وهم فصلوا بين هذا وبين ما اختلفنا فيه بأن قال: إن هذا مما لا يقدر عليه فشرب ميع ماء النهر لا يقدر عليه.
قيل له: وهذا الفصل لا يمنع من المناقضة إذا قد صح الجمع بينه وبين ما اختلفنا فيه بالعلة التي ذكرنا على أنهم لا يفصلون في باب الحنث بين ما يقدر عليه وبين ما لا يقدر عليه فلا معنى لالتجائهم إلى ما قالوا: وكذلك الشافعي لا يفصل بين ذلك؛ لأنَّهم جميعاً قالوا: لو حلف أن يصعد السماء أو يحيى ميتاً يحنث.
فإن قيل: أليس لو حلف أن لا يعطي زيداً اليوم عشرة دراهم فأعطاه درهماً لم يحنث، فكذلك ما اختلفنا فيه.
قيل له: نحن اشترطنا أن تكون الجملة التي تتعلق عليها معينة لتكون اليمين متعلقة على أبعاضها، فإذا كانت العشرة غير معينة فكل درهم يعطى لا يكون من جملة تلك العشرة فلهذا لم يتعلق الحنث به.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه أنَّه قال لرجل من أصحابه لا أخرج من المسجد حتى أعلمك سورة لم تنزل على أحد قبلي إلاَّ على أخي سليمان،، قال: وأخرج إحدى رجليه من المسجد، وقال: بم تفتتح صلواتك؟ فقال: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. فقال: هيه هيه إنها السبع المثاني والقرآن العظيم وروي أيضاً أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن آية من كتاب الله عز وجل فقال: لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بها فقام صلى الله عليه وآله وسلم فلما أخرج إحدى رجليه من المسجد أخبر بالآية قبل أن يخرج الرجل الأخرى قالوا: فلو كان يقع بعض ما وقع عليه اليمين لكان صلى الله عليه وآله وسلم قد خالف ما تقدم من وعده.(99/17)
قيل له: نحن اشترطنا أن يكون الحكم الذي تعلق بالجملة يصح تعلقه على أبعضاها، ولذلك أوجبناه في الأبعاض كما أوجبناه في الجملة والخروج فعل يصح تعلقه بجملة الحي، ولا يصح تعلقه بأبعاضه، ولهذا لا يجوز أن يكون بعض الحي ضارباً وبعضه غير ضارب؛ لأن الضرب فعل يتعلق بجملة الحي، وكذلك ما جرى مجراه من سائر أفعاله فلم يجب أن يكون أراد بذلك أن لا يخر ما أودعوه مثل ما اختلفنا فيه على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجوز أن يكون أراد بذلك ألا يخرج الخروج التام فكانت نيته له ونحن لا ننكر أنَّه لو قال: والله لا ألبس ثيابي هذه ونوى لبسها بأجمعها أن له نيته ومما ناقض فيه أبو حنيفة، قالوا: لو حلف ألا يصوم فأصبح صائماً حنث، وإن كان ما فعله بعض الصوم، وكذلك إن حلف أن لا يصل فصلى ركعة بسجدتيها أنَّه يحنث وإن كان ذلك بعض الصلاة، فكذلك ما اختلفنا فيه.
مسألة
قال: وإن حلف أن لا يلبس ثوبه أحدٌ فسرقه ولبسه حنث إن كانت يمينه مبهمة وإن كان نوى أن لا يلبسه أحدٌ بإذنه فلبسه السارق لم يحنث قلنا في الأول: إنَّه يحنث؛ لأنَّه أطلق اليمين ولم يكن الأذن منوياً ولا منطوقاً، وقلنا في الثاني: أنَّه لا يحنث؛ لأن منوي الإذن كمنطوقه للوجه الذي تقدم في معاني حكم النية.
مسألة(99/18)
قال: ومن حلف أن لا يفارق غريمة حتى يأخذ حقه منه ففر غريمة أو قام هو لحاجة وكان نوى ألا يزايله ويراصده حنث، قال أبو حنيفة: إذا فر غريمة لم يحنث، وقيل أنَّه للشافعي على قولين، وذلك أنَّه لو حلف ألا يفارقه فتعلق اليمين بالمفارقة فإذا جرى ما ذكر فقد وقعت المفارقة التي حلف أن لا يفارقه فتعلقت اليمين ما تقع فوجب أن يحنث، وقوله: وكان نوى أن لا يزايله أو يراصده، فعلى التأكيد وإلا فالحنث واقع باللفظ، قال: كان حلف ألا يفارقه حتى يأخذ حقه، وكان عليه عين فأخذ عرضاً بقيمته لم يحنث وإن أخذ رهناً أو قبل ضامناً ثُمَّ فارقه على ذلك لم يحنث أيضاً إلاَّ أن يكون نوى ألا يقبل رهناً لا ضماناً، أما إذا أخذ عرضاً بقيمة فلا إشكال في أنَّه لم يحنث؛ لأه إذا رضي بالعرض فقد انتقل حقه إليه، فإذا أخذه فقد استوفي حقه، ألا ترى أنَّه لا يبقى بينهما معاملة بسبب ذلك الحق للاستيفاء الواقع، وأما الرهن الضمان فإنهما ليسا بحقه وإنما تعلق حقه بهما فإن كان نواهما لم يحنث وإن كان لم ينوهما أو نوى ألا يقبلهما، فالواجب أن يحنث وعلى يجب أن يحمل ما قال.
