قال: ولو أن رجلاً حلف أن يقتل فلاناً وفلان ميت ولم يعلم به الحالف لم يلزمه شيء، قال القاسم عليه السلام: من حلف أن يزن الفيل وما أشبهه لم يلزمه شيء، وقول أبي حنيفة فيمن حلف أن قتل فلاناً وهو ميت ولا يعلم به مثل قولنا، فإن كان يعلم به حنث ولا نص لأصحابنا فيمن يحلف مع علمه بأنه ميت والصحيح عندي أنَّه لا فضل بينهما وللمسألة طريقان:
أحدهما أن هذه اليمين لم تتعلق بشيء؛ لأنها يمين على نقض بنية معه إفاتة الحياة، وليس للميت حياة يصح إفاتها فلم تتعلق اليمين على شيء منها واشبهت قول الرجل: والله ثُمَّ يسكت، أو يقول: والله قد خرج ولا يقول من خرج في أنها يمين لا متعلق لها فوجب أن لا يقع بها حنث، وقالوا على هذه الطريقة فيمن حلف ليشربن الماء الذي في هذا الكوز، وليس في الكوز ماء، وبه قال أبو حنيفة ومحمد، قال أبو يوسف إنَّه يحنث في جميعه، وهذه الطريقة فيها بعض النظر؛ لأن اليمين يصح تعلقها بها تعلقت به؛ لأنَّه حلف أن ينقض بنيه على وجهٍ تفوت معه الحياة واليمين يصح تعلقها بما يتعذر فله، وكذلك أشب الماء الذي في هذا الكوز تقديره أي أصير شارباً لما في هذا الكوز من الماء، والدليل على أنها قد تعلقت أن اليمين تتعلق بمتعلق الخبر، هذا الخبر لو تعرى عن اليمين كان كذباً ولم يصر كذباً إلاَّ لتعلقه بمتعلقه، فإذا كان كذلك فارق قوله: والله أو قد خرج؛ لأنَّه لا يدخل فيه الكذب والصدق لما لم يصح أن يتعلق بمتعلق والطريقة الثانية أنا نشبهها باليمين الغموس وعامة ما يدل على أن اليمين الغموس لا كفارة فيها يدل على أن هذه اليمين لا كفارة فيها.(100/8)
ونكتة الباب أن الغموس لم تلزم فيها الكفارة؛ لأنها وقعت والحالف حانثٌ ولم يصح أن يرى فيها أن يبرّ أو يحنث، فكل يمين وقعت والحالف حانث يجب أن يكون سبيلها سبيل الغموس في أن لا كفارة فيها ومن حلف أن يقتل ميتاً يعلم أنَّه حين حلف حانثٌ وذلك أنا نعتبر الحنث بالكذب، فكل من حلف على أمر أو خبر عنه من دون اليمين كان كاذباً، فمتى حلف عليه كان حانثاً كأن يحلف أنَّه يصعد السماء أو يحيى ميتاً أو يشرب ماء البحر كله، ألا ترى أنَّه لو أخبر عن جميع ذلك يكون كاذباً، فإذا حلف عليه يجب أن يكون حانثاً ومما يبين أنَّه حين يحلف يكون حانثاً أن من حلف أن يعتق عبده فحنثه عند الموت في آخر جر من الحياة وهي الحالة التي تحقق معها عجزه عن العتق، فإذا كان أمر الحالف معلوماً أنَّه يعجز عن فعله ما حلف عليه كان حانثاً فأشبه الغموس وأيضاً فإن الله عز وجل قسم الأيمان على ثلاثة فجعل منها قسماً هو اللغو الذي لا يؤاخذ به وجعل منها ما كسبت القلوب إثمها وجعل منها ما عقد من اليمين وجعل الكفارة في قسم واحد وهو ما عقدها وهذه اليمين مما كسبت القلوب إثمها؛ لأنَّه حلف حين حلف مع علمه بأنه كاذبٌ فلم يجب أن يدخل فيما عقدنا من الأيمان؛ لأنَّه لا يصح منا حفظها، قال الشافعي مثل قول أبي حنيفة فينم حلف أن يصعد السماء أو ما جرى مجراه أنَّه يحنث وتلزمه فيه الكفارة بناء على إجابة الكفارة في الغموس، وإذا بينا فيما بعد أنَّه لا كفارة في الغموس بأنه لا كفارة في هذه الأيمان إذ لا فرق بينه وبين الغموس، فأما ما قال القاسم من أن من حلف أن يزن الفيل فلا شيء عليه، فإنما يريد نفي الكفارة وإلا فالإثم لا زم له لاشك فيه؛ لأنَّه حلف بالكذب كمن حلف الغموس والذي يجب في هذا أن ينظر فيه فإن كان وزن الفيل مما يتعذر على القطع حتى يكون بمنزلة شرب الواحد ماء البحر أجمع أو صعوده السماء فما قاله صحيح لا كفارة فيه للوجه الذي بيناه فإن كان مما يجوز التوصل(100/9)
إليه بإنفاق الأموال العظيمة، فيجب أن تلزم فيه الكفارة إذا مضى الوقت الذي حلف عليه ورأى القاسم عليه السلام أن ذلك مما يتعذر ولا يصح فعله منا على ما نحن عليه من مقدار قواناً وآلاتنا، فلذلك أسقط الكفارة وليس ما رآن من ذلك ببعيد.
