قال: ومن أراد العتق أعتق رقبة ليست بكافرة صغيرة أو كبيرة لا بأس أن يكون مكفوفاً أو أعرج أو أشل أو أخرس أو مجنوناً فإن كان مسلماً سالماً فهو أفضل، فأما في كفارة القتل فلا يجوز إلاَّ صحيح بالغ، وأما في النذور فهو ما يوجبه الإنسان على نفسه، قال أبو حنيفة يجزي الكافر ولا يجزي المأووف، وله في ذلك تفاصيل تطول، قال الشافعي: لا يجزي إلاَّ المؤمن ولا يجزي من المأووف ما تبين آفته حتى يصير بالعمل ضرراً بيناً، والأصل في هذا أن الله عز وجل عمَّ لو يخص فوجب أن يجزي كلما يسمى به وكل ما ذكرنا يسمى رقبة فوجب أن يجزي، فإن قاسه الشافعي على رقبة القتل بعلة أنها رقبة وجبت في كفارة، فوجب أن تكون مؤمنة وقياسهم معارض بأن نقيسها على الكسوة بعلة أن كل واحد منهما كفارة يمين بما يجوز فيه الإعارة والإجازة، فوجب أن يجزي منها ما يحصل الاسم من اعتبار صفاته وذكرنا الإعارة لئلا يلزم الإطعام؛ لأنَّه مما يقل الانتفاع به، ومتى لم تراع صفاته زال الانتفاع أو صار يسيراً على أن في تخليص من ذكرنا من المأووفين من الرق مثوبة عظيمة فيجب أن يجزي، فأما الكافر فإنه منع منه ؛ لأن من أصله ألا قربة في عتق الكافر والكفارة تتعلق بالقربة، فأما في القتل فلا يجزي عنده إلاَّ صحيح بالغ مؤمن؛ لأن الله سبحانه غلظ الأمر فيه، ولم يطلق الرقبة بل اشترط فيها الإيمان واشترط البلوغ؛ لأن الأيمان لا يتم حقيقة إلاَّ مع البلوغ وأيضاً كونه غير بالغ نقصه في السن كما أن كون غير مؤمن نقص في الدين، وكما أن كون خأووفاً نقص في الجسم، فلما وجب أن يراعى النقص والتمام في الدين وجب أن يراعى في الجنس والسن؛ لأنا أجمع من أعظم صفاته، قال: والأفضل في الجميع أن يكون بالغاً صحيحاً مؤمناً؛ لأن ذلك أعظم ثمناً؛ ولأنه لا خلاف فيه، وأما النذر فلا خلاف أنَّه يحسب ما أوجبه إن أطلق فهو كما قلنا في كفارة اليمين والظهار، وإن نوى أمراً فله نيته.
مسألة(101/7)
قال: ولا بأس أن يعتق ولد الزنا في الكفارات كلها، ولا يجوز عتق المكاتبة ولا ولدها، ولا عتق أم الولد وأكره عتق المدبر في القتل، ولا بأس به في الظهار واليمين، ولد الزنا، فليس يؤثر في شيء من أحواله لا دينه ولا عمله ولا سنة ولا جسمه، فوجب أن يجزي كما يجزي من هو لرشده والمكاتبة فقد بطل تصرف مولاها فيها وحصل لها كثير من أحكام الحرية بالكتابة، فلم تجز، وكذلك ولدها؛ لأنَّه في حكمها وأم الولد فقد استحقت العتق على التحقيق ن حيث لا يجوز أن يرد ما يبطل استحقاقها عليها، فأشبهت الحر والعبد بين الشريكين في أن ملكه غير تام، وأما المدبر فإنه وإن كان قد استحق العتق فإنه استحقه عندنا على وجه يجوز عليه البطلان ويصف مولاه باقي ملته، فلا هو في حكم المكاتب ولا في حكم أم الولد، فوجب أن يجزي وكرهه في كفارة القتل؛ لأن الأمر فيها مغلظ وليست كسائر الكفارات.
مسألة(101/8)
قال القاسم عليه السلام: ولا بأس أن يخرج إلى الفقراء في كفارة اليمين قيمة الطعام بدل الطعام وقيمة الكسوة بدل الكسوة وأجاز أبو حنيفة وأصحابه القيمة في هذا وفي الزكاة والعشور ومنع الشافعي من القيمة في الجميع، وأجاز الشافعي أصحابنا القيمة في هذا دون الزكاة والعشور، ووجه ما ذهبنا إليه أن الله تعالى أمر بالإطعام والكسوة وقد علمنا أن من أعطى غير قيمة الطعام فيطعم قيل له أطعم، وكذلك من أعطاه قيمة الكسوة ليكتسي يقال إنَّه كساه ويقال: فلان في إطعام فلان وفي كسوته إذا كان طعامه وكسوته ما يصل إليه من جهته، وإن كان الواصل إلهي ورقاص أو غير ذلك من القيم، ألا ترى أن رجلاً لو دفع مالاً له إلى رجل، وقال: يجب أن يكسو هذا غلامي ويطعمه جاز أن يوليه شراء طعامهم وكسوته، وإن يدفع الورق إليه، ألا ترى أن الكسوة لو حملت على حقيقة اللغة دون العرف كان يجب أن لا يجزي حتى يكسوه بيده، وكذلك الإطعام، فلما لم يجب ذلك علم أن لا طعام، والكسوة لا يجب التمليك، فأما العشور والزكوات فلا يشبه هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمى الواجب ونص عليه، فقال: <في أربعين شاة شاه، وفي مأتي درهم خمسة دراهم>، وقال: <أعطوا الحب من الحب> وغير ذلك مما يطول شرحه، فعين حقوق الفقراء فلم يجز العدول عنها، وليس كذلك الإطعام والكسوة في الكفارة لما بيناه.
