قلنا: لأن الدية في مقابلة الدم والدم دم واحد والكفارة ليست بعوض في مقابلة عن الدم والكفارة الجناية، فإذا ثبتت الجناية في من كل واحد منهما لزمته في نفسه كفارة كما قلنا في المحرمين إذا اشتركا في قتل صيد أن على كل واحد منهما جزاءاً كاملاً؛ لأن الجزاء ليس في مقابلة الصيد، ولأنما هو في مقابلة الجناية، ألا ترى أن الصيد لو كان ملكاً لإنسان لزمهما معاً لمالكه قيمة واحدة؛ لأن القيمة عوض للصيد وفي مقابلته وهكذا نقول في السراق إذا اجتمعوا على سرقة مال كان على الجميع ضمان واحد وكل واحد منهم استحق القطع.
مسألة(100/18)
قال: ويجب الكفارة على كل من قتل مسلماً أو ذمياً خطأ أو عمداً أيجاب إيجاب الكفارة في قتل العمد نص عليه في المنتخب ودل كلامه في الأحكام على أن لا شيء على العامد غير القود أو الدية إلاَّ أن نصه أولى أن يكون قولاً له من دلالة كلامه، وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، وقال الشافعي: عليه الكفارة، قال أيده الله: والأصح عندي إيجاب الكفارة على ما نص عليه في المنتخب، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٌ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ} فلم يشترط في هذين أن يكون القتل خطأ وأوجب الكفارة، فاقتضى حكم العموم أن تجب الكفارة في قتلهما خطأ كان أو عمداً، ولا يمكن أن قال: إن صدر الآية لما كان خاصاً وجب أن يكون وسطها وعجزها كذلك؛ لأنَّه يمتنع أن يكون الخصر عاماً والعجز خاصاً والصدر خاصاً والعجز عاماً، ألا ترى أنَّه خص المؤمن في الأول والثاني وفي الثلث عم الذمي والملي بقوله عز وجل: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيْثَاقٌ} وأيضاً روي عن ابن الأسقع قال: آتينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صاحب لنا قد استوجب النار بالقتل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <اعتقوا عنه رقبة يعتق الله عنه بكل عضو منها عضواً من النار>، وإيجاب النار يكون في العمد من القتل ويدل على ذلك أن العامة قد شارك المخطئ في الجناية وزاد العمد فازدادت الجناية، ولا يجوز أن يكون عظم الجناية سبباً للتخفيف توجب أن لا يكون العامد أحسن حالاً من المخطئ، ولا فصل بينهما إلاَّ العمد فقط، الذي هو سبب لتعظيم الجناية ثُمَّ الأصول كلها شاهدة لما قلنا، ألا ترى أن من لزمته الفدية لحق الإمام معه لعذر كان من حلف على وجه يأثم بها أولى، وكذلك من لزمته قضاء صلاة(100/19)
فاتته ناسياً أو ناعياً كان من تركها عامداً بذلك أولى وهكذا قضاء الصوم، فإذا استوى العامد والمخطئ في قتل الصيد مع الإحرام في باب الجزاء كان قاتل الآدمي بذلك أولى؛ لأنَّه أراق دماً محقوناً على التأبيد، فوجب أن تلزمه الكفارة قياساً عليه لو قتله خطأ، وأيضاً هو دم آدمي لا بد فيه من عوض، فوجب أن تلزم فيه الكفارة قياساً عليه لو قتله خطأ وأيضاً هو دم آدمي لا بد فيه من عوض فوجب أن تلزم فيه الكفارة دليله الخطأ من القتل.
فإن قيل: المنصوص لا يقاس على المنصوص عليه، وقد نص الله على حكم العامد، وكذلك نص على حكم المخطئ فلا وجه لقياس أحدهما على صاحبه.
قيل له: إن أردت أن الحكم الذي ورد النص فيه لا يقاس على حكم آخر ورد النص فيه فهو صحيح، وإن أردت أن المنصوص عليه في جملة من أحكامه إذا كان له حكم آخر لم يرد فيه النص لا يجوز أن يقاس على منصوص آخر ورد النص في جملة أحكامه، وفي ذلك الحكم بعينه، فهذا غير مسلم والكفارة أمر ورد النص بها في حكم المخطئ ولم يجر حكمها في حكم العامد، فلا يمتنع أن نقيسه عليه في هذا الحكم؛ إذ النص تناوله في أحد الأصلين ولم يتناوله في الأصل الثاني، فأما المنع في ذلك فهو وأن نقيس السلم على بيع العين فنقول: لا يصح السلم إلاَّ أن يكون المسلم فيه في ملك المسلم إليه كالبيع؛ لأن كل واحد من قد ثبت من طريق النص في كل واحد من الأصلين، وإن نقيس الصرف على سائر البيوع فيبطل التأجيل في سائر البيوع وأن يصححه في الصرف قياساً لبعضه على بعض، فأما على الوجه الذي قدمناه فلا يمتنع.
