الموضع، قال ويعتبر فيها عرف القوم الذي يكون الحالف منهم وذلك أن العرف ربما لم يكن للجميع واختلف فيه الناس فوجب أن يحمل المخالف على عرفه دون عرف غيره، وعرفه هو عرف قومه دون من سواهم ولسنا نريد بقولنا قومه أهل ننسبه أو جاريه، وإنما نريد القوم الذي نشاء قبلهم، وأخذ عاداهم ونطق بلغتهم؛ لأن اللغات ليست بحسب المواليد والانتساب، وإنما هي بحسب النشوء العرف يتعلق بالنشوء لا بالنسب، وهذه الجملة لا أعرف فيها خلافاً وإن اختلفت في تفاصيلها.
مسألة
قال: وإذا حلف رجل لرجل بحق يلزمه كانت النية نية المحلف، وإن حلف من غير حق يلزمه فالنية نية الحالف، حكى نحوه أبو الحسن الكرخي، عن أصحابه وجه قولنا: أن من حلف بحق يلزمه فالنية نية المحلف أنا لو جعلنا النية فيه نية الحالف أمكن ك ن حلف على حق يلزمه أن ينوي غير ما يظهره فلا يحنث، وإن كان كاذباً في قوله، فكان يؤدي ذلك أن تبطل الحقوق من غير أن يحنث في يمينه، وكأن لا تكون فائدة في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم واليمين على المدعي عليه، فلما كان ذلك كذلك قلنا: إن النية نية المحلف، وأنه متى حلف على باطل لزمه الحنث، وأن نوى خلاف الظاهر، فأما إذا حلف من غير حق يلزمه فلهنيته؛ لأن المؤثر في لفظه هو قصده دون قصد غيره.
مسألة(99/2)


قال: ولو أن رجلاً حلف أن لا يأكل لحماً، فأكل كبداً أو كرشاً أو لحم قنفذ كان حانثاً إن نوى ذلك وإن كانت يمينه مهمة لم يحنث، قال الشافعي مثل قولنا في الكبد والكرش، وقال أبو حنيفة: يحنث فيهما، ولا أدري قوله في القنفذ ووجهه قولنا أنَّه لا يحنث أن بهم يمينه أن هذه الأشياء على الإطلاق بدلالة أن من دفع إلى عبده درهماً فأمره أن يشتري به لحماً لم يجز أن يشتري به كبداً ولا كرشاً ولا لحم قنفذ، فإذا كان الإطلاق على ما ذكرنا ووصفنا وجب أن تحمل اليمين عليه على أن أبا حنيفة لا يخالف أن من قال: والله لا آكل الرؤوس فأكل رؤوس العصافير أنَّه لا يحنث؛ لأن الإطلاق لا يتناوله، فأما إذا قصد ذلك بنيته فإن هذه الأشياء من جنس اللحم، فإذا صح قصده بالنية واللفظ محتمل له ولزمه؛ لأن الإطلاق وإن لم يتناولهما فليس يمتنع أن يعبر عنها باللحم.
مسألة
قال: وإن حلف أن لا يشتري لحماً فاشترى له بأمره أو بغير أمره، وكان الحالف ممن لا يشتري اللحم بنفسه حنث، قال الشافعي: لا يحنث ما لم يتولى ذلك بنفسه سوى كان ممن يفعل ذلك بنفسه أو بغيره، وإن كان ممن يشتري بنفسه كان الأمر فيه على ما نوى، وذلك أن من عادته ألا يشتري اللحم بنفسه، فإن يمينه تناولت حصول الشراء له؛ لأن قوله اشتريت أو لم أشتر يوجب العرف أو يكون مراده حصول الشراء له فمتى حصل الشراء له حنث وإن اشترى له بغير أمره فلم يجز الشراء يجب أن لا يحنث ويحتمل أن يحنث أيضاً؛ لأن يمينه يحتمل أن تتناول أيضاً أن لا يشتري له من جهة العرف، والأول هو الأصح، فأما إذا كان من يشتري بنفسه فإنه لا يحنث إن اشتهى له؛ لأن عرفه أن لا يقول اشتريت إلاَّ إذا تولى ذلك بنفسه إلاَّ أن يكون نوى أن لا يحصل له الشراء فيلزمه نيته.
مسألة(99/3)


قال: وإن حلف أن لا يشتري لأهله لحماً وعنده شاه اشتراها قبل اليمين فذبحها، أكل منها أهله أو كان عنده لحمٌ اشتراه قبل أن يحلف فأكلوا منه لم يحنث إلاَّ أن يكون نوى ألا يأكلوا لحماً، وذلك أن ظاهر يمينه تتناول الشراء، فإذا لم يقع الشراء لم يحنث إلاَّ أن يكون نوى أن لا يحصل لهم اللحم أو لا يطعمهم، فإنه يحنث؛ لأنَّه لا يستحيل أن يريد ذلك بقوله: لا يشتري على سبيل المجاز، وإن كان المجاز بعيداً بعد أن يكون محتملاً.
مسألة(99/4)