فإن قيل: <فيجوز أن يدفع نصف صاع من تعمر جيد وصاع من تمر رديء.
قيل له: لا يجوز ذلك غير ما ورد به النص، لكنا نجوز نصف صاع من الأرز عن صاع من شعير أو ثوباً عن صاع أو صاعين إذا كانت قيمة ذلك ونوى المعطي ما ذكرناه.
مسألة(101/9)
قال: ومن لم يجد عشرة مساكين لم يجز له أن يرد، وعلى من وجده منهم الإطعام، وكذلك القول في كفارة الظهار لا بد فيها من إطعام ستين مسكيناً لمن أراد الإطعام كما لم يكن بد في كفارة اليمين من إطعام عشرة مساكين ولم يجز فيها الترديد، قال زيد بن علي: يجزيه إلى مسكين واحد معناه هل يجزيه، وقال أبو حنيفة: ذلك جائز، وبه قال الناصر، وقال الشافعي وزفر مثل قولنا، وقال محمد مثل قول أبي حنيفة واختلفت الرواية عن أبي يوسف، والأصل فيه قول الله عز وجل: {إِطْعَامُ عَشَرَةَ مَسَاكِيْنَ} فنص على عد المساكين فلم يجز الاقتصار على ما دونه، وكذلك قال في الظهار: {فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْناً} فنص على العدد في حديث سلمة بن صخر أنَّه حين واقع أهله في شهر رمضان أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان مظاهراً، فذكر إلى أن ذكر عجزه عن الرقبة وعن صيام شهرين فقال صلى الله عليه وآله وسلم فأطعم وسقاً من تمر ستين مسكيناً ثُمَّ ذكر فقره، فقال: انطلق إلى صاحب صدقة بني رزيق فيدفعها إليك فأطعم ستينً مسكيناً وسقاً من تمر، وكل أنت وعيالك بقيتها، وفي حديث خولة بنت مالك حين ظاهر منها زوجها وقصت حالها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر بعتق رقبة، فقالت: لا يجد، قال فيصوم شهرين متتابعين، قالت: شيخ كبير، قال: فليطعم ستين مسكيناً إلى أن قال: فإن أعينه بعرقٍ من تمر، فقالت: وأنا أعنيه بعرق آخر، فقال صلى الله عليه وآله وسلم أحسنت اذهبي فأطعمي عنه ستين مسكيناً وأرجعي إلى ابن عمك، فهذه الأخبار دلت على أن الواجب أن يطعم ستين مسكيناً لكل مسكين صاعاً من تمر ومن أطعم مسكيناً واحداً في ستين يوماً لم يكن أطعم ستين مسكيناً يبين ذلك أن رجلاً لو قال لوكيله: فرق هذا المال على عشرة مساكين لم يجز له أن يضعه في مسكين واحد في عشرة أيام، فكذلك ما اختلفنا فيه والعلة أنَّه اشترط عليه عدد المساكين على أنَّه لا يخلو من أن يكون(101/10)
المراد به إيصال القدر إلى المساكين، فيجب أو يكون المراد مع القدر عدد المساكين، فإن كان المراد إيصال القدر إلى المساكين فيجب أن يكون دفع ذلك المقدار إلى مسكين أو مسكينين أو ثلاثة دفعة واحدة، ألا ترى أن الزكوات والعشور لما لم يكن عدد الفقراء دونها معتبراً جاز أن يدفعه إلى الواحد والاثنين والثلاثة دفعة واحدة، فلا أجمعوا أن ذلك يا يجوز في الكفارات؛ لأن أبا حنيفة وإن أجاز دفعها إلى واحد إنَّما يجيز دفعه إليه في عشرة أيام وفي الظهار في ستين يوماً ثبت أن حال الكفارة مخالف لحال الزكوات والعشور في أن يعلق المراد بمقدار المدفوع، وإذا بطل ذلك ثبت أن المراد يتعلق مع المقدار بعدد الفقراء، فصح ما ذهبنا إليه من أنَّه لا بد من استيفاء العدد.
فإن قيل: فقد أمر بسبع حصيات رمية واحدة لم يجز كما أنَّه لو أطعم ستين مسكيناً في وقت واحد أجزى.
فإن قيل: فقد سمى الله عز وجل هلالاً واحداً أهلة لتكرار الأوقات فيه.
قيل له: ذلك جائز إذا أقام دليله وها هنا لم يقم دليل على ما قلتم بل قام على خلاف ذلك، فلا وجه لصرف الآية والآثار عن ظواهرها.
فإن قيل: إذا جاز ترديد صاع واحد على عشرة مساكين بأن يتملك كالواحد منهم بعد ما يفع فهلا جاز أن يرد عشرة أصواع على مساكين واحد.
قيل له: لأنا قد بينا أن عدد المساكين معتبر مع مقدار مع يخرج من ملكة فيجب أن يخرج من ملكه عشرة أصواع على عشرة مساكين، وقد فرق بينهما.
فإن قيل: إن الصاع لا حرمة له ولا حق، فلم يكن لعدده معتبر، وكذلك في الحصيات.(101/11)