فصل
قال أبو حنيفة ومحمد فيمن حلف ألا يكلم فلاناً حتى يأذن زيد فمات زيد قبل أن يأذن أن يمينه قد سقطت، وله أن يكلمه، قال أبو يوسف: صارت يمينه مطلقة ويحنث متى كله والأقرب على مذهب يحيى بن الحسين عليه السلام أن اليمين تسقط كما قال أبو حنيفة ومحمد، والوجه الذي اعتمد أصحابه أن هذه يمين مؤقتة؛ لأن حتى توفيت فتعلق انعقادها بآخر الوقت، فإذا أوجد آخر وقت وهو عند موت زيد واستحال وجود الإذن سقطت اليمين وهذا يضعف جداً؛ لأنَّه علق به يمينه على شرط، فإذا استحال حصول الشرط استحال أن يبر ووجب أن يحنث، كما أنَّه لو حلف أن لا يكلم زيداً حتى يسيب الغراب أو يبيض القار حنث متى كلمه والصحيح عندي في هذا أن يقال: إن العرف في الأيمان بمنزلة النطق، والعرف أن الإنسان إذا قال: لا أكلم حتى يأذن لي زيد إنَّما يريد ما دام زيد حياً يصح منه الأذن أو ترجى صحته إن عرضت حالة منعت منه، فكأنه لا قال: لا أكلمه حتى يأذن لي زيد ما دام على هذه الصفة وإن لم ينطق به فإذا زالت الصفة سقطت اليمين وهذا الوجه يمكن أن يقال: ومن حلف أن يقتل فلاناً وفلان ميت وهو لا يعلم بموته.
مسألة
قال: وإذا ردد أيمان عدة في شيء واحد ثم حنث لم تلزمه إلاَّ كفارة واحدة، وهو قول القاسم عليه السلام، قال أبو حنيفة يكفر بعدد الأيمان وأظنه قول الشافعي، والدليل على ما ذهبنا إليه قول الله تعلى بعد انقطاع ذكر الكفارة {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} فجعل بظاهر الآية الكفارة الواحد كفارة الأيمان عدة.(100/10)
فإن قيل: فقد قال الله عز وجل: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكْمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ} وَالْمؤاخذة على الأيمان المعقودة عندكم هي مؤاخذة بالكفارة، فإذا عقد أيمان عدة فيجب أن يأخذه بكفارات عدة.
قيل له: لا يسلم أنَّه عقدٌ على الحقيقة إلى يميناً واحدة؛ لأن الثانية إذا لم تفد إلاَّ ما أفادته الأولى لا يكون لها انعقاد على أن ذلك لو كان مسلماً لم يكن له في محجة؛ لأنَّه تعالى أوجب بنظاره الآية على عقد الأيمان كفارة واحدة حين قال: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ} وأيضاً الموجب للكفارة هو الحنث والحنث هو واحد ولم يهتك إلاَّ حرمة واحدة فوجب أن لا تلزم إلاَّ كفارة واحدة؛ لأن اليمين الثانية والثالثة لم يفيد غير ما أفادته الأولى فلم يجتمع هناك حرمات بل ليس إلاَّ حرمة واحدة الأولى دليله سائر العقود؛ لان كل من عقد عقداً أوجب حكماً فتكرير ذلك العقد لا يوجب غير الحكم الأول مثل عقد الإحرام وعقد النكاح وعقد البيع وعقد الإجارة.
فإن قيل: ما أنكرتم أن يكون الموجب للكفارة هو اليمين فيجب أن تكون الكفارات بحسبها.
قيل له: عندنا أن اليمين التي انعقدت عليه إنَّما هي يمين واحدة والباقي لا حكم لها بمنزلة اللغو كما بيناه في سائر العقود، وعلى أن ذلك لو لم يكن كذلك لم يصح أن يكون الموجب للكفارة هي اليمين؛ لأن اليمين توجد ولا يجب الكفارة ولا يوجد الحنث إلاَّ وتجب الكفارة فالأولى أن يكون الموجب هو الحنث كما نقول ذلك في قتل الصيد وقتل المؤمن.
فإن قيل: ألستم تقولون أن على القارن إذا قتل صيداً جزأين فما أنكرتم بمثله في كفارة اليمين.(100/11)
قيل له: لأن القارن هتك حرمة إحرامين مختلفين، ألا ترى أن المحرم بحجة لو عقد على نفسه إحراماً بعد إحرام لتلك الحجة بعينها ثُمَّ قتل صيداً لم يلزمه إلا جزاء واحداً ومثال ما سألتم من جزاء القران أن يحلف فيقول: إن دخلت الدار فعلي صدقة درهم وصيام يوم، فإنه يلمزه إذا حنث لزمه الأمران جميعاً؛ لأنَّه حصل عليه عقدان مختلفان والله أعلم وأحكم بالصواب.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً حلف أن لا يفعل بعض الطاعات كان له أن يفعلها فإن فعلها لزمته الكفارة وإن كانت من الواجبات لزمه أن يفعلها، فإذا فعلها لزمته الكفارة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي: وحكى عن قوم أنَّه لا كفارة، وبه قال الناصر والدليل على لزوم الكفارة فيما ذكرناه قول الله عز وجل{لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ باللغو في أيمانكم} فبين أنَّه لا مؤاخذة علينا في اللغو وإنما يؤاخذ فيما عقدنا الأيمان بالكفارة ولا خلاف أن هذه الأيمان ليست من اللغو وإنها مما عقدنا الإيمان بالكفارة، فوجب فيها الكفارة بظاهر الآية وأيضاً روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <من حلف على أمرٍ فرأى غيره خيراً منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه>.
فإن قيل: فقد روي من حلف بيمين على شيء، ثُمَّ رأى غيره خيراً منه فليأت فإنه كفارته.(100/12)