قال: ولو أن امرأة توجهت للخروج من دارها فحلف زوجها أن لا تخرج فرجعت وجلست ساعة ثُمَّ خرجت حنث الرجل إن كان عادته معها المنع لها من الخروج من الدار وإن كانت عادته معها بخلاف ذلك لم يحنث، وذلك أن عادته إذا جرت أن يكون منعها عن الخروج إذا احتاج إليها بعد ساعة أو نحوها وجب أن تحمل اليمين عليها؛ لأنَّ العرف والعادة في اليمين كالمنطوق به فيجري ذلك مجرى أن يكون حلف أن لا تخرج في ساعتها تلك وإذا قعدت ولم تخرج في تلك الساعة لم يحنث إن خرجت بعد ذلك، ألا ترى أن من حلف أن لا يخرج ضيفه من داره لم يحمل ذلك على التأبيد، وإنما يحمل على ما جرت به العادة من ذلك الضيف أن يختص عند ذلك المضيف، كذلك ما ذكرناه فإن كانت عادة الرجل أن يمنعها على الدوام عن الخروج، وكان خروجها ذلك نذراًً فحلف أن لا تخرج فجلست ساعة ثُمَّ خرجت حنث؛ لأن ذلك يقتضي التأبيد وليست هناك عادة يجب قصر اليمين عليها.
مسألة(99/12)


قال: ولو أن رجلاً قال لامرأته وهي راكبة أنت طالق إن ركبت هذه الدابة فنزلت في الحال فلا حنث عليه إن لبثت قليلاً عليها وهي في أهبة النزول وحركة ثُمَّ نزلت فلا حنث عليه فإن لبثت بعد ذلك حنث، وكان كذا القول إن قال لها وهي لابسة ثوباً: أنت طالق إن لبست هذا الثوب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي: وحكى أبو بكر الجصاص عن زفر قد حنث في يمينه عقيبها؛ لأنها حصلت لابثة بعد عقد اليمين إلى أن حصل النزع والأصل فيه أن الركوب أصل للابتداء والاستمرار، وكذلك نقول: لبس إذا ابتدأ اللبس، وإذا استمر، وكذلك نقول فلان ركب من الغداة إلى العشي، وركب من موضع كذا إلى موضع كذا، وإن كان الابتداء مرة واحدة، ونقول: لبس فلان قميصه كذا يوماً وإن كان اللبس مرة واحدة، فإذا ثبت هذه الجملة فمن قال لامرأته أنت طالق على ركوبها، وهكذا اللبس، فإذا نزلت في الحال أو أخذت في أهبة النزول لا تكون استمرت على الركوب، فيجب أن لا يقع الحنث وإذا لبثت فقد استمرت على الركوب، فيجب أن يقع الحنث، وهكذا القول في اللبس، وهذه التحصيل تبطل ما ذهب إليه زفر؛ لأنها وهي أخذت في أهبة النزول أو نازلة لا تكون مستمرة على الركوب واليمين تتناول الاستمرار، وعلى هذا يجب أن يكون الكلام في من قال لزوجته وهي ساكنة دار: أنت طالق إن سكنتها؛ لأنَّه يقال: إذا سكن إذا ابتداء السكنى فإذا اسم عليها، فأما الدخول فهو مخالف لهذا عند أبي حنيفة وأصحابه وهو الصحيح؛ لأن الدخول ... للابتداء فقط، وإذا قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت هذه الدار، فأقامت لم تحنث؛ لأن المقام لا يسمى دخولاً، وإنما يقع الحنث إذا خرجت ثُمَّ دخلت بعد ذلك، وهذا ذكر لأصحاب الشافعي على قولين.
مسألة(99/13)


قال: ولو أن رجلاً حلف أن لا يدخل هذه الدار ودخلها بعد ما هدمت وجعلت صخراً أو بستاناً أو حماماً أو مسجداً أو غير ذلك لم يحنث إن كانت يمينه مبهمة، وإن كان أوى العرة حنث، قال أبو حنيفة: إن دخل وقد صارت عرضة حنث، وإن دخل وقد جعلت بستاناً أو حماماً أو مسجداً أو غير ذلك لم يحنث، قال الشافعي: لا يحنث إن دخلها وهي عرضة والأصل في هذا أن تعلق اليمين ليس هو بالعرضة على الإطلاق، وإنما هو العرضة إذا كانت على صفة وهي صفة الدار، فإذا انهدمت وزالت حوائطها وصارت عرضة خرجت عن أن تكون بصفة الدار، وزال الاسم لزوال الصفة فلم يتناولها اليمين فلم يجب أن يحنث بدخولها.
فإن قيل: الاسم باق وإن تهدمت.
قيل له: هذا غير مسلم ولو سميت العرضة داراً لكانت خيام بني أسد كلها تسمى دوراً، وهذا لا معنى له.
فإن قيل: فالعرب قد سمت الدور التي تهدمت وعفت رسومها دوراً ودياراً وقد كثر ذلك في أشعارها وأخبارها.
فإن قيل: له ذلك على ضرب من التوسع والمجاز وعلى معنى أنا كانت دياراً ومنازل والأيمان لا تحمل على إتساعات أهل اللغة إلاَّ أن يكون ذلك مقصوداً بالنية يبين ما قلناه أن الله تعالى قال: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} وهم لا يخالفون في أن البيت لا يكون بيتاً مع أنَّه خاوٍ منهدم ويحملون ذلك على المجاز، وعلى أنها كانت بيوتاً، فكذلك القول في الدار، فأما إذا قصد العرضة بنيته فيحنث؛ لأن اللفظ يتعلق بمتعلقة بحسب النية على ما مضى، وإذا جعلت بستاناً أو حماماً أو مسجداً فلا خلاف أنَّه لا يحنث، ووجهه أن معلق اليمين قد أزال الصفة التي بها تعلقت اليمين على ما مضى.
فإن قيل: فأنتم تقولون: إذا حلف أن لا يأكل هذا اللبن فصير شبرازاً وأكل حنث فما الفرق بين ذلك وبين هذا؟(99/14)


