فإن قيل: فقد قال الله عز وجل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيْناً وَيَتِيْماً وَأَسِيْراً} والأسير في أيدي المسلمين لم يكن يومئذ إلاَّ كافراً.
قيل له: يجوز أن يكون المراد به الإطعام على سبيل التطوع، ونحن لا ننكر ذلك ويدل على صحة هذا التأويل أن الأسير إذ ذاك لم يكن ذمياً ولم يكن إلاَّ حربياً، ولا خلاف أنَّه لا يدفع إلى الحربي إلاَّ ما يتطوع به.
فإن قيل: روي أن الناس يجنبوا دفع الصدقة إلى غير أهل دينهم، فأنزل الله تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} فقال صلى الله عليه وآله وسلم: <تصدقوا على أهل الأديان>.
قيل له: مضاه التطوع بالأدلة التي تقدمت.
فإن قيل: نحن نقيسها على صدقة التطوع بعلة أن أخذها ليس إلى الإمام لم نسلم لهم العلة ومعنا الحظر والاحتياط.
مسألة(101/2)
والمكفر بالخيار بين هذه الكفارات الثلاث يفعل أيها شاء والكسوة أفضل من الإطعام والعتق أفضل من الكسوة فمن لم يجد شيئاً من ذلك فعليه أن يصوم ثلاثة أيام متتابعات لا يفرق بينه من، وهذه الجملة لا خلاف فيها إلاَّ في موضع واحد وهو التتابع في الصيام، فإن الشافعي جوزه غير متتابع في أحد قوليه، وقال أبو حنيفة: لا بد من التتابع مثل قولنا، وهو قول زيد بن علي عليه السلام، والأصل في ذلك قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ..} الآية ففصل بين الكفارات الثلاث بالواو في الأمر موضوع عند العرب للخير لا خلاف فيه بينهم ولا إشكال فدل ذلك على أن المكفر فيها بالخيار، وأما الصيام فلا يجوز إلاَّ مع ضرورة الفقر؛ لأنَّه عز وجل قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ} وقلنا إن العتق أفضلها؛ لأنَّه أعلاها ثُمَّ الكسوة؛ لأنها دونه، ثُمَّ الإطعام؛ لأنَّه دونها، وجميع ذلك لا خلاف فيه، فأما تتابع الصوم فالأصل فيه قراءة عبد الله {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مَتَتَابِعَاتٍ} وقد قيل أن قراءته كانت مشهورة مستفيضة في تلك الأيام، وهذه القراءة وإن لم يبلغ شهرتها واستفاضتها ما نجعلها تلاوة وزيادة في القرآن، إنها تجري مجرى خبر الواحد وتوجب العمل، وإن لم توجب العلم فيجب الانتهاء إلى العمل بموجبها ومن ريق النظر هو كفارة فيها فأشبه صوم الظهار، وإن شئت قلت: هو كفارة لفظ، فأشبه صوم الظهار، وأيضاً وجدنا صيام الكفارات وما جرى مجراها على ضربين، ضرب هو مرتب على غيره فلا بد فيه من التتابع أو التتابع التفريق، فلا تخيير فيه بين التفريق والتتابع، وذلك كصيام المتمتع الذي هو بدل الهدي ومرتب عليه، ألا ترى أنَّه يجب فيه التفريق، ولا يجوز فيه التتابع؛ لأن ثلاثة منها في الحج وسبعة إذا رجعتم، وصم الظهار وصوم كفارة القتل، ألا ترى أنَّه يجب فيه التتابع؛ إذ هو مرتبان على العتق، وضرب لا ترتيب فيه(101/3)
فلا يجب فيه التتابع ولا التفريق كصوم جزاء الصيد وفدية الأذاء ثُمَّ وجدنا صيام كفارة اليمين مرتباً على العتق والكسوة والإطعام، قلنا: يجب فيه التفريق أو التتابع فلما أجمعوا على أن التفريق فيه غير واجب علمنا أن التتابع فيه واجب.
مسألة
ومن أراد الإطعام أطعم عشرة مساكين غداهم وعشاهم، ويكون ذلك نصف صاع من دقيق أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير مما يأكله هو وأهله من الذرة أو غيرها ويأدمهم بأوسط الإدام، ويجب أن يكون المراد بقوله نصف صاع من دقيق البر؛ لأنَّه لا يجوز أن يوجب صاعاً من الشعير ونصف صاع من دقيق، وقال أبو حنيفة نصف صاعٍ من بر أو صاع من شعير أو تمر وهو قريب من قولنا إلاَّ في مقدار الصاع، ففيه بيننا وبينه خلاف، وقد مضى ذكره في زكاة والفطرة، قال الشافعي: يجري مدٌ، والأصل في هذا حديث أوس بن الصامت حين ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعانه بعرقين من تمر وأعانته هي بعرق آخر، وذلك ستون صاعاًن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: تصدق به، وقال: اتق الله وارجع إلى زوجتك، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتصدق بستين صاعاً من تمر على ستين مسكيناً ثبت أن لكل مسكين صاعاً من تمر.
فإن قيل: فقد روي في من أفطر في شهر رمضان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعانه بخمسة عشر صاعاً من تمر، وذلك يكون لكل مسكين مد.(101/4)
قيل له: كفارة الصوم عندنا ليست بواجبة بل مستحبة والمستحب يجوز أن يعطى فيه ما يتسهل على أنها لو ثبت وجوبها لم يكن في ذلك دليل على أنَّه ذلك جميع الواجب إذ جاز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعانه بما حضر على أن يكون الباقي في ذمته وفي الخبر ما يدل على أن ذلك لم يكن واجباً وهو أنَّه لما أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتصدق بذلك، قال: علي أحوج مني ومن أهل بيتي، قال: فكله مع أهل بيتك وصم يوماً مكانه واستغفر الله، ويدل على ذلك ما روي من حديث كعب بن عجزة حين أمره أن يحلق رأسه أنسك نسيكة أو صام ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين كل مسكين نصف صاع من حنطة وفي بعضها أطعم فرقاً في ستة مساكين وذلك لكل مسكين نصف صاع، وروي عن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: يغذيهم ويعشيهم نصف صاعٍ من بر أو سويق أو دقيق أو صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، وقلنا أنَّه يجوز أن يطعم من غير ذلك مما يأكله ووقاية من الذرة وغيرها؛ لأن الله عز وجل قال: {مَنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيْكُمْ}، فأشار إلى ما نطعمه أهلنا وهذا التقدير كاف للطعام على جاري العادة في الأكل والله أعلم وأحكم.
مسألة(101/5)
ومن أراد الكسوة كسى عشرة مساكين كسوة سابغة مثل قميص سابغ أو ملحفة سابغة أو كساء سابغ، ولا تجزي عمامة وحدها ولا سراويل وحده، وبه قال أبو حنيفة: وحكى عنه إجازة السراويل وحده، قال أبو بكر: الصَّحيح أنَّه لا يجزي، قال الشافعي: يجزي من الكسوة سراويل أو عمامة؛ الأصل فيه أن الكسوة هي التي يكون الإنسان يلبسها مكتسياً على الإطلاق، وذلك لا يكون إلاَّ ما يكسوا عامة بدنه، وقد علمنا أن ما ذكرناه إذا لبسه الإنسان قيل أنَّه إكتسى، فأما السراويل وحده والعمامة وحدها، فإن لابس كل واحد منهما لا يسمى مكتسياً ولا خلاف أنَّه لا يجري فيه جورب ولا خف ولا قلنسوة، فكذلك السراويل والعمامة والعلة أن كل واحد من ذلك لا يستر إلاَّ الأقل من بدنه، وإن اسم المكتسي لا يتناوله على الإطلاق على أن من أعطى غيره سراويل أو عمامة لا يقال أنَّه كساه كما لا يقال ذلك في الخف والجورب، فلذلك قلنا أنهما لا يجزيان.
مسألة(101/6)