قال: وإن حلف ألا يتزوج فتزوج تزويجاً فاسداً لم يحنث؛ لأن من فعل ذلك لم يكن متزوجاً ولم يتعلق به شيء من أحكام الزوجية فهو يجري مجرى البيع الباطل الذي هو بيع الحر أو بيع الكعبة أو ما جرى مجراه، ألا ترى أنَّه لا يقع به استباحة البضع على وجه من الوجوه كما يقع الملك بالشراء الفاسد إذا ضامه القبض عندنا؛ ولأن المسلمين ليس في عاداتهم أن يتزوجوا التزويج الفاسد فلم يتناوله الاسم فلهذا قلنا: إنَّه لا يحنث.
فصل(99/22)
قال يحيى في الفنون: إن حلف أن لا يهب لفلان شيئاً ولا يتصدق عليه ولا يعيره ولا يقرضه فوهب أو تصدق أو أعار أو أقرض ولم يقبل الموهوب له إذا ضربنه مجتمعات، فدل هذا من مذهبه على أنَّه تخصيص بالنية فيما لا نطق له؛ لأنَّه ليس للإجماع هاهنا لفظ يتناوله على العموم ولا على وجه الخصوص فعلى هذا لو قال: والله لا آكل ونوى طعاماً دون طعام فله نيته وهو قول الشافعي: ويدين فيما بينه وبين الله وفي الحكم يحمل على ما يقتضيه ظاهرٌ الإطلاق، قال أبو حنيفة في مثله نيته لغوٌ لا يدين لا فيما بينه وبين الله عز وجل ولا في الحكم، قال: لأنَّه ليس هناك لفظ يقصد بالتعميم والتخصيص والدليل على ما ذهبنا إليه من أن التخصيص والتعميم يصح فيما لا نطق له إذا كان هو المقصود بالخطاب قول الله تعالى: {حَرِّمَتْ عَلِيْكُمْ أُمُّهَاتِكُمْ} وقد علمنا أن المراد بالتحريم ليس هو أعيان الأمهات؛ لأن ذلك يستحيل عقلاً، فكيف يخاطب به سمعاً، فوجب أن يكون المراد بالتحريم بظاهره تصرفنا فيهنَّ بالوطئ والبيع والاستماع والخدمة والاستخدام والاسترقاق والضرب، وكلما صح التصرف به منافي الغير ولا لفظ لشيء من ذلك ثُمَّ ورد التخصيص عليه؛ لأنا قد علمنا أن لم نمنع ن خدمها وإطعامها والنظر إلى وجهها وذراعيها وقدميها وما أشبه ذلك، فإذا ثبت ذلك ثبت أن التخصيص تجوز أن يرد على ما لا نطق له بالإرادة فصح ما ذهبنا إليه ولهذه الآية نظائر كثيرة منها ما ورد التحريم على التعميم ومنها ما ورد على التخصيص على أنا لو قلنا في جميع ذلك أن التخصيص راجعٌ إلى اللفظ لصح، وذل أنَّه لما قال عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلِيْكُمْ أُمُّهَاتِكُمْ} جمع التخصيص إلى التحريم، فكأنه قال: حرم الوطء ولم يحرم الإطعام، وكذلك في قول الرجل لا أكل يرجع التخصيص إلى أكل دون أكل، كأنه قال: لا آكل الفاكهة وأكل الخبر، وإذا قال: لا أكلم زيداً رجع التخصيص إلى التكلم، كأنه قال: لا أكلمه في زمان(99/23)
وأكلمه في زمان، وإذا قال: أنتن طوالق إن ضربتن رجع التخصيص إلى الضرب، كأنه قال: إن ضربتن على وجه دون وجه فصح ما ذهبنا إليه من الوجوه كلها، ونقول في مثل هذا وما جرى مجراه أنَّه يدين فيما بينه وبين الله عز وجل دون الحكم؛ لأن ما ذكره باطن محتمل لا دليل عليه، فجاز أن يكون كذلك وجاز ألا يكون كذلك فدين فيما بينه وبين الله عز وجل لجواز أن يكون صادقاً يه ولم يدين في الحكم؛ لأن الظاهر بخلافه.(99/24)
باب القول فيما يوجب الكفار