قيل له: لأن اليمين تعلقت بعين اللبن وعين اللبن هي هي، وإن كانت تغيرت صفاتها فجعلت شبرازاً وهاهنا لم تعلق اليمين بالعرضة وإنما تعلقت بجملة الدار التي العرضة منها، فإذا صارت عرضة فقد زال متعلق اليمين.
مسألة
قال: وإن حلف أن لا يسكن أهله في هذه الدار فدخلها وأكل فيها وشرب وجامع وعمل غير ذلك مما يعمل مثله الزائر ثُمَّ خرج منها لم يحنث، فإن نام فيها بالليل والنهار حنث؛ لأنَّه يكون مساكناً لهم فيها، وهذا معناه أن يكون دخل فيها وما يحتاج الساكن إليه، فإذا كان ذلك كذلك، فالقدر الذي يفعله مما قد بفعله المنتاب والزائر إذا دخله لم يحنث؛ لأنه لا يسمى مساكناً لهم في ذلك القدر؛ لأن الناس من طريق العرف يفصلون بين من يكون ساكناً للدار وبين من يكون به مساكناً لهم حنث على ما ذكره، وذلك بأن يمتد حتى يكون بالليل والنهار.
مسألة
قال: وإن حلف أن لا يلبس هذا الثوب فباعه واشترى بثمنه ثوباً غيره أو غزلاً فنسج ثوباً فلبسه لم يحنث إلاَّ أن يكون نوى ألا ينتفع من ثمنه بشيء؛ وذلك أن اليمين وقعت على لبس الثوب، فإذا باعه واشترى بثمنه غيره فلبسه لم يكن لبس الثوب الذي تعلقت اليمين به فوجب أن لا يحنث، فإن كان نوى ذلك حنث؛ لأنه في حكم من حلف أن لا يكون لابساً له ولما يكون به.
مسألة(99/15)


قال: وإن حلف ألا يلبس ثيابه، وكانت له أثواب فلبس بعضها حنث، وكذلك إن كانت له عشر جوار فحلف أن لا يطأهن يميناً مطلقة مبهمة فوطئ واحدة منهن حث، وكذلك إن حلف أن لا تلبس امرأته هذه الخلخالين، فلبست أحدهما حنث، قال أبو حنيفة والشافعي: لا يحنث حتى يلبس الجميع ويطأ الجميع وحكى مثل قولنا عن مالك ذكره ابن أبي هريرة فيما علقه عنه، والأصل في هذا أن كل جملة معينة يصح تعلق حكم عليا يصح تعلقه على أبعاضها، فمتى تعلق ذلك الحكم على تلك الجملة فقد تعلق على كل بعضٍ من أبعاضها، ألا ترى أن من أباح لغيره التصرف في جميع أمواله، ثُمَّ قال: قد حضرت عليك التصرف في أثوابي العشرة هذه، تناول الحضر آحاد الأثواب وأبعاض آحاد، كما تناول جملتها، وكذلك لو وكل رجل رجلاً ببيع جميع أمواله ثُمَّ قال له: عزلتك عن بيع جواري العشر صار معزولاً عن بيع آحادهن وعن بيع أبعاض أبعاضهن، كما صار معزولاً عن بيع جملتهن ونظائرهن، هذا أكثر من أن تعد وتحصى ، فإذا ثبت ما بيناه وعلق يمينه على أثواب له معيبة لا يلبسها، فكأنه حلف ألا يلبس هذا الثوب، ثُمَّ حلف ألا يلبس هذا حتى أتى على آخرها، فكذلك الحكم في الجواري والخلخالين، فمتى لبس وواحداً من ذلك أو وطئ واحدة منهن حنث؛ لأن اليمين تعلقت على جملة معينة، وكان يصح تعلقها على كل واحدة منها على ما بينا، يدل على ذلك أنه لو حلف أن يلبس ثيابه العشرة في هذا اليوم أو يطأ جواريه العشر في هذا اليوم، فمتى ترك واحداً منها أو واحدة منهنّ لزمه الحنث في ذلك الواحد أو الواحدة كما كان يلزمه لو ترك الجميع للعلة التي ذكرناها وهي تعلق اليمين على حكم جملة معينة، كان يصح تعلقها على حكم واحد من أبعاضها على أن المحفوظ من أبي حنيفة وأصحابه أنهم قالوا: لو حلف على أن لا يكلم الناس فلكم واحداً منهم حنث تناقصوا ويمكننا أن نجعل هذا أصلاً نقيس عليه، وكذلك عندهم لو حلف ألا يشرب ماء هذا النهر فشرب شيئاً منه حنث،(99/16)

112 / 149
ع
En
A+
A-