قيل له: معناه كفارته في الإثم لئلا يسقط الخبر الذي ذكرناه ولئلا تسقط دلالة الآية على أن خبرنا أولى؛ لأنَّه يحظر ترك الكفارة خبرهم يبيح تركها بالحاضر أولى من المبيح وهو قياس على غيرها من الأيمان بعلة أنها يمين على أمرٍ مستقبل، فمتى دفع الحنث فيها لزمت الكفارة، وهذا أن الخبران يدلان على ما ذكرناه من أن الحنث فيما ذكرناه أولى، وقد دل على ذلك قول الله تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} الآية، وروي أنها نزلت في أبي بكر، وكان حلف أن لا يبر مسطحاً بشيء من إحسانه لما روي عنه في باب الإفك في حديث عائشة فنهاه الله عز وجل من الاستمرار على ما حلف عليه من ترك الإحسان إلى مسطح بقوله تعالى: {وَلا يَأْتَلِ أُلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ..} إلى آخر الآية وأيضاً ما ذكرناه من ذلك إجماع لا خلاف فيه.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً حلف على أمر ماضٍ كاذباً وهو لا يعلم أنَّه كاذب بل يظن أنَّه صادق فلا كفارة عليه ولا إثم، وعنه لغو وإن حلف عليه وهو يعلم أنَّه كاذب فهو آثم ولا كفارة عليه ويمينه غموس وعليه التوبة الاستغفار وإن حلف على أمر مستقبل فحنث لزمته الكفارة ويمينه معقودة وهذه الجملة هي قول زيد بن علي والقاسم عليهما السلام، وبها قال أبو حنيفة وأصحابه وهو الذي حصله الناصر من مذهب نفسه وحكى عن مالك، قال الشافعي في الغموس الكفارة وحكى عنه في اللغو أنَّه على قولين.(100/13)


قال يحيى عليه السلام في الأحكام: الأيمان ثلاث فمنهن اللغو كسب القلب وما عقدت عليه الأيمان ثُمَّ فسر ذلك على ما بيناه والأصل فيه قول الله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِيْ أَيْمَانِكُمْ..} الآية، فبين عز وجل أن الأيمان ثلاث، فمنها اللغو الذي وعد عز وجل ألا يؤاخذنا بها ومنها ما يؤاخذنا بما كسبت قلوبنا من القصد إلى الكذب على وجه التعمد ولم يوجب فيها الكفارة ومنها اليمين المعقودة التي أوجب فيها الكفارة وهذا صريح ما ذهبنا إليه والذي يدل على أن الغموس لا كفارة فيها قوله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانِكُمْ} فعلق الكفارة على الأيمان التي أمرنا بحفظها ولا يصح الحفظ في الغموس؛ لأنها تقع والحالف حانث.
فإن قيل: يصح الحفظ في اليمين بتركها.
قيل له: هذا لا معنى له عند التحقيق؛ لأن الإنسان يحفظ الشيء مع حصوله قبل ضياعه، فأما قبل حصوله أو بعد ضياعه فلا معنى للحفظ هذا هو المعروف من الحفظ وأيضاً قد ثبت أنا لا نؤاخذ على اللغو في الماضي بنص الآية فدل ذلك على أن لا كفارة فيها، فكذلك الغموس؛ لأنها جميعاً على أمر ماض على أن سقوط الكفارة عن اللغو الماضي لا يخلو من أن يكون لسقوط الماثم أو لأنها في أمر ماض ولا يجوز أن يكون لسقوط المأثم؛ لأنَّ اليمين على المستقبل لا تسقط عنها الكفارة فيما يأثم فيها وما لا يأثم بل سقوط الإثم وثبوته لا يغيران حكم الكفارة فثبت أن الكفارة سقطت عنها؛ لأنها على أمر ماض فوجب أن يكون الغموس كذلك.
فإن قيل: الكفارة وجبت لحرمة اللفظ، والغموس قد شاركت المعقودة في حرمة اللفظ.
قيل له: يكون وجوب الكفارة لحرمة اللفظ؛ لان ذلك لو كان كذلك لوجب أن تلزم الكفارة في اللغو لوجود حرمة اللفظ في قول الرجل: والله وإن لم يعلقه على شيء.(100/14)


فإن قيل: قوله تعالى:{وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} يقتضي إيجاب الكفارة في الغموس؛ لأن المؤاخذة التي تتعلق بكسب القلب إنما يكون بالقصد إلى ما لا يجوز الحلف عليه.
قيل له: الله تعالى ذكر أنَّه يؤاخذ بكسب القلب ولم يقل أن المؤاخذة بالكفارة فليس فيظاهر الآية إيجاب الكفارة ونحن نقول: إنَّه يؤاخذكم ولكن المراد به العقوبة يبين ذلك أنَّه لا ذكر فيه للكفارة وأيضاً لا خلاف أن وجوب الكفارة ترجع إلى اللفظ دون كسب القلب فلا وجه لتعلقهم بالآية وأيضاً الكفارة لا يختلف حكمها بين أن يكون الحالف آثماً في حلمه أو غير آثم فعلم أنها لم تتعلق بكسب القلب ولا يصح تعلقهم بظاهر قوله ذلك كفارة أيمانكم ذا حلفتم؛ لأن فيه ضميراً بالإجماع؛ لأن؛ لأن المراد به إذا حلفتم وحنثتم فالآية لا ظاهر لها فنقول: تأويلها إذا خلفتم ثُمَّ حنثتم وهذا لا يكون إلاَّ في المستقبل ومما يدل على أن المعقودة التي تعلقت الكفارة بها ما ذهبنا إليه أن المعقودة هي التي يصح فيها المضي عليه معقوداً أو يصح .... الغموس لا يصح فيها لا المضي على عقدها ولا حلها؛ لأنها تقع محلولة مقاربة للحنث فلا تكون يمين تحل؛ لأن حلها ليس أكثر من الحنث حتى يصير وجودها وعدمها سواء في أنها لا حرمة لها على أن ذلك لو كان ذلك كذلك كان لا كفارة فيها؛ لأن اليمين لا تبقى مع الحنث يجب أن تكون وقعت وقد هتكت حرمتها فيجب أن لا يلزم فيها الكفارة لعدم الحرمة وهذه النكتة من أقوى ما يبين هذه المسألة والله أعلم، فإذا ثبت أن الغموس لا حرمة لها يمكن أن تقاس على يمين الصبي بعلة أنَّه لا حرمة لها فوجب أن لا تلزم فيه الكفارة، ويمكن أن قاس الغموس على اللغو بثلاث علل أحدها ما مضى من أنها يمين على أمرٍ ماض فلا تجب فيها الكفارة، والثانية أنها لا تقع إلاَّ مع الحنث فلا تجب فيها الكفارة والثالث أنها تقع ولا يمكن حفظها ولا خلها ويمكن بعلة رابعة أنها تقع وحرمتها(100/15)