لو أن رجلاً حلف ببيت الله عز وجل أو بسورة من كتاب الله أو بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بحق نبي من أنبياء الله ألا يفعل شيئاً ففعله فلا كفارة عليه وإنما تجب الكفارة في اليمين بالله وحده وبه قال أبو حنيفة والشافعي ولا أحفظ فيه خلافاً إلاَّ شيئاً ذكره الناصر عليه السلام وهو أنَّه قال: الحلف بملائكة الله وكتبه ورسله يمين وفي تعليق ابن أبي هريرة أن القسم بالقرآن يصح حكاه نصاً عن الشافعي، والدليل على ما قلناه أن جميع ذلك غير الله عز وجل ومما خلقه الله عز وجل، فلو جاز أن يكون الحلف بشيء من ذلك يميناً أو أن يكون الحلف بجميع ما خلق الله يميناً كالنجم والشجر والثلج والمطر والسماء والأرض والنجوم والكواكب والشمس والقمر، فلما بطل الحلف بجميع ذلك؛ لأنَّه حلف بغير الله، فكذلك ما قدمناه، وهذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى الإطناب، قال: وعلى الرجل أن يفيء بما حلف عليه بسائر ما ذكرناه، ألا يرى غيره خيراً منه وأقرب إلى الله عز وجل، وذلك استحباب كما أن الوفاء بالمواعيد استحباب فإذا قرنه بذكر ما فضله الله كان أكد للاستحباب على أن اليمين بجميع ذلك مكروه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: <من فليحلف بالله أو يصمت>، وروي عن أبي عمر أنَّه رأى رجلاً يحلف بالكعبة فقال له ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <لا تحلفوا بآبائكم ولا أمهاتكم ولا بالأنداد ولا تحلفوا إلاَّ بالله>.
فإن قيل: روي أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال للأعرابي وقد سأله عن الفرائض فأجابه فقال: لا أزيد عليها شيئاً ولا أنقص منها <أفلح وأبيه إن صدق دخل الجنة>.(100/1)
قيل له: لم يكن مخرج هذا مخرج اليمين؛ لأنَّه معلم أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم يم يقصد تعظيم الأعرابي وإنما قال ذلك على ما جرت العادة من مخاطبة العرف على أنَّه لو أراد به القاسم والأخبار التي ذكرناها قصد حصرت عليه اليمين بغير الله فهو أولى على أن أحداً لا يقول: إن هذا الخبر يمينٌ فلا وجه للاشتغال به.
فإن قيل: فقد أقسم الله تعالى بالسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب والتين والزيتون والطور والذاريات وما أشبه ذلك.
قيل له: ذلك كثير من العلماء ذهب على أن التقدير في ذلك ورب كذا واليمين وقعت بالله ومنهم من قال: إن له عز وجل أن يقسم بما شاء، وهذه الأشياء مما خلقها وأعظم المنة بها علينا؛ لأن لنا فيها منافع ووجوهاً من الاعتبار ولا يمتنع أن يحسن الشيء من الله عز وجل ويقبح منا؛ لأنا لا نوقعه على الوجه الذي وقع من القديم عز وجل، قال القاسم عليه السلام: لا تلزم الكفارة في الحلف بالقرآن وبالبيت الحرام وبالبراءة من الإسلام، قال زيد بن علي عليهما السلام: الحلف بالبراءة من الإسلام واليهودي والنصراني ليس بيمين ولا حنث فيه، وقد مضى الكلام في الحلف بالقرآن والبيت الحرام، فأما البراءة من الإسلام فد ذهب أبو حنيفة إلى أنَّه يمين، وكذا قال في قول الرجل أنا يهود أو نصراني إن فعلت كذا وكلما مضى من الأثر والنظر يدل على فساد هذا القول؛ لأنَّه يمين بغير الله.
فإن قيل: روى أبو بريدة عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال: <من حلف فقال أنا بريء من الإسلام فإن كان كاذباً فهو كما قال وإن كان صادقاً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً> فأثبت اليمين بالبراءة من الإسلام.(100/2)