قيل له: لو لم يكن لنا دليل على أن هذا ليس بيمين غير هذا الخبر لكان فيه كفاية وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توعد عليه الصادق والكاذب والتوعد عن النبي أوكد من النهي عنه فثبت أنَّه ليس بيمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن ينهي عن اليمين صادقاً بل كان يحلف ويحلف، فلو كان هذا يميناً لم ينه عنه.
فإن قيل: اليمين بالبراءة من الإسلام معقودة على تعظيم الله تعلى، فهو يجري مجرى اليمين بالله عز وجل.
قيل له: فاجرٌ على هذا اليمين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبجبريل وميكائيل وسائر رسله عليهم السلام وملائكته وكتبه ورسله، فإن اليمين بذلك أجمع معقودة على تعظيم الله؛ لأن تعظيم هؤلاء إنَّما هو بتعظيم الله عز وجل كما أن تعظيم البراءة من الإسلام لتعظيم الله عز وجل فإذا ثبت أنَّه لا يمين بملائكة الله وكتبه ورسله؛ لأنهم عباد الله، فكذلك لا يمين بالبراءة من الإسلام لهذه العلة.
مسألة(100/3)
قال: واليمين التي تلزم بها الكفارة أن تقول: والله لا فعلت كذا أو بالله أو تالله أو قال: وبحق الله ربي أو ربي أو حق ربي أو ورب شيء مما خلقه الله تعالى أو يقول على عهد الله وميثاقه أو قال: وأيم الله أو وهيم الله، أو قال: أقسم بالله، فكل ذلك يمين تلزم فيه الكفارة من حلف بها ثُمَّ حنث أما الواو والباء والتاء فإنها حروف القسم لا خلاف فيه، قال الله تعالى: {فَوَرَبِّكَ}، وعن ابن عمر قال: كثير ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحلف بهذه اليمين لا ومقلب القلوب، وعن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا اجتهد في اليمين قال والذي نفس أبي القاسم بيده وأما الباء فقد قال الله عز وجل: {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهُمَا} وروى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام في يمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو الخبرين إلاَّ أنَّه قال: والذي نفس محمد بيده. وقال أيضاً: {إِنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ} وأما التاء فقد حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام، وعن أولاد يعقوب {وَتَاللهِ لأَكِيْدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} {تَاللهِ تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} وأما وحق الله فهو يمين عندنا وعند أبي يوسف والشافعي، قال أبو بكر: قول أبي حنيفة في حق الله مثل قول محمد: ليس بيمين ولا كفارة فيه ووجهه أن الله تعالى قد سمى نفسه بحق بقوله: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِيْنِ} فإذا حلف به فقد حلف بالله عز وجل، وقول: وحق الله أو والله الحق، كما قالوا في قولنا: وعظمه الله وجلال الله تقديرهما والله العظيم والله الجليل، كذلك وحق الله؛ لأنا لا نرجع إلى غير الله، وهذا يسقط قول من يقول: إن ... حق الله تعالى علينا هو عبادته من الصلاة والصيام واليمين بها عين بغير الله عز وجل، فأما قوله وربي وحق ربي أو بحق رب شيء مما خلقه الله(100/4)
فيكون يميناً، لقول الله عز وجل: {فَوَرَبَّكَ} {فَلا وَرَبِّكَ} والرب هو الله عز وجل، ومنه قوله: {رَبَّنَا آتِنَا فِيْ الدُّنْيَا حَسَنَةً} {رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا} وأما قوله على عهد الله وميثاقه فلقول الله تعالى: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ} ثُمَّ عقب بتعظيم الخلاف فيه بقوله {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِيْ قُلُوبِهِمْ} وقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُّمْ} وقال: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً} وقال أبو حنيفة: هو يمين والميثاق هو بمعنى العهد وقد قال عز وجل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيْيِّنَ مِيْثَاقَهُمْ} وقال: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيْثَاقَ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ} {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيْثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ} وذكره ي القرآن كثير، قال الشافعي: قول الرجل علي عهد الله وميثاقه ليس بيمين، إلاَّ أن يريد به اليمين وقد بينا صحة ما قلناه، قال: هو لأنَّه يحتمل أن أراد به اليمين وفيما بيناه ما يدل على أنَّه موضوع اليمين كما نقول في الطلاق والعتاق إنَّه لا يرجع في الظاهر فيهما إلى الاحتمال، وأما أيم الله وهيم فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: حين طعن بعض الناس في أمر أسامة بن زيد وأيم الله إن كان لحليفاً بالأمارة والقاسم بأيم الله كثير في خطب علي عليه السلام وكلامه وهو في اللغة كثير كقولهم: أرقت الماء وهرقته، وقاله قسم بالله هو يمين عند أبي حنيفة وأصحابه والقاسم هو اليمين، فكأنه قال: أحلف بالله وقد قال الله: {فَيُقْسِمَانِ بِاللهِ} وقال: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} وذكره في القرآن كثير، قال: فإن قال: أقسم لا فعلت، ثُمَّ فعله لزمته الكفارة إن أراد القاسم بالله، وإن أراد القاسم بغيره لم تلزمه الكفارة، وذلك أن قوله: أقسم يحتمل ما قال: وليس له ظاهرٌ يدل على قسم بالله(100/5)
فردونا الأمر فيه إلى نيته، قال أبو حنيفة: هو يمين واستدل أصحابه بقوله عز وجل: {إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِيْنَ}.
