عقيب اللفظ باليمين، وهذا فاسدٌ بالإجماع، فلم يبق إلاَّ أنهما تتعلق بالحنث منفرداً أو مع اليمين وأيهما كان فقد وجب أن يكون للآية ضمير كأنه عز وجل قال: فكفارته إذا حنثتم إطعام عشرة مساكين، كما أن التقدير في قوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرٍ} وفي قوله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيْضاً أْوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ}، فحلق ففدية من صيام وإذا ثبت ذلك فاته، قال عز وجل من قائل: {فَكَفَّارَتُهُ ـ إِذا حنثتم ـ إِطْعَامُ عَشَرَةَ مَسَاكِيْنَ}، فأوجب الكفارة بعد الحنث، فإذا ثبت ذلك فسواء تقدمت الكفارة على الحنث أو لم تقدم فهي واجبة بعد الحنث، فصح ما ذهبنا إليه، وأيضاً روي من حلف على شيء فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير، ثُمَّ ليكفر عن يمينه، وثم توجب الترتيب في أصل موضوعه ما لم يقتض الدليل على خلاف ذلك فدل ظاهره على أن الكفارة تلزمه متى حنث سواء تقدمته كفارة أخرى أو لم تتقدم.
فإن قيل: فقد روي <فليكفر عن يمينه ثُمَّ ليأت الذي هو خير>.(101/14)


قيل له: يجوز أن يقوم الدليل على أن ثُمَّ لا توجب الترتيب يبين ذلك قول الله عز وجل ثُمَّ كان من الذين آمنوا ولا خلاف أنَّه لم يرد الترتيب وقوله: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} تماماً إلاَّ أن هذا يكون فيه خلاف الحقيقة ويكون ضرباً من المجاز، فلا بد على هذا من أحد الأمرين، إما أن يجعل ثُمَّ فينا مجازاً أو في خبرهم أو فيهما جميعاً؛ إذ لا يجوز أن يجعلها في الموضعين حقيقة؛ لأن ذلك يؤدي إلى التناقض؛ ولأن ذلك يؤدي إلى وجوب وقوع كل واحد منهما بعد صاحبه، فهذا يستحيل عقلاً فكيف سمعاً ولا يجوز أن نجعلها مجازاً في الموضعين؛ إذاً لا ضرورة تدعوا إلى ذلك؛ لأن الحقيقة إنَّما يجعل مجازاً إذا اضطرت الدلالة إليه فلا يجوز أن يكون أن يكون حقيقة في خبرهم؛ لأنَّه يوجب تقدم الكفارة على الحنث، وهذا باطل بالإجماع، فلم يبق إلا أن يكون مجازاً فيخبرهم حقيقة في خبرنا فإذا ثبت أنَّه مجازٌ في خبرهم سقط الترتيب عن خبرهم ، وثبت في خبرنا، فصح ما ذهبنا إليه، وعلى هذا يجري الكلام يما روي عن الخبرين بالواو؛ لأن الواو عندنا توجب الترتيب إذا جاء في الشرع، وإن لم يوجب في أصل اللغة، ولا خلاف بيننا وبينهم أن الصوم لا يجوز تقدمه على الحنث، فكذلك ما عداه؛ والعلة أنَّه كفارة يمين فلا يصح فعلها قبل الحنث، وأيضاً قد حلف وحنث، فيجب أن تلزمه الكفارة، وإن كانت كفارة تقدمت الحنث قياساً عليه لو لم يقدمها قبل الحنث، والعلة أنَّه حلف وحنث ولم يكف بعد الحنث.(101/15)


فإن قيل: فقد قال الله عز وجل: {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} وقد صح أن الصدقة وجبت بالمناجاة، ثُمَّ أجاز الله تقدمها على المناجاة، فثبت تقدم الكفارة على الحنث وزعموا أنهم أكدوا استدلالاتهم بأن قالوا: إن الصدقة وجبت بالمناجاة لا بالإرادة للمناجاة؛ لأنها لو وجبت بإرادة المناجاة لوجبت على من أراد أن يناجي تهديداً له في هذا الكلام يسقط لأنا نقول: إن الله تعالى أوجب أن يكون من يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم متصدقاً كما أوجب أن يكون من يصلي متطهراً فوجب تقدم الصدقة على المناجاة كما وجب تقدم الطهارة على الصلاة، وليس هذا من الكفارة في شيء؛ لأنَّه يجوز تخيير الكفار عندهم، والكفارة إذا فعلت بعد الحنث، فعلت على الوجوب، وليس كذلك الصدقة؛ لأنها واجبة قبل المناجاة كالطهارة.
فإن قيل: قد ثبت جواز تقدم الزكاة عند حصول النصاب قبل الحلول؛ لأنَّه أحد سببيها وهو اليمين.(101/16)

121 / 149
ع
En
A+
A-