بالحنث مهتوكة والله أعلم.
مسألة
قال القاسم عليه السلام فيمن قال: مالي للمسلمين إن لم أفعل، ثُمَّ لم يفعل أن عليه أن يخرج ثلث ماله إلى المساكين ويمسك باقية على نفسه وهذه المسألة تشتمل على مسألتين:
إحداهما: من حلف بجميع الله يزيله إخراج الثالث وهذه قد تكلمنا عليه في كتاب الحج بما أغنى والثاني أنَّه يلزمه الوفاء بما نذر به إن حنث، وهذا مما اختلف فيه فذهب أبو حنيفة إلى أنَّه يلزمه الوفاء بما ألزم نفسه مثل قولنا: وذهب الشافعي إلى أنَّه مخيرٌ بين أن يفيء بذلك وبين أن يلزم كفارة يمين ووجهه أن لزوم الوفاء لا خلاف فيه، وقد أوجبه قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: <المؤمنون عند شروطهم>، وقوله: أوفوا بالعقود وإنما الخلاف في هل تقوم الكفارة مقامه أو لا؟ ولا يصح إثبات بدل ولا دليل عليه فوجب سقوطه.
فإن قيل: فقد قال الله عز وجل: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وهذا ضرب من اليمين؛ ولأن الناذر أخرجه مخرج اليمين.
قيل له: ليس بيمين في الحقيقة، وإن كان الناذر أخرجه خرج اليمين، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال: واليمين على المدعي عليه لم يقل يدخل فيها هذا القبيل، فعلم أنَّه ليس بيمين في الحقيقة، فلا يجب أن يحمل ظاهر الآية عليه وأيضاً لا خلاف أن الكفارة لا مدخل لها في الأيمان بالطلاق والعتاق، فكذلك في الصدقات والحج والصيام، والعلة أنها أيمانٌ بغير الله ولا خلاف أن الكفارة لا يدخلها في قول الرجل أن شفى الله مريضي فلله علي صدقة درهم أو صيام يوم كذلك إن قال: إن دخلت الدار والمعنى أن كل واحد منه ما قربة معلقة بشرط فمتى حصل الشرط وجب القربة ولم يكن للكفارة فيه مدخل.(100/16)


فإن قيل: قد أخذ ذلك بشيئين أحدهما من النذر والآخر من اليمين فليس من قصره على أحدهما بأولى ممن قصره على الآخر فوجب أن يخيره بينهما بين أن يجعله نذراً اقتضاء وبين أن يجعله يميناً فيكفر.
قيل: قولك ليس من قصره على أحدهما بأولى من قصره على الآخر خطأ وذلك أن من قصره على النذر فقد قصره على أمر أجمع المسلمون على صحته؛ لأنَّه لا خلاف في أنَّه لو أجراه مجرى النذر ووفا به أجزاه وصح منه ودلت عليه أدلة الأثر والنظر على ما بيناه، وليس كذلك من قصره على اليمين، فإنه يكون قاصراً به على أمر لا دليل عليه، فكيف يستوي حكمهما وأيضاً الاحتياط يوجب ما ذهبنا إليه وأيضاً الحظر يشهد لنا؛ لأنا نحظر العدول عن الوفاء ويبيحون العدول عنه إلى الكفارة.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال: له علي ثلاثون أو عشرون نذراً أو أقل أو أكثر ولم يسم شيئاً معلوماً وجب عليه أن يكفر عن كل نذر كفارة يمين وبه قال أبو حنيفة، والأصل فيهما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين فأوجب فيه كفارة يمين؛ لأنَّه نذر لم يتعلق بالقربة، وروي أيضاً عن عقبة بن عامر قال: أشهد أني سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <من نذر نذراً لم يسمه فعليه كفارة يمين>، وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رواه محمد بن منصور، وهذا نص فيما قلنا هو أيضاً قد أوجب على نفسه لله عز وجل أمراً لم يسمه ولم يقل أحد فيه بشيء سوى كفارة يمين فقلنا به؛ لأنا لو لم نقل به كنا أغلينا الإيجاب وقد حصل.
مسألة
قال القاسم: إذا اجتمع رجلان على قتل رجل خطأ لزم كل واحد منهما كفارة عن نفسه، وذلك أن كل واحد منهما قاتل فالكفارة لزمته لكونه قاتلاً.
فإن قيل: فهلا قلتم أن على كل واحد دية كاملة.(100/17)

117 / 149
ع
En
A+
A-