قيل له: يحتمل أن يكون أراد القاسم بالله، فليس فيهما يمنع مما ذكرناه وما ذكرناه في قوله: علي عهد الله وميثاقه وأقسم بالله وتالله وأيم الله وهيم الله كلها قول القسم وجميع ما ذكرناه أنَّه يمين هو قول الناصر عليه السلام، قال: وإذا حلف الحاف ثُمَّ استثنى قبل انقطاع كلامه، فله ما استثنى وإن استثنى بعد انقطاع كلامه لزمته اليمين وبطل الاستثناء، وهو القسم وقول أبي حنيفة والشافعي، ولا أحفظ فيه خلافاً إلاَّ ما يحكى عن ابن عباس أنَّه قال له أن يستثني ولو بعد سنة، وقيل: إنَّه لم يرد التحديد وإنما أراد أن طويل المدة فيه كقصيرها، أما الاستثناء فقد بينا في كتاب الطلاق والعتاق ما نذهب إليه في قول الرجل إن شاء الله فلا معنى لإعادته وهاهنا الغرض هو تبيين موضع الاستثناء وفي وجوب الكفارة دليل على بسقوط قوله؛ لأن الاستثناء بعد حين لو أجزأ لكان يستثنى ويستغني عن الكفار، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <من حلف على أمر ثُمَّ رأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خيرٌ وليكفر عن يمينه بحجة؛ لأن الاستثناء لو جاز على التراخي لكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم: <ليستثن وليأت الذي هو خير إن شاء الله> والاستثناء يؤثر في الكلام للإيصال، ألا ترى أن جميع ما يؤثر كالشروط والإرادات والنيات لا يؤثر شيء منها بعد إنقطاع كلامه، فكذلك الاستثناء.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال: حلفت في كذا أو علي يمين في كذا فلم يكن حلف كان ما قاله كذباً ولم يلزمه فيه شيء، ووجهه أنَّه اخبر عن أمرٍ فإن كان ما قال على ما قال فهو صاد، وإن كان غيره فيجب أن يكون كاذباً، ولا يجب أن تلزمه الكفارة؛ لأنَّه لم يعقد اليمين وإنما أخبر أنَّه قد عقد فيجري مجرى الإقرار بأمر لم يكن أنَّه لا شيء عليه فيما بينه وبين الله تعالى.
مسألة(100/6)
قال: ومن أكره على يمين فحلف لمكرهِ لم يلزمه الحنث إلاَّ أن يكون ظالماً في يمينه وهو قول القاسم وأحمد بن عيسى والناصر وكثير من أهل البيت عليهم السلام، وبه قال الشافعي، قال أبو حنيفة: تلزمه يمينه وإن حلف كرهاً وقد استقصينا هذا في كتاب الطلاق وأذكر هاهنا شيئاً منه على سبيل الإختصار، والدليل على ذلك قول الله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِيْ الدِّيْنِ} معناه لا حكم له، وقال: {إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مِطْمَئِنٌ بِالإِيْمَانِ} فلم يجعل للكفر الواقع على سبيل الإكراه حكماً، فكذلك اليمين إذ ليست اليمين أعظم من الكفر، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه>، ويشبه الصغير والمعتوه؛ لأن عقده كلاً عقد، وأيضاً من أتيت بالزنا وهي مكرهة ومن أتى بكلمة الكفر وهو مكره في حكم من لم يأت بالزنا ومن لم يأت بكلمة الكفر، فكذلك من أتى باليمين وهو مكره فهو في حكم من لم يأت بها والعلة أنَّه مكره على ما أتى من القول مما لا يتعلق بحقوق بني آدم ويمكن أن يقاس على كلمة الكفر خصوصاً بعلة أنَّه مكره على ما أتى من القول وتشهد له البيوع والهبات وغيرها من العقود والإبراء من الحقوق؛ لأن شيئاً منها لا يقع وهو مكره فبان به صحة ما ذهبنا إليه، وقوله: إلاَّ أن يكون ظالماً، أراد إذا كان المكره حاكماً أو الممتنع من اليمين ظالماً، وقد مضى في صدر الكتاب أن النية في مثله نية المحلف.
مسألة
قال: ولو أن صبياً حلف في صغره ثُمَّ حنث في صغره أو كبره لم يلزمه الكفارة، وكذلك إن حلف بالطلاق والعتاق في حال صغره ثُمَّ حنث لم يلمه شيء، وهذا مما لا خلاف فيه؛ لأنَّه ممن يستيقظ، وعن المجنون لا عقود له ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: <رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن الصبي حتى يحتلم>.
مسألة(100/7)