قال: وإن حلف أن لا يتأدم بأدام فأكل الخبز بشواء أو دهن أو خل أو مرق أو بصل أو ما أشبه ذلك مما يؤكل به الخبز حنث، وإن أكل بالملح والماء لم يحنث، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: الإدام ما يصطنع به، والملح أدام واللحم والشوى ليس بإدام، قال محمد: كل شيء الغالب عليه أن يؤكل بالخبز فهو إدام مثل قولنا، ووجه ما ذهبنا إليه أن العرف بين الناس في الإدام هو ما يؤكل به الخبز ما عدى الماء والملح؛ لأن من قال: اشتر لي إداماً فاشترى له ماء وملحاً كان مخالفاً للعرف، وإذا اشترى ما يؤكل به الخبز غالباً كان ممتثلاً، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما روي عنه: <سيد الإدام اللحم> وروي عنه أنَّه وضع تمرة على لقمة وقال: <هذه إدام لهذه> والاسم قد صح أنَّه يتناول ما ذهبنا إليه والعرف مقصور عليه فلا وجه لمخالفته، قالوا: الإدام في اللغة هو الجمع، يقال: أدم الله بينكما أن جمع بينكما وليس كل جمع يكون إداماً؛ لأنَّه لو جمعت لقمة إلى لقمة لم يكن إداماً والإدام هو ما يجمع إلى الخبز فيصير مستهلكاً في الخبز؛ لأنَّه متميز عنه، ويمكن أن يفرق بينهما بالنقص والمسح على أن ما ذكرتم تحكم وليس من حكم اليمين أن يحمل على الاستنشاق، وإنما يحمل على العرف لا خلاف فيه بيننا وبينهم، فإذا كان العرف ما بيننا سقط جميع ما تعلقوا به وما تبين العرف فيما ذكرنا أن من يبيع البيض والخبز وما أشبههما يسمى إداماً فصح ما ذهبنا إليه.
مسألة
قال: ومن حلف ألا يأكل من هذا اللبن فصير شبراراً أو قطا أو جبناً أ مصلاً، ثُمَّ أكل حنث، فكذلك إن حلف أن لا يأكل لبناً فأكل إقطاً أو شبرازاً أو مصلاً أو جبناً لم يحنث أو أكل زبداً لم يحنث.(99/5)


واعلم أن الذي يجب أن يحصل في هذا هو أن ينظر إلى متعلق اليمين، فإن كان لليمين متعلق بمسمى لكونه على صفة فاليمين تعلق به ما دام على تلك الصفة، وذلك مسمى على تلك الصفة، ومتى خرج عن تلك الصفة لم تتعلق اليمين به، ولا يقع الحنيث، وذلك نحو أن يقول: والله لا أكلم شاباً، فإنه يحنث إذا كلم كل شاب، ومتى خرج عن كونه شاباً لم يحنث إن لكمه؛ لأن الصفة التي لها تعلق باليمين به قد زالت، فكذلك لو قال: لا أهب للرضيع شيئاً فأي رضيع وهب له شيئاً حنث، ومن خرج عن حد الرضاع لم يحنث إذا وهب ل؛ لأنَّه يكون قد خرج عن الصفة التي تعلقت اليمن بها فإذا ثبت ما بينا صح ما ذهبنا إليه من أنَّه إذا قال: والله لا آكل لبناً فأكل إقطاً أو شبرازاً أو مصلاً أو جبناً لم يحنث؛ لأن اللبن إذا جعل هذه الأشياء فقد خرج عن كونه لبناً وزالت الصفة التي بها تعلقت اليمين، وكذلك إذا حلف أن لا يأكل سمناً فأكل زبداً لم يحنث؛ لأن الزبد ليس بصفة السمن واليمين بالسمن تعلقت، فأما إذا تعلقت اليمين على عين ووصفت العين بصفة ودخلت الصفة للتعريف القائم مقام الإشارة ولم تتعلق اليمين بالصفة، فإن اليمين متعلقة بتلك العين أبداً أو يقع الحنيث فيها، وذلك كأن يحلف أنَّه لا يكلم هذا الشاب لشاب بعينه، ألا ترى أن اليمين تعلقت بعيه وذكر الشاب دخل فيه على سبيل التعريف، لا لأن تتعلق اليمين، فمتى كلمه حنث في حال شبابه أو بعد شيخوخته، وكذلك إذا حلف أن لا يهب لهذا الرضيع شيئاً وأشار إلى رضيع بعينه؛ لأنَّه علق اليمين على شخصه وأدخل الوصف له بالرضاع للتعريف، فمتى وهب له شيئاً في حال رضاعه أو بعد فطامة أو في حال شيخوخته حنث، فإذا ثبت هذه الجملة صح ما قلنا من أنَّه إذا حلف أن لا يأكل هذا اللبن أو من هذا اللبن شيئاً فصير شيرازاً أو إقطاً أو مصلاً أو جبناً، ثُمَّ أكل حنث؛ لأن يمينه تعلقت على تلك العين، والعين هي هو وإنما تغيرت صفاته، وهكذا إن حلف إن لا(99/6)

110 / 149
ع
En
A+
A-