مسألة
ولو أن رجلاً كان عليه لرجل ألف درهم فحلف أنَّه يقضيه في هذا اليوم فأعطاه فيها زيوفاً أو مزيفة وأخذ صاحب الحق لم يحنث وإن أعطاه فيها حديداً أو رصاصاً حنث، وإنما قلنا في الزيوف والمزية أنَّه لم يحنث؛ لأنهما من الدراهم وهو قصد إلى أن يوفيه ألف درهم ولم يقصد إلى صفة الدراهم، فذا قضاه ألف درهم على أي صفة كانت الدراهم لم يحنث، فأما إذا أعطاه فيها حديداً أو رصاصاً وجب أن يحنث؛ لأنَّه لم يوفه تمام ألف درهم أو بعض ما أوفاه ليس من الدراهم.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً حلف أن يبيع عبده أو جاريته فأعتقهما أو كاتبهما حنث؛ لأنَّه حلف أن يبيعهما والعتق والكتابة ليس واحد منهما بيعاً فوجب أن يحنث.
فإن قيل: الكتابة فيها معنى البيع.(99/19)
قيل له: هو كذلك ولكن ليس ببيع على الحقيقة ولا اسم البيع يتناول له لغة ولا عرفاً، فذلك حنث وليس هذا مما نقول فيه لا يحنث حتى يموت؛ لأن ذلك إنَّما يقال فيما يصح فعله إلى ذلك الوقت والعبد إذا أعتق أو كوتب فقد فات البيع فيجب أن يحنث.
مسألة
وقال: ولو أن رجلاً قال لامرأته: أنت طالق إن ابتدأتك بكلام، فقال له المرأة جاريتي حرة إن ابتدأتك بكلام لا جزيت خيراً لم فعلت كذا ثُمَّ كلم كل واحد منهما صاحبه بعد ذلك فلا حنث على واحد منهما؛ وذلك أن الرجل ما عقد اليمين على أن لا يبتدئها بكلام ابتدأته بقولها: جاريتي حرة إن ابتدأتك بكلام فخرج الرجل من عهده ما عقده من اليمين، ولما قال لها بعد ذلك: لا جزيت خيراً فقد ابتدأها بكلام فخرجت المرأة أيضاً من عهده ما عقدته من اليمين فأيهما كلم بعد ذلك صاحبه لم يحنث؛ لأن يمين كل واحد منهما قد برت على ما بيناه، وإن كانت المسألة بحالها وكانت المرأة قال: إن ابتدأت زوجي كلام غير مباله إليه ولا مخاطبة له طلقت المرأة وذلك لأن المرأة فاتحته بكلام بعد عقده اليمين، فإذا قال: لا جزيت خيراً لم فعلت فقد ابتدأها بكلام وقد كانت يمينه على أن لا يبتدئها بكلام فحنث ووقع الطلاق، فإن لم يبتدئها بكلام بعد عقده كل واحدٍ منهما اليمين لكن هي ابتدأته عتقت جاريتها، فإن كلمها بعد ذلك لم تطلق؛ لأن الرجل يكون خارجاً من عقدة يمينه.
مسألة
قال: ولو أن رجلاً قال لآخر: والله لا لمتك يومين والله لا كلمتك ثلاثة أيم كانت يميناً واحدة لثلاثة أيام إن كانت اليمين مبهمة مذهبه أن الأيمان وإن تكررت إذا كانت أيماناً بالله فإنها تكون يميناً واحدة وسيجيء القول فيه في الباب الذي يلي هذا الباب.(99/20)
ووجهه قوله: إنها لثلاثة أيام هو أن اليمين تنعقد من حيث تلفظ بها فإذا قال لا كلمتك يوماً انعقدت من حين تلفظ بها إلى تمام اليوم، ثُمَّ قال: لا كلمتك يومين انعقدت أيضاً منحين لفظ بها إلى عام يومين ثُمَّ إذا قال: لا كلمتك ثلاثة أيم انعقدت منحين لفظ بها إلى تمام ثلاثة أيم، فكان عدد ما قال وقعت عليه اليمين في جميع ذلك ثلاثة أيام على ما بيناه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه: إلاَّ إنهم قالوا لليوم الأول ثلاث أيمان وللثالث يمين واحد على مذهبه في تكرر الأيمان، إن كان نوى ستة أيام كأنه لما قال: لا كلمتك يومين نوى أنهما بعد اليوم الأولون ولما قال: لا كلمتك ثلاثة أيام نوى بعد الأيام الثلاث، فصارت ستة على ما نوى، ويجب أن تكون الليالي تدخل في اليمين.
مسألة
قال: وإذا حلف أن لا يبيع ولا يشتري فاشترى أو باع بيعاً فاسداً يجوز فيه الهبة والعتق حنث، معنى قوله: تجوز فيه الهبة والعتق هو للتفرقة بين البيع الفساد الذي يجري بين الناس مما يقع به الملك للمشتري إذا قبضه بإذن صاحبه وبين البيع الباطل الذي يستوي عدمه ووجوده وهو كبيع الحر وكبيع سمك في بحر فإن الحنث في مثل هذا لا يقع؛ لأنَّه ليس مما يسمى بيعاً في العرف؛ ولأن شيئاً من أحكام البيع لا يتعلق له ولا يجري مثله في تعالم الناس، فأما البيع الفاسد الذي ذكره فإنه يحنث فيه عنده وند أبي حنيفة ووجهه أن اسم البيع يتناوله في العرف؛ لأن الناس من عاداتهم أن يبتاعوا البياعات الفاسدة كما يبتاعون البياعات الصحيحة، ولعل ما يجري في أسواق المسلمين من البياعات الفاسدة أكثر مما يجري من البياعات الصحيحة؛ ولأن أيضاً قد يفيد بعض فائدة البيع الصَّحيح إذا ضامه القبض، وكذلك قلنا يحنث؛ لأن اليمين تابعة للأسماء على ما بينا في غير موضع.(99/21)