فإن قيل: لو جاز ذلك جاز أن يقاس التيمم على الوضوء، فيوجب تيمم الرأس والرجلين.(100/20)
قيل له: ليس الامتناع من هذا الوجه الذي ذكرتم، بل لأن المسلمين أجمعوا على ترك القياس فيه لما مر عرفوا من حكم التيمم وسمعوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويوضح ذلك أن هاهنا كثيراً من القياس يصح في نفسه، لكن المسلمين لما أجمعوا على تركه تركناه وسبب وجوه الترك تكثر وتختلف وعلى هذا يجب أن يجري الكلام إن قالوا: لا يجوز قياس السارق على قاطع الطريق في قطع الرجل، وما جرى هذا المجرى من المسائل وحكى عن أبي حنيفة أنَّه قال: إذا قتل الأب أبيه عامداً لزمته الكفار، وهذا يعتبر من عامة ما تعلقوا به، ويكون أصلاً يصح لنا القياس عليه، وأما الذمي فلا خلاف بيننا وبين أبي حنيفة والشافعي في أن على قاتله الكفارة مثل ما على قاتل المسلم، وحكى عن قوم أنهم نفوها وعموم قوله، فإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق يحجهم؛ لأنَّه يجب ذلك بأن يكون على أي وجه كان عمداً أو نسياناً وكثيرٌ من القياس الذي ذكرناه في العامد يصح أن يذكرها هنا، ويقاس على المسلم نحو قولنا هو محقون الدم على التأبيد ولا بد له من عوض، وأنه أعلم وأحكم بالصواب.(100/21)
باب القول في كفارة اليمين
كفارة اليمين هي إطعام عشرة مساكين من فقراء المسلمين ومساكينهم الذين توضع فيهم زكوات المسلمين وأعشارهم دون فقراء أهل الذمة أو كسوتهم أو تحرير رقبة هذه الجملة لا خلاف فيها بيننا وبين أبي حنيفة وأصحابه والشافعي ولا أحفظ فيه أيضاً عن عرفهم خلافاً إلاَّ في موضع واحد وهو جواز صرفها إلى فقراء أهل المذهب، فإن أبا حنيفة وأصحابه أجازوه ومنع زيد بن علي عليهما السلام من ذلك، وكذلك الشافعي منع منه، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِيْنِ} ولا خلاف بين المسلمين أن المراد بالفقراء والمساكين في هذه الآية فقراء المسلمين ومساكينهم والألف واللام الداخلان في الصدقات هما للجنس، فكأنه قال عز وجل: جميع الصدقات لفقراء المسلمين ومساكينهم، فلم يجز أن يصرف شيء من الصدقات إلى غيرهم.
فإن قيل: فهل تنكرون جواز صرف الصدقات المتطوع بها إلى أهل الذمة.
قيل له: لا تنكر ذلك، وإن كانت اقتضت المنع من ذلك لكن خصصنا الآية لوجوه ليس هذا موضع ذكرها ويدل على ذلك أيضاً قول الله عز وجل: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولُهُ}، والبذل والإعطاء من المودة فلا يجوز منه إلاَّ ما قام دليله ويدل على ذلك قوله عليه السلام: أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائم وأردها في فقرائكم.
فإن قيل: وهذا مما لا نؤمر بأخذه.
قيل له: ذلك غير مسلم، فإن الإمام يأخذ كل ويجب على المسلم إذا امتنع من أدائه ونقيسها على الزكاة والعشور فنقول: كل ما وجب على المسلم إذا امتنع من أدائه قد أجمعنا على أنَّه لا يجوز أن يدفع إلى أهل الذمة شيء من الزكاة والعشور، فكذلك صدقات الكفارات والعلة أنها صدقة واجبة وأيضاً قد أجمعنا أن هذه الصدقات لا يجوز دفعها إلى الحربي، فكذلك إلى الذمي